logo
قصة اليوم : شاب فلسطيني عالق في مطار أبو ظبي منذ 5 شهور.. لا يسمح له بدخول الإمارات ولا العودة إلى غزة!!
بقلم :  وديع عواودة ... 23.08.2020

غداة الكشف عن اتفاق التطبيع بين الإمارات وإسرائيل، تجول عدد كبير من الصحافيين الإسرائيليين في المدن الإماراتية، وبثوا تقارير من هناك بحرية مطلقة كما أكدوا. ونقلوا قصة شاب فلسطيني عالق في مطار أبوظبي من خمسة شهور.
وعلاء وفق تقرير صحافي إسرائيلي من دبي، عالق داخل غرفة في مطار أبو ظبي غير قادر على دخول الإمارات ولا العودة إلى قطاع غزة. وأوضحت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية بطبعتها الإنجليزية أمس أن الغمري محجوز داخل غرفة صغيرة في أبو ظبي منذ خمسة شهور، رغم أنه غير مذنب بارتكاب أي خطأ، إذ إن إسرائيل ومصر ترفضان السماح له بالعودة إلى غزة، والإمارات لا تسمح له بدخولها.
وخلال اعتقاله في غرفة صغيرة، رسم علاء طائرة كبيرة على جدار غرفته بقلم رصاص في إشارة لأمنيته بالسفر والعودة إلى وطنه. وأوضحت الصحيفة الإسرائيلية أن الغمري يريد فقط العودة إلى بيته في قطاع غزة، وحاليا هو سجين في غرفة بسيطة بجدران وأرضية مكشوفة وخزانة وسرير وتلفزيون وثلاجة وكرسي بذراعين، النوافذ مغلقة، والباب مغلق معظم ساعات اليوم، يحصل على وجبات أكل سريع لا تتغير ثلاث مرات في اليوم، ويسمح لها بمغادرة الغرفة لساعتين في اليوم، إلى ساحة صغيرة محاطة بسياج.
المبيت على الكرتون
وتقول الصحيفة إن علاء لا يعرف ما هي استخدامات هذه الغرفة عادة، كما أنه لا يعرف كم من الوقت سيظل محتجزا هناك. واستذكرت أنه في البداية كان يبيت في مطار أبو ظبي على علب كرتون نشرها على الأرض ثم تم حجزه في أحد فنادق المطار حتى تم إحضاره إلى مدينة زايد في أبو ظبي.
مرة واحدة فقط سُمح له بمغادرة سجنه في الفندق لعلاج أسنانه، ثم فكر في الهروب، حتى تذكر أنه لا يوجد مكان يهرب إليه. وفي هذا المضمار تستذكر الصحيفة أن الواقع يتفوق على الخيال أحيانا، حيث تقول إن ستيفن سبيلبيرغ شهد الموقف نفسه في فيلم “تيرمنال”عن لاجئ إيراني محاصر في مطار جون كيندي في نيويورك، وقد تم رفض دخوله إلى الولايات المتحدة، إضافة لعدم قدرته على العودة إلى بلاده أيضا.
وتتابع: “بعكس الفيلم، فإنه في الواقع هنا لكن لا أحد يستطيع أن يرى نهاية واضحة لـ”النسيان الغريب والقاسي” الذي وقع فيه الغمري، وهو ابن سائق تاكسي فلسطيني من خانيونس. يمكن أن تكون قصة الغمري بمثابة استعارة أو حكاية رمزية عن وضع عام أكثر مسجون في دولة عربية أقامت علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، رغم أنها تنحي الفلسطينيين جانبا، ولا توجد دولة مستعدة لمساعدته على العودة إلى الوطن.
وتتابع “هآرتس”: “لكن الغمري ليس استعارة ولا رمزية، إنه رجل أعزب يبلغ من العمر 26 عاما، ولد وعاش كل حياته في مدينة خانيونس ولم يغادر قطاع غزة أبدا. ساعد الغمري والده في إدارة شركة سيارات أجرة، وكان يحلم بمستقبل مختلف أقل قسوة من خانيونس. تحول حلمه إلى كابوس يعيشه الآن”.
الحلم قبل تحوله إلى كابوس
وعن بداية المأساة تقول الصحيفة الإسرائيلية، إن علاء خريج من كلية تربية بدنية في قطاع غزة، لكنه لم يتمكن من العثور على عمل العام الماضي، فقرر محاولة البحث عن وسيلة لمغادرة غزة على أمل إيجاد مستقبل أفضل في مكان آخر.
ومن خلال وكالة سفر محلية، حصل على تأشيرة دخول إلى الإمارات حيث خاله كريم عودة، شقيق والدته، مهندس طيران، يعيش في دبي منذ 30 عاما. وعد الخال ابن شقيقته بالعثور على وظيفة له كرجل إطفاء في دبي بعد أن خضع للتدريب.
وتتابع “هآرتس”: “بدا المستقبل وردياً لعلاء عندما غادر قطاع غزة في 6 كانون الأول/ ديسمبر الماضي. لا شيء أعده لما سيأتي. بعد العبور إلى مصر عبر رفح، سافر إلى القاهرة، ووصل إلى مطار المدينة الدولي بعد قرابة 24 ساعة على الطريق. هبط في دبي في اليوم التالي. خاله الذي لم يلتق به قط، اصطحبه في المطار إلى منزله الواسع حيث حصل على وحدة سكنية خاصة. بدت الحياة واعدة. لقد أسره أمران عن دبي على الفور: توفّر مصدر طاقة كهربائية ثابت دون انقطاع – وهو شيء لم يسبق له مثيل من قبل – والشعور بالأمان والهدوء دون ضجيج الطائرات بدون طيار المتواصل في السماء، وبدون خوف ورعب من التعرض للقصف ليل نهار، وهو روتين الحياة في خانيونس. كان هذا شيئاً جديدا تماما بالنسبة له”.
قال علاء هذا الأسبوع عبر الهاتف من مكان اعتقاله لـ”هآرتس”: “الهدوء الداخلي مع عدم حدوث أي شيء، مع عدم وجود ما يخشاه، والكهرباء طوال الوقت، هذه أشياء لم أكن أعرفها من قبل”. كما أن الترتيب والنظافة في دبي أثارا إعجابه بشدة، حيث كان مختلفا جدا عن محيط منزله.
وحسب “هآرتس” أمضى الغمري شهرين كسائح في دبي، حتى يحين موعد ترتيب تدريبه على مكافحة الحرائق، ثم تفشي وباء كورونا، وفي نهاية شباط/ فبراير تم إبلاغه بإلغاء دورة مكافحة الحرائق. قرر العودة إلى منزله في خانيونس، وما لبث أن تحطم حلمه، إذ كان يعلم أن البوابات على وشك الإغلاق بسبب الوباء.
وفي 19 مارس/ آذار استقل طائرة متوجهة إلى القاهرة، للعودة إلى غزة عبر معبر رفح، وفي مطار القاهرة، نُقل إلى غرفة جانبية، وأبلغه ضابط الجوازات بأنه لن يتمكن من دخول مصر فعاد للإمارات. وأمضى الغمري الأيام العشرة التالية نائماً على علب كرتون مبعثرة على أرضية المطار في القاهرة، ولم يكن وحده، فقد تقطعت السبل بحوالي 120 راكبا آخرين من اليمن وألبانيا وطاجيكستان وغيرها. ولاحقا زودته شركة الطيران بقسائم طعام، وبعد عشرة أيام على الأرض، نقلته شركة الطيران إلى فندق دبي في المطار. وقد مُنع من مغادرة الفندق، وقام رجال الأمن بزيارات مفاجئة إلى غرفته للتأكد من أنه لم يهرب.
في 20 مايو/ أيار، أُبلغ بأن المطار والفندق يستأنفان نشاطهما الجزئي مما يعني أنه سيحتاج إلى نقله إلى منشأة أخرى في المدينة. وتضيف “هآرتس”: “منذ ذلك الحين وهو محتجز في الغرفة الصغيرة التي تحدث إلينا منها هذا الأسبوع بنبرة حزينة. عاد معظم الركاب الذين علقوا معه إلى بلدانهم، ولم يبق معه سوى مجموعة صغيرة من السوريين واليمنيين”.
البحث عن فرج إسرائيلي
داخل سجنه الصغير اكتشف الغمري خلال تصفح فيسبوك أن منظمة حقوق الإنسان الإسرائيلية، مركز الدفاع عن الفرد “هاموكيد” التي تتخذ من القدس مقراً لها، قد ساعدت امرأة فلسطينية عالقة في الضفة الغربية على العودة إلى منزلها في الولايات المتحدة.
شجعه ذلك، فكتب إلى “هاموكيد ” في 17 يونيو/ حزيران، فبادرت دنيا عباس، مديرة قسم الاستقبال والمعلومات في المنظمات غير الحكومية داخل المنظمة الحقوقية إلى مساعدته.
الطريقة الأكثر وضوحا بالنسبة له للعودة إلى الوطن، هي السماح له بالمرور عبر مطار بن غوريون ومن هناك عبر معبر بيت حانون إلى قطاع غزة. وتشير “هآرتس” إلى أن هذا احتمال نادر لسكان غزة رغم أنه يتم في حالات استثنائية.
وفعلا توجهت عباس إلى إدارة التنسيق والارتباط في الجيش الإسرائيلي تطلب السماح للغمري بالمرور عبر مطار بن غوريون في تل أبيب في حالة عدم وجود أي بديل آخر، حيث أغلقت مصر حدودها في أعقاب وباء كورونا، لكنها لم تتلق أي رد.
في 26 يوليو/ تموز، قدمت “هاموكيد” التماساً إدارياً إلى المحكمة المركزية في القدس المحتلة بصفتها محكمة للشؤون الإدارية، ضد وزير الداخلية ومكتب منسق الأعمال الحكومية في المناطق المحتلة يطالب بالسماح لعلاء الغمري بالعودة من دبي إلى منزله عبر مطار بن غوريون الدولي. كانت الاستجابة الأولية سلبية، وطالب ممثلو وزير الداخلية وما يعرف بـ”منسق أعمال الحكومة في المناطق” بأن “يتم رفض الالتماس على الفور”.
حالة إنسانية
وذكروا أن مصر أعادت فتح معبر رفح أمام الأجانب، وأن الملتمس لا يشير إلى مصدر التزام المدعى عليهم بالسماح لمقدم الالتماس الذي غادر قطاع غزة دون المرور بإسرائيل، بالدخول إليها عبر مطار بن غوريون بغرض دخول غزة، ومن هنا استنتجوا أن الالتماس لا أساس له.
كما طلب محامي المدعى عليهم، يوئيل فوغلمان، من النيابة العامة في منطقة القدس الاستماع إلى الالتماس، إذا لم يتم رفضه بإيجاز في محكمة بئر السبع المركزية لأسباب إدارية، وتم قبول الطلب.
منحت محكمة بئر السبع منظمة “هاموكيد” 21 يوما للرد على حجج الدولة، وقدّم ردها يوم الثلاثاء الماضي. وقالت المحامية ميساء أبو صالح، من الدائرة القانونية في المنظمة غير الحكومية، للمحكمة إن الادعاء بأن مصر مفتوحة لعلاء الغمري غير صحيح. وكتبت إلى المحكمة: “إذا لم يتم اعتبار قضية صاحبة الالتماس حالة إنسانية استثنائية، فإن هذا الشرط سيبدو خاليا من المضمون”.
معاملة الموظفين حسنة
والآن وعلى أمل أن يأتي فرج من جهة الأعداء بدل الأشقاء، ينام الغمري أثناء النهار، ويقضي الليالي يشاهد التلفاز ويتصفح الإنترنت. كذلك وبعد نفاذ النقود الذي بحوزته اقترض بعض النقود من مواطن سوري ليقتني سجائر، ولاحقا أصبحا صديقين، لكن السوري ما لبث أن تحرر من أزمته وتمكن من المغادرة إلى السودان.
ويقول الغمري إن الموظفين الذين يحضرون له وجباته يشترون له السجائر ويعامل بشكل جيد. وناشد الغمري السلطات الإماراتية، وقيل له إنه عندما ينجح في إيجاد دولة توافق على فتح أبوابها له، سيتمكن من المغادرة.
ويشير إلى أنه اتصل بالسفارة الفلسطينية في الإمارات التي أخبرته أنه بسبب وقف التنسيق المدني بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل لن يتمكنوا من مساعدته في تقديم طلب إلى إسرائيل، لكنها وعدته بمجرد إعادة فتح معبر رفح، ستساعده على العودة عبر مصر، وحاليا هو أسير داخل الغرفة الصغيرة.

**المصدر القدس العربي

www.deyaralnagab.com