logo
أميرة المضحي: روايتي تطرح أسئلة لا أملك الإجابة عنها!!
بقلم :  زكي الصدير ... 28.07.2016

مازالت هنالك مناطق ثرية يمكن للروائي السعودي أن يقتحمها بذكاء متحصناً بثقافته وبمطالعاته وبذكائه في المشي بين الألغام، لا سيما تلك الألغام المحفوفة بالسياسة وبالدين. ضيفتنا الروائية السعودية أميرة المضحي اقتحمت في روايتها الأخيرة منطقة حساسة، لكنها توغلت في طرقاتها بخفة العارف بها، والقادر على تناول أسرارها. “العرب” التقت الروائية للحديث حول تجربتها والبعض من القضايا الفكرية الأخرى.
بعد خمس سنوات من العزلة والكتابة والمحو والقلق، أصدرت الروائية السعودية أميرة المضحي (مواليد جزيرة تاروت بالقطيف 1981) مؤخراً روايتها “يأتي في الربيع” عن “دار الكفاح” السعودية، وتأتي هذه الرواية بعد ثلاث روايات ابتدأتها عام 2005 برواية “وغابت شمس الحب”، ثم “الملعونة” 2007، ثم “أنثى مفخخة” 2010 عن “دار الانتشار” بلبنان.
تقول المضحي عن تجربتها الأخيرة لـ”العرب” “كتابة رواية ‘يأتي في الربيع” أخذت مني وقتاً زاد عن خمس سنوات، لم تكن كتابة متواصلة، لكنها الفترة الممتدة من بداية الكتابة حتى صدورها، دون أن أنسى أني تخلصت من الخمسين صفحة الأولى في لحظة غضب ممّا يجري، وأعدت كتابتها من جديد. ما حدث ويحدث صادم وجنوني ومخيف. الآن أنا بحاجة إلى الخروج من الرواية، وأن أعطي وقتي لنفسي، لقراءاتي، للسفر، للأصدقاء، لاكتشاف الذات، والمحاولة المستمرة لأكون أنا، ذاتي. أنا بحاجة إلى البعض من الوقت لأعيد ترتيب علاقتي مع الناس والكتب والأشياء، وممارسة مباهجي الصغيرة، رغم أن الكتابة مستمرة دائما، في العقل وفي الورق”.
منطقة ملغومة
تناولت رواية “يأتي في الربيع” منطقة سردية ملغومة، حيث اختارت المضحي لفضاء روايتها أن يكون وسط علاقة حب جارفة بين حامد السيد (الطبيب الشيعي القطيفي)، وبين زميلته دلال عبدالرحيم (الممرضة السنية القبلية). ورسمت من خلال هذه العلاقة الخاصة ملامح الصراع الطائفي الكبير في السعودية بين المتعايشين والمتصادمين من خلال صوت ساردَيْن للرواية، جاءا بالتعاقب، تارة على لسان حامد وتارة أخرى على لسان دلال، ليتصاعد الفضاء الزمني للرواية بين ذاكرتين، الأولى لرجل، والأخرى لفتاة.
حين يصل القارئ إلى ذروة الرواية معتقدا أن عقدتها الدرامية قد انتهت بزواج الاثنين وسط ممانعة الأهل سيجد أنها مازالت في البداية، وأن صراع الأبطال ليس شخصيا، بل نسقي واجتماعي، ويظهر ذلك جليا حين يموت والد دلال، إثر أزمة قلبية، لتجد نفسها تحت وصاية قبيلتها التي تطالب بالتفريق بينها وبين زوجها لعدم تكافؤ النسب، وهي قضية من عدة قضايا حقيقية موجودة في المحاكم السعودية تنتهي غالبيتها بالتفريق بين الزوجين.
عن سبب اختيار المضحي لهذه المنطقة الحساسة تقول “ربما لأننا نسير نحو الهاوية -بكل سرعتنا- وبكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى. يجري تدميرنا من الداخل بالحروب وبالفتنة وبالطائفية التي تزداد حضورا وثقلاً على حياتنا اليومية وأفكارنا، وتترسخ أكثر في لاوعي الأجيال القادمة. قضايا عدم تكافؤ النسب والاختلاف المذهبي بين الأزواج أصبحت الآن فظة وصريحة وجارحة أكثر من أي وقت مضى. نحن نعيش في القرن الحادي والعشرين، والإنسان في بلادي يقف ضد قلبه ومشاعره لأن الآخر من مذهب مختلف، ولأن السنوات الخمس الأخيرة أخرجت عفننا الطائفي البغيض في أسوأ صوره. الرواية تطرح أسئلة لا أملك الإجابة عنها، فالسنوات الأخيرة جعلتني أطرح تساؤلاتي ورؤاي بشكل مختلف. نحن على حافة الهاوية ومازلنا نتصرف بالحماقة ذاتها. في الرواية الجديدة أردتُ أن أكون قاسية قليلاً فوضعت إصبعي على الجرح، فنحن لم نصبح مواطنين بعد”.
بالإضافة إلى هذه المنطقة الاجتماعية المأزومة تناولت المضحي منطقة أخرى ذات حساسية سياسية، حين تعرّضت في جزء من الرواية لأحداث تاريخ 1980. هذا التاريخ يشكّل مرحلة مهمة في مدينة القطيف، حيث تعرّضت لموجة من المظاهرات على خلفية انتصار الثورة الإيرانية وتصديرها، وسقط إثرها ضحايا. ومازال هذا التاريخ مغيباً، فلم تتناوله بالتفصيل كتب التاريخ، ولا الرواية المحلية إلا نادرا. وهنا تساءلنا مع المضحي عن ذلك، لتجيبنا بأنه عندما حدث الانفجار الكبير بين عامي 1979-1980 لم تكن قد ولدت بعد، لكنها عاشت لاحقاً ارتداداته. فما حدث في بلاد أخرى كاد يحرق مدينتها بعد أن لامستها شراراته. وتتساءل ضيفتنا لماذا لسنا محصنين بالوطن؟! ربما حان وقت البحث عن إجابة بعد أن مرت أكثر من خمس وثلاثين سنة.
ذاكرة منسية
اجتهدت أميرة المضحي في روايتها الأخيرة لإحياء ذاكرة العجائز المنسية، أو التي تكاد تنسى، تلك الذاكرة المختصة بعالم النساء المسكوت عنه في جغرافيا مدينة القطيف ذات العمق الديني والتاريخي. وقد تطرّقت إليها في جزء من روايتها، ورسمت البعض من معالمها وكشفت أسرارها، الأمر الذي دفعنا للحديث معها حول مدى شعورها بالمسؤولية التاريخية حيال ذلك.
لتقول “هواجس الكتابة كانت متعددة في “يأتي في الربيع”، أحدها الخوف من النسيان. لطالما كنت مهتمة بحفظ الذكريات والصور الفوتوغرافية وأشرطة الفيديو والمذكرات. أنا خائفة على الذكريات والطفولة والذاكرة والحكايات. بي حنين إلى ذلك الزمن، وازداد هذا الإحساس لدي بعد وفاة جدتي ثم جدي بعد ذلك. هل اكتشفت متأخرة أن إرثنا وحكاياتنا وذاكرة عجائزنا ومفرداتنا القديمة ولهجتنا تسير ببطء نحو الغياب؟ ولهذا تكثفت الكثير من ذكريات الماضي والحكايات في فصلين من الرواية دون أن أبذل جهداً لتخفيفها، ربما لأني أردت قول كل شيء الآن حتى لا أنسى”.
يلاحظ المتابع لروايات المضحي تطوراً واضحاً في أدواتها السردية، فمنذ روايتها الأولى “غابت شمس الحب” 2005 حتى روايتها الرابعة “يأتي في الربيع” نلمس قفزات في أدواتها الروائية، هذا التطوّر الواضح في الاشتغال ينبئنا بمدى جديتها في الكتابة اليومية المتواصلة، وبمدى قلقها الدائم حيال تجربتها.
في هذا الشأن تتحدّث ضيفتنا “عندما أصدرت روايتي الأولى، كنت طالبة جامعية في سنتها الأخيرة، وغارقة في الرومانسية ذلك الوقت. كان هاجسي إيقاظ الرومانسية من غفوتها تمردا على الواقع ربما. مضى على ذلك الوقت أكثر من عشر سنوات، كان بينهما الكثير من القراءات والتجارب والنضج النفسي والخبرات الحياتية. قرأت كثيراً، وصمتُ كثيراً، وجربتُ كثيراً. وأعترف بأن مخاوفي وهواجسي تضاعفت”.
شخصيات أميرة المضحي الروائية ذات روح يسارية، ترغب في التغيير ومعاركة الواقع وإصلاحه. وهذا بخلاف موقف غالبية جيلها الروائي الذي تغلب على أبطاله الحالة العدمية والبوهيمية والكفر بكل شيء.
وفي سؤال للمضحي عن قدرة الرواية أو الأدب بصفة عامة على إصلاح الدمار العربي وترتيب فوضاه، تجيب “انكفاء اليسار وهزيمته أمام هجمة الحركات الإسلامية أخذانا إلى الوراء، وأعادانا سنوات إلى الماضي. يكفي أن تنظر إلى ما فعله المتأسلمون والأصوليون في كل بقاع الأرض. شهوتهم إلى السلطة مدمرة وجرّت علينا الويلات، هم يقتلون الفكر والإبداع والفن والحرية قبل الإنسان والأرض والوطن. يحق لنا أن نتساءل عمّا حل بعد هزيمة اليسار.
فالفكر اليساري كان يملك حلماً ورؤية على الصعيد الفكري والحداثي، وإن لم يكتملا. أعتقد بأننا قادرون على النهوض بالروح ذاتها وبلباس العصر بعد أن هضمنا كل هذه الهزائم، وبفكر يهتم بالحريات والمساواة والعلمانية والتعددية والقطيعة مع تراث الماضي والنظر إلى العالم بنظرة حداثية”. وتتابع روائيتنا قائلة “هناك مخاوف حقيقية من نهاية العرب كقومية، فالموجودون الآن هم سنة، شيعة،… ،…، إلخ. لذا فنحن في أمس الحاجة إلى خطاب وفكر ورؤية فلسفية جديدة”.

المصدر : صحيفة العرب

www.deyaralnagab.com