أحدث الأخبار
الثلاثاء 16 حزيران/يونيو 2026
1 2 3 41435
الأبواب النجدية.. تراث محفور بالألوان.!!
14.05.2026

الرياض – في مشهدٍ بصري يعكس عمق الموروث النجدي وثراءه الفني، نجح الحرفيون في تحويل عناصر البيئة المحلية إلى أدوات جمالية تحفظ روح المكان، مستلهمين من نبات الطرثوث “الهالوك الصحراوي” والصمغ العربي ألوانًا طبيعية تُستخدم في تزيين نقوش الأبواب النجدية والرواشين التقليدية، لتبقى الحرفة شاهدًا حيًا على ارتباط الإنسان السعودي بتراثه وأدواته الشعبية القديمة.وتحمل الأبواب النجدية تفاصيل زخرفية دقيقة تشكل هوية بصرية خاصة، إذ تتنوع نقوشها بين الزخارف الدائرية المتمثلة في النجمة السداسية داخل دائرة تحيط بها نقاط صغيرة ترمز للحماية والتناسق، وزخارف المثلثات المتكررة التي تشبه “أسنان المخلب” وتعبّر عن القوة والتماسك، إلى جانب الأشرطة الجانبية المزخرفة التي تؤطر الباب وتحميه بصريًا، فضلًا عن العوارض الخشبية الأفقية التي تمنح الباب صلابته وتوازنه الجمالي.وفي حديثه عن أسرار هذه الحرفة، أوضح المستشار الحرفي والمتخصص في صناعة الأبواب النجدية عبدالله المحيميد، الذي أمضى أكثر من 40 عامًا في المهنة، أن جمالية الأبواب النجدية تكمن في بساطتها وألوانها الطبيعية التي ابتكرها الآباء والأجداد من خامات البيئة المحلية، مشيرًا إلى أن خشب الأثل كان المادة الأساسية لصناعة هذه الأبواب لما يتمتع به من قوة وصلابة، مع الحاجة إلى مهارة عالية في تركيب شرائحه وربطها بدقة.
وأكد المحيميد أن الأبواب النجدية تحولت مع مرور الزمن إلى قطع فنية نفيسة تستقطب المهتمين بالفن والتراث حول العالم، نظرًا لما تحمله من قيمة جمالية وهندسية فريدة.وبيّن أن الألوان المستخدمة في النقوش تُحضّر يدويًا من مواد طبيعية، مثل نبات الطرثوث، وقشر الرمان، وحجر “النغرو” القادم من مناطق الجنوب، حيث تُطحن هذه المكونات وتُمزج بالصمغ العربي لإنتاج ألوان تراثية أصيلة يغلب عليها الأزرق والأحمر والأصفر والأسود، وأحيانًا الأبيض.وأشار إلى أن مرحلة لاحقة شهدت استيراد بعض الأصباغ الطبيعية من بلاد الشام والهند على هيئة مسحوق “بودر”، قبل أن يقوم الحرفي بخلطها يدويًا بنسب دقيقة وفق خبرته الخاصة، لافتًا إلى أن جمال الباب النجدي يعتمد على التناسق الهندسي بين المربعات والمعينات والمثلثات والعلامات المتقاطعة، إضافة إلى العوارض الخشبية التي تمنحه حضوره البصري المميز.وأضاف أن كثافة النقوش وعدد مصاريع الأبواب كانت قديمًا تعكس مكانة أصحاب المنزل وثراءهم، خصوصًا في مجالس الرجال التي تمثل واجهة البيت ومكان استقبال الضيوف. واستشهد المحيميد بأحد الأبواب النجدية التي لا تزال متماسكة بألوانها ونقوشها منذ أكثر من 120 عامًا، معتبرًا إياها من أجمل النماذج التي صادفها خلال مسيرته الطويلة.ولفت إلى أن أبواب غرف العرائس “الرواشين” لا تقل جمالًا عن أبواب المجالس، إذ تحظى بعناية كبيرة في النقش والزخرفة باستخدام الألوان الطبيعية، حتى أصبحت نقوش الرواشين من أبرز الفنون المرتبطة بالعمارة الطينية التقليدية.من جانبه، أشار الفنان التشكيلي علي الجاسر إلى أن النقوش والزخارف النجدية تمثل رسائل تراثية يقدّمها عبر أعماله داخل المملكة وخارجها، موضحًا أن من أبرز هذه الزخارف “البيذانة”، و”الزهرة”، و”عنقود العنب”، و”الشمس”، وهي عناصر تحمل دلالات جمالية متوارثة تعبّر عن البيئة النجدية وروحها.الحرف اليدوية أكثر من مجرد فن بصري، فهي ذاكرة ثقافية حيّة تختزن قصص الماضي، وتجسد حضارة متجددة ما زالت تنبض بالحياة في وجدان المجتمع السعودي المعاصروبيّن الجاسر أن الفنون التراثية في المملكة تتنوع بحسب المناطق، فهناك النقوش النجدية في الوسط، و”القط العسيري” جنوبًا، و”الرواشين” غربًا، و”باب البحر” شرقًا، و”السدو” شمالًا، في تنوع يعكس ثراء الثقافة السعودية وتعدد روافدها الفنية.
أما الفنانة التشكيلية نوف السويلم، فأكدت أن الأبواب النجدية تُعد أحد أبرز عناصر العمارة التقليدية في نجد، لما تحمله من رمزية ثقافية وعمرانية تعبّر عن الهوية المحلية، مشيرة إلى أن تصاميمها تتسم بالدقة والبساطة، مع حضور واضح للزخارف الهندسية والنباتية المتكررة، إضافة إلى المسامير الحديدية التي تؤدي دورا جماليا إلى جانب وظيفتها العملية.وأضافت أن هذه الزخارف امتدت إلى العديد من المنتجات النفعية المتداولة بين أفراد المجتمع، لتصبح رمزا تراثيا أصيلا يعكس الاعتزاز بالهوية الوطنية.وفي السياق ذاته، وصفت الفنانة التشكيلية قمراء الحربي تخصيص عام 2025 للحرف اليدوية بأنه مبادرة وطنية تعكس اهتمام القيادة الرشيدة – حفظها الله – بإحياء التراث السعودي وتعزيز حضوره عالميًا بوصفه صورة حضارية وثقافية للمملكة.وأكدت أن منطقة نجد برزت تاريخيًا بعدد من الحرف التقليدية، وفي مقدمتها صناعة الأبواب النجدية التي تحمل عبق الأجداد وروحهم المتجذرة، مضيفة “ليست مجرد أبواب، بل إرث من الخشب والروح، نحتها أجدادنا بأيديهم وأدواتهم البسيطة، فصارت هوية وطنية تروي حكايات المجد والأصالة، وتُلهم كل عاشق للجمال”.وتبقى الحرف اليدوية، بما تحمله من نقوش وألوان وحكايات، أكثر من مجرد فن بصري، فهي ذاكرة ثقافية حيّة تختزن قصص الماضي، وتجسد حضارة متجددة ما زالت تنبض بالحياة في وجدان المجتمع السعودي المعاصر.


1