أحدث الأخبار
الأحد 09 آب/أغسطس 2026
1 2 3 41173
قلعة الحصن.. تسعة قرون من صمود التاريخ السوري!!
23.07.2026

حمص (سوريا) ـ تقف قلعة الحصن في ريف حمص الغربي شاهدة على تسعة قرون من التاريخ السوري، حاملة بين جدرانها الحجرية قصص الحروب والتحولات السياسية والتعايش الحضاري الذي عرفته المنطقة عبر العصور.ولا تمثل القلعة مجرد بناء عسكري قديم، بل تشكل سجلا مفتوحا يوثق مراحل مهمة من تاريخ الشرق الأوسط، ويكشف عن تطور فنون العمارة الدفاعية خلال العصور الوسطى.
وترتفع القلعة فوق تل يبلغ نحو 750 مترا عن سطح البحر، وهو موقع منحها أهمية استراتيجية استثنائية، إذ مكنها من مراقبة الطرق التي تربط الساحل السوري بالمناطق الداخلية، وجعلها مركزا عسكريا مؤثرا في مختلف المراحل التاريخية التي مرت بها المنطقة.واكتسبت قلعة الحصن مكانة عالمية عندما أدرجتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو” على قائمة التراث العالمي عام 2006، تقديرا لقيمتها المعمارية والتاريخية، باعتبارها أحد أكثر النماذج اكتمالا لفنون التحصين العسكري في العصور الوسطى، ومثالا بارزا على قدرة الإنسان على بناء منشآت تجمع بين الوظيفة العسكرية والدقة الهندسية والجمال المعماري.وتستعيد القلعة اليوم ذكرى واحدة من أكثر محطاتها قسوة، إذ تعرضت في الثالث عشر من يوليو عام 2013 لقصف خلال سنوات الحرب السورية، ما تسبب بأضرار كبيرة طالت أجزاء من بنائها التاريخي، إضافة إلى دمار أصاب المناطق السكنية المحيطة بها. وأثار استهداف هذا الموقع المدرج ضمن قائمة التراث العالمي مخاوف واسعة حول مصير أحد أبرز رموز الحضارة السورية.
وأوضح رئيس دائرة آثار قلعة الحصن في حمص، حازم حنا، أن القلعة تعد من أجمل القلاع في العالم وأكثرها حفاظًا على طرازها المعماري الأصلي، مشيرًا إلى أنها لا تزال تحتفظ بعناصرها الدفاعية الأساسية التي تعكس عبقرية البناء العسكري في تلك الفترة.
وبين أن مساحة القلعة تبلغ نحو 30 ألف متر مربع، وتتكون من قلعة داخلية وأخرى خارجية يفصل بينهما خندق مائي كان يمثل أحد أهم عناصر الحماية، إلى جانب الأسوار الضخمة والأبراج المرتفعة والممرات المحصنة التي صممت لتوفير أعلى درجات الدفاع والمراقبة.
ويعود تاريخ بناء القلعة إلى عام 1031، عندما أمر أمير حمص شبل الدولة نصر بن مرداس بتشييدها، قبل أن تعرف لاحقًا باسم “حصن الأكراد” نسبة إلى الحامية الكردية التي أقامت فيها. وخلال فترة الحروب الصليبية، تحولت القلعة إلى أحد أهم المراكز العسكرية في المنطقة، وشهدت توسعات كبيرة عززت مكانتها كواحدة من أقوى القلاع المحصنة في العالم.
وشكلت قلعة الحصن عبر تاريخها نقطة صراع بين القوى المتنافسة على السيطرة في بلاد الشام، إذ أدركت مختلف الأطراف أهمية موقعها الاستراتيجي. وبعد استعادتها من الصليبيين عام 1271، عزز السلطان الظاهر بيبرس مكانتها العسكرية، واستخدمها قاعدة للسيطرة على الطرق التجارية والعسكرية التي تصل الساحل بالداخل السوري.
ولم تكن القلعة خلال سنوات الحرب السورية بمنأى عن الأضرار التي لحقت بالعديد من المواقع الأثرية في البلاد، حيث تعرضت بين عامي 2013 و2014 لقصف ألحق أضرارًا بالساحة الداخلية، ومدخل القلعة، والدرج المؤدي إلى الساحة المستديرة، إضافة إلى برج الظاهر بيبرس وبرج القادة والواجهة الشمالية، كما ظهرت تشققات في عدد من العناصر المعمارية.
وأكد حازم حنا أن المديرية العامة للآثار والمتاحف، بالتعاون مع منظمة اليونسكو وخبراء مختصين، عملت على تنفيذ مشاريع إنقاذ وترميم هدفت إلى معالجة الأضرار والحفاظ على المكونات الأصلية للقلعة، فيما تتواصل جهود الصيانة والتأهيل لضمان استمرار حضورها كمعلم أثري وسياحي عالمي.
ويستعيد أبناء بلدة الحصن ذكريات صعبة عاشوها خلال سنوات الحرب، حيث تحدث الدكتور محمد وهبي عن ظروف الحصار التي شهدتها المنطقة، موضحًا أنه عمل في المشفى العسكري بمدينة حمص قبل انتقاله إلى المشفى الميداني داخل القلعة خلال تلك الفترة.
وأشار وهبي إلى أن البلدة تعرضت لقصف متواصل بالطيران والمدفعية والبراميل المتفجرة، ما أدى إلى سقوط ضحايا وحدوث أضرار واسعة في المباني والبنية التحتية، معتبرًا أن استهداف القلعة لم يكن مجرد حدث عسكري، بل شكل اعتداء على رمز حضاري يتجاوز حدود المكان.
وأضاف أن نحو مئتي شخص اختفوا في ظروف غامضة أثناء محاولات إجراء تسويات عام 2014، مؤكدًا أن القلعة بقيت في ذاكرة السكان رمزًا للصمود والمعاناة في آن واحد.
وقال عمار القاضي، أحد أبناء البلدة، إن من كانوا داخل القلعة خلال فترة الحصار واجهوا ظروفا إنسانية قاسية نتيجة القصف المستمر ونقص الاحتياجات الأساسية، موضحًا أن الهجمات تسببت بأضرار كبيرة في الأبراج والأبواب والدرج الأثري، إضافة إلى اندلاع حرائق في محيط الموقع.
ورغم تلك الأضرار، حافظت قلعة الحصن على حضورها كرمز للتاريخ السوري، وظلت جدرانها الحجرية تقاوم عوامل الزمن والحرب، لتؤكد أن التراث الإنساني يمتلك قدرة استثنائية على البقاء أمام محاولات الطمس والتدمير.
وتجسد القلعة اليوم قيمة تتجاوز حدود العمارة والحجر، فهي ذاكرة جماعية تختزن مراحل من تاريخ سوريا، وشاهد على حضارات متعاقبة تركت بصماتها في هذا المكان. كما تمثل نموذجا لأهمية حماية التراث الثقافي باعتباره إرثًا مشتركًا للبشرية، ومسؤولية تقع على عاتق الأجيال الحالية للحفاظ عليه ونقله إلى الأجيال القادمة.
وتبقى قلعة الحصن شامخة فوق ريف حمص، تحمل آثار الماضي وتفتح نوافذ الأمل للمستقبل، لتثبت أن المواقع التاريخية ليست مجرد أطلال صامتة، بل روايات حية تحفظ هوية الشعوب وتروي قصصها عبر القرون.

1