أحدث الأخبار
الأربعاء 15 تموز/يوليو 2026
1 2 3 41172
تراث الورد الشامي يواجه خطر الاندثار الصامت!!
19.06.2026

المراح (سوريا) ـ قبل أن تلامس أشعة الشمس التلال الصخرية المحيطة بقرية المراح شمال دمشق، يبدأ المزارعون بهدوء وخفة قطف الورود الدمشقية المتفتحة ذات اللون الزهري الجميل، في طقس يومي يعيد نفسه منذ مئات السنين. ليس مجرد موسم حصاد، بل لحظة تتوقف فيها القرية بأسرها على إيقاع واحد، تحكمه رائحة تملأ الهواء وذكريات تتشابك مع البتلات بين الأصابع.وجاء الموسم هذا العام حاملا نَفَسا من الارتياح، بعد سنوات جفاف متتالية كادت أن تمحو ما تبقى من شجيرات الورد. وعادت الأمطار لتنعش المحصول وتُعيد للحقول ألوانها الوردية المبهجة. لكن فرحة المزارعين لم تكتمل، فخلف هذا الجمال الموسمي يختبئ قلق عميق يتعلق بمستقبل تقليد عمره قرون: أجساد كبرت وعائد اقتصادي يتراجع وأجيال شابة تنظر نحو أفق آخر.وتزهر “الوردة الدمشقية” أو “الوردة الشامية” كما يحلو لأهل المراح تسميتها، لبضعة أسابيع فقط في العام، لا تتجاوز في الغالب خمسة وعشرين يوما، غير أن هذه الأسابيع القليلة تكفي لتحويل تلال القرية الجافة إلى لوحة وردية ساحرة، تستقطب الزوار وتُعيد رسم هوية هذا المكان على الخريطة العاطفية لكل من عاش فيه أو مرّ به.
وقد أدركت منظمة اليونسكو قيمة هذا الإرث، فأدرجت “الممارسات والحرف المرتبطة بالوردة في قرية المراح” على قائمة التراث الثقافي غير المادي عام 2019، اعترافًا بأن ما يجري في هذه القرية ليس مجرد نشاط زراعي، بل حضارة حية تتنفس في كل بتلة تُقطف وكل قطرة ماء ورد تُقطَّر.في حقول القرية، يمكن لأي زائر أن يرى المشهد ذاته الذي تكرر لعقود، مزارعون مسنون ينحنون فوق الشجيرات المنتشرة على السفوح الجافة بحركات بطيئة تعكس مهارة طويلة لا إجهادًا، فيما يلتف حولهم شباب أصغر سنًا يحملون دلاء مليئة بالزهور المقطوفة حديثًا في طريقها إلى ورش التقطير التقليدية.
في وسط تلك الحقول، يتنقل محمد جمال عباس ببطء واتزان، يمسك بتلات الورد بأصابع اعتادت هذا اللمس منذ عشرات السنين، يرتدي غطاء رأس تقليديا أبيض وأسود، ويتحدث بنبرة من يعرف أن الكلمات وحدها لا تكفي لشرح ما يجمعه بهذه الزهرة.يقول لوكالة الأنباء (شينخوا) وهو يتأمل الحقل من حوله، “الأسعار منخفضة وجميع المبيعات محلية، أحيانًا تبقى منتجات مثل ماء الورد دون بيع من موسم إلى آخر. نأمل أن تُباع سلع هذا العام وأن تتحسن الأسعار”.لكن عباس الذي تجاوز الثمانين من عمره لا يفكر بالتوقف. يضيف بحسم هادئ “لا يمكننا ترك هذه المهنة. حتى لو أردنا التخلص من الورود، سنظل نعتني بها. لقد تعلقنا بها. موسمها لا يدوم إلا من عشرين إلى خمسة وعشرين يومًا في السنة، وننتظرها طوال العام. لقد أصبحت الورود جزءًا من حياتنا”.
ويُحمّل عباس انتشار المنتجات المقلدة أو رديئة الجودة في الأسواق المحلية جانبا من مسؤولية تراجع الأسعار، إذ بات المستهلك العادي عاجزا عن التمييز بين ماء الورد الطبيعي الأصيل وما يُباع على أنه كذلك بأسعار أدنى بكثير، مما يُضعف تنافسية المنتج الحقيقي ويُقلص هامش ربح المزارعين الأصليين.
ما يجهله كثيرون هو أن موسم القطف القصير ليس سوى ذروة عمل يمتد طوال العام. يوضح ضياء الخطيب، وهو مزارع آخر في المراح، أن الوردة الدمشقية تتطلب رعاية دائمة ومتواصلة: سقيا وتقليما وتسميدا وعناية يومية قبل أن تهب تلك الأسابيع القليلة بعطرها وجمالها.ويقول الخطيب وهو يتفقد الشجيرات قبل أن يتوجه للإشراف على عملية التقطير، “نرتبط بهذه الوردة، نحبها، نبقى في الحقول طوال العام نسقيها ونقصها ونسمدها ونرعاها. إذا لم نزر الورود كل يومين، نشعر وكأن شيئًا ما ينقصنا”.هذه العلاقة الحميمة بين المزارع والزهرة لا تكفي وحدها لضمان الاستمرار. يُشير الخطيب بقلق واضح إلى التحول الذي يطرأ على المجتمع، “معظم من لا يزالون يعملون مع الورد هم من كبار السن. هذه الوردة ثقافة ورثناها عن أجدادنا منذ مئات السنين، لكن الأجيال الشابة ترى أن هناك وظائف أخرى أكثر ربحية”.
ما تُنتجه قرية المراح من الوردة الدمشقية يتجاوز حدود ماء الورد الذي اشتهرت به. تُعدّ العائلات مجموعة متنوعة من المنتجات التقليدية، مربى الورد من البتلات الطازجة، وشراب الورد المعطر، وكريمات بشرة منزلية الصنع، وشامبو وعطور ومستحضرات تجميل طبيعية، كلها تُصنع بتقنيات متوارثة عبر الأجيال وبأجهزة تقطير نحاسية تقليدية صامدة أمام الزمن.
هذا التنوع في المنتجات هو تعبير عن هوية راسخة. تؤكد عائلات عديدة في القرية أن هذه المنتجات المنزلية هي ما يحافظ على روح المراح ويُميّزها عن غيرها، حتى في أصعب الظروف الاقتصادية.وزار هذا العام، نحو ثمانمئة زائر قرية المراح، من بينهم مجموعات سياحية منظمة جاءت خصيصًا لمشاهدة موسم الحصاد وعملية التقطير التقليدية وشراء المنتجات مباشرة من المزارعين. هذا الرقم يُمثل نقطة ضوء حقيقية في مشهد يغلب عليه القتام الاقتصادي، إذ يُعيد الزوار شيئًا من الاهتمام والحياة إلى هذا التقليد.
غير أن السياحة الموسمية لا تحلّ المعضلة البنيوية التي يعاني منها القطاع. يُشير المزارعون إلى عوائق هيكلية تحول دون توسيع آفاق عملهم: طاقة إنتاجية صناعية محدودة، وتحديات في التعبئة والتغليف لا تستوفي اشتراطات الأسواق الخارجية، وضعف في قنوات التصدير تراكم إبان سنوات طويلة من العزلة الاقتصادية التي مرّت بها سوريا.والنتيجة مؤلمة هي أن منتجا طبيعيا أصيلا يحمل شهادة تراث عالمي من اليونسكو يظل حبيس الاستهلاك المحلي، بينما تكتسح المنتجات المقلدة الأسواق وتسرق جزءًا من حصته وسعره.ويُجمع مزارعو المراح على أن الحفاظ على الوردة الدمشقية بوصفها تراثا حيا لا مجرد ذكرى يستلزم تدخلًا جادًا على أكثر من مستوى: دعما حكوميا ومؤسسيا لتطوير البنية التحتية للإنتاج، وتسويقا احترافيا يُعرّف بالمنتج الأصيل ويُميّزه عن المقلد، وربطا فعليا بالأسواق الإقليمية والدولية التي يبحث بعضها فعلًا عن هذا النوع من المنتجات الطبيعية الراقية.دون هذا الدعم، يبقى المشهد رهينًا لمعادلة صعبة، جيل مسن يرفض التخلي عن الزهرة التي أحبها ولو بالخسارة، وجيل شاب يحسب الأرقام بعقل بارد ويختار مسارات أخرى. وبين هذين الجيلين، تتفتح الوردة الدمشقية كل عام في المراح، تملأ الهواء بعطرها لأسابيع قليلة، ثم تنتظر عامًا آخر ومزارعين آخرين، علّهم يأتون.

1