بمناسبة اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري في 30 أغسطس ، تعود قضية آلاف العراقيين الذين غيبتهم الاعتقالات السرية والاحتجازات غير المعلنة إلى الواجهة، وهي واحدة من أكثر ملفات حقوق الإنسان تعقيداً في العراق، خصوصاً منذ صعود تنظيم داعش عام 2014 وتوسع العمليات العسكرية التي شاركت فيها فصائل «الحشد الشعبي».وتشير تقارير الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية دولية إلى أن الإخفاء القسري لم يكن ظاهرة عابرة مرتبطة بمرحلة الحرب على داعش، بل تحول إلى نمط متكرر شمل مناطق واسعة، ولا سيما المحافظات ذات الغالبية السنية التي خضعت لسيطرة التنظيم أو شهدت عمليات عسكرية لاستعادتها.ويعد تقرير بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق ومكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان من أكثر التقارير أهمية في هذا الملف. فقد خلص التحقيق في عمليات جرت بمحافظة الأنبار خلال عامي 2015 و2016 إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن ما لا يقل عن ألف رجل وفتى، معظمهم من العرب السنة، تعرضوا للاختفاء القسري وانتهاكات مرتبطة به، بينها التعذيب والإعدام خارج نطاق القضاء.وكانت قوات الحشد الشعبي من أبرز الجهات التي ورد اسمها في تقارير التوثيق الدولية، فقد وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش 78 حالة اختفاء قسري بين أبريل 2014 وأكتوبر 2017، وقالت إن 36 حالة منها ارتكبتها مجموعات مختلفة من الحشد الشعبي، وهو العدد الأكبر بين الجهات التي وثقها التقرير.وفي محافظة صلاح الدين، وثقت المنظمة بعد استعادة تكريت عام 2015 احتجاز نحو 200 رجل وصبي، ظل ما لا يقل عن 160 منهم في عداد المفقودين، واتهمت فصائل من الحشد، بينها بدر وعصائب أهل الحق وكتائب حزب الله، بالمسؤولية عن الانتهاكات التي أعقبت العمليات العسكرية. ولم تتوقف الظاهرة بانتهاء العمليات الكبرى ضد داعش، ففي أعقاب احتجاجات تشرين 2019، تحدثت تقارير حقوقية عن موجة جديدة من عمليات الاختطاف والاختفاء استهدفت متظاهرين وناشطين وصحفيين.
وأفادت تقارير أممية بأن 154 بلاغاً عن مفقودين أو أشخاص يُعتقد أنهم اختُطفوا أو احتُجزوا وصلت خلال فترة امتدت من أكتوبر 2019 إلى مارس 2020، فيما أشارت تقارير حقوقية إلى الاشتباه في تورط فصائل من الحشد في عدد من هذه الحالات. وتكمن خطورة الإخفاء القسري في أنه لا ينتهي بمجرد الاعتقال؛ فجوهر الجريمة هو إنكار وجود المحتجز أو رفض الكشف عن مصيره ومكان وجوده، بما يترك عائلته معلقة بين الأمل والخوف، ويمنح الجهة المسؤولة قدرة على الإفلات من المساءلة.ورغم أن العراق طرف في الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، فإن ملف المفقودين ظل يعاني من ضعف التحقيقات والمساءلة. وتقول هيومن رايتس ووتش إن السلطات العراقية لم تقدم في حالات عديدة معلومات كافية عن مصير المختفين، ولم تُظهر إجراءات فعالة لمحاسبة المسؤولين. وبعد أكثر من عقد على حرب داعش، لا يزال السؤال الأصعب بلا إجابة: أين آلاف العراقيين الذين خرجوا من منازلهم أو أوقفوا على الحواجز ولم يعودوا؟ بالنسبة إلى عائلاتهم، لم تنته الحرب؛ فالمفقود الذي لم يُعرف مصيره ما زال حاضراً في كل بيت، وما زال حقه في الحقيقة والعدالة قائماً.
*المصدر : الخليج أونلاين











