أحدث الأخبار
الثلاثاء 16 حزيران/يونيو 2026
1 2 3 41170
مقهى "الآباء والأجداد" في كركوك: ذاكرة العراق على طاولة الشاي!!
03.06.2026

كركوك (العراق)- بين فناجين الشاي ورائحة الخشب العتيق، يواصل الرجل الخمسيني أبومراد عمر أحمد استقبال زبائنه يوميا، حارسا لذاكرة مدينة لا تزال تبحث عن ملامحها القديمة وسط زحام الحداثة.في أحد أحياء كركوك القديمة، اختار أبومراد أن يحوّل شغفه بالتراث إلى مساحة تستعيد ملامح الزمن الجميل، فأنشأ مقهى “ده ده لر يادكتر” أي “مقهى الآباء والأجداد”، ليكون ملاذا لعشاق الهدوء وذكريات الماضي.
وبين مقتنياته العتيقة يجلس الرجل كأنه حارس لذاكرة زمن مضى. وداخل مقهى “الآباء والأجداد” تختلط رائحة الشاي الساخن بصوت فناجين “الاستكانات”، فيما تروي الجدران حكايات عقود طويلة من تاريخ المدينة.وللوهلة الأولى يصدم الداخل إلى المقهى إعلان عُلّق عند المدخل جاء فيه: “يمنع دخول الشباب والأطفال دون سن 18 عاما إلى المقهى”، في إشارة واضحة إلى رغبة صاحب المكان في الحفاظ على هدوء المقهى وطابعه التراثي الذي يجذب كبار السن ومحبي الماضي.
أبومراد، الذي اتخذ من جمع “الأنتيكات” والأشياء التراثية مصدرا للعيش والرزق، لا يكتفي بعرض مقتنياته فحسب، بل يستقبل زبائنه بالقهوة والشاي وبقية المشروبات التي يطلبونها، وكأنه يريد أن يعيد لرواد المكان دفء المقاهي العراقية القديمة التي كانت تجمع الأصدقاء والوجهاء والكتّاب.
وقال أبومراد عمر أحمد لوكالة أنباء عراقية خاصة إن “فكرة المقهى بدأت من شغفه القديم بجمع القطع التراثية والأدوات القديمة التي كانت تستخدم في المنازل العراقية قبل عشرات السنين”، مبينا أن أغلب تلك القطع حصل عليها من كبار السن أو من منازل قديمة أزيلت بمرور الزمن.
وأضاف أن المقهى تحول بمرور الوقت إلى مكان يقصده محبو التراث والباحثون عن الهدوء، لافتا إلى أن هناك زبائن يأتون فقط لمشاهدة المقتنيات القديمة والتقاط الصور معها، فيما يحرص آخرون على قضاء ساعات طويلة في لعب الدومينو والطاولي واحتساء الشاي.
وعلى جدران المقهى تتدلى صور شخصيات عراقية بارزة، من بينها صورة الزعيم الراحل عبدالكريم قاسم، والرئيس العراقي الأسبق أحمد حسن البكر، إلى جانب ساعات جدارية قديمة، ومدفأة “علاء الدين”، وأوانٍ نحاسية، وجرة تاريخية يقول أبومراد إنها صنعت سنة 300 للهجرة.
ولا تبدو المقتنيات المعروضة داخل المقهى مجرد ديكور عابر، بل هي أقرب إلى متحف شعبي مصغر يحاول صاحبه إنقاذ ما تبقى من ذاكرة المدينة، فكل قطعة تحمل قصة مختلفة، وبعضها يعود إلى عشرات السنين، فيما أكد أبومراد أن “العديد من الأدوات باتت نادرة جدا ولم تعد موجودة حتى في بيوت كبار السن”.
العودة إلى الماضي
وقال أحد رواد المقهى، ويدعى حسن علي، لوكالة الأنباء العراقية الخاصة إن “المكان يختلف تماما عن بقية مقاهي كركوك الحديثة”، مبينا أن الهدوء والطابع التراثي يجعلان الجالس يشعر كأنه عاد إلى سبعينات وثمانينات القرن الماضي.
ووفقا لحديث علي، بات المقهى مقصدا للباحثين عن الراحة بعيدا عن الضوضاء والهواتف المحمولة والألعاب الإلكترونية، مشيرا إلى أن أغلب رواده من كبار السن والمتقاعدين الذين يجدون فيه مساحة لاستذكار الماضي وتبادل الأحاديث القديمة.
بدوره أوضح أحمد رشيد، وهو أحد زبائن المقهى الدائمين، أن أكثر ما يلفت الانتباه هو اهتمام صاحب المكان بالتفاصيل الصغيرة، من طريقة تقديم الشاي إلى ترتيب الأدوات التراثية، مضيفا أن الجالس يشعر كأنه داخل بيت بغدادي أو كركوكي قديم.
وأشار إلى أن المقهى لا يعتمد على الموسيقى الصاخبة أو شاشات التلفزيون الحديثة لجذب الزبائن، بل يعتمد على البساطة والهدوء والحنين إلى الماضي، وهو ما يجعله مختلفا عن بقية المقاهي المنتشرة في المدينة.
أما عبدالله خليل فيرى أن “ده ده لر يادكتر” ليس مجرد مقهى، بل مساحة ثقافية واجتماعية تجمع مختلف أطياف المجتمع الكركوكي، مؤكدا أن المكان أصبح معروفا حتى لدى الزوار القادمين من خارج المحافظة.
وفي حديثه لوكالة الأنباء العراقية الخاصة أكد أن بعض السائحين والمهتمين بالتراث الشعبي يقصدون المقهى خصيصا لرؤية القطع القديمة والتعرف على تفاصيل الحياة العراقية القديمة، خاصة أن الكثير من الأدوات المعروضة اختفت من الاستعمال اليومي منذ عقود.
وفي زاوية أخرى من المقهى يجلس عدد من الصم والبكم حول طاولات الدومينو والطاولي، يتبادلون الإشارات والضحكات بصمت، بينما تتصاعد أبخرة الشاي من أمامهم.
وتابع أبومراد قائلاً إن هؤلاء من الزبائن الدائمين الذين اعتادوا المجيء يوميا تقريبا، مؤكدا أن المقهى يمثل لهم مكانا مريحا وهادئا بعيدا عن صخب الشارع.
وقال أحد رواد المقهى، ويدعى سمير جبار، لوكالة الأنباء الخاصة إن ما يميز المكان هو شعور الألفة الذي يمنحه للزبائن، موضحا أن الزبائن يعرفون بعضهم البعض، وأن الجلسات تمتد لساعات طويلة دون ملل.
ولفت إلى أن المقهى حافظ على هويته القديمة رغم التطور الكبير الذي شهدته المدينة، مؤكدا أن الكثير من المقاهي الحديثة فقدت روحها الاجتماعية، بينما بقي “ده ده لر يادكتر” محافظا على بساطته وأصالته.
رغم التغيرات السريعة التي طرأت على شكل الحياة في كركوك، ما زال هذا المقهى الشعبي يقاوم الزمن بطريقته الخاصة، مستندا إلى ذاكرة المكان وحنين رواده إلى الماضي.
ففي كل زاوية من زواياه حكاية، وفي كل قطعة أثرية أثر لأشخاص رحلوا وبقيت مقتنياتهم شاهدة على زمن آخر.

1