logo
بورتريهاتٌ ليليَّةٌ بفحمٍ أبيضَ!!
بقلم : نمر سعدي ... 04.12.2015

صرخةُ القُبَلِ القديمةِ
أمٌّ تضيءُ الآن دمعتَها
لترشدَ قلبَ هذا الليلِ للمجهولِ
كالطيرِ المهاجرِ للجنوبِ
على شفا البلَّورِ..
لا.. بل وردةٌ أنثى
تجفِّفُ جرحَها في الشمسِ..
بل ماءٌ خريفيٌّ يدقُّ البابَ في خجَلٍ
لأصحبَهُ إلى ما ليسَ يعنيني
وأتركَ من ورائي
صرخةَ القُبَلِ القديمةِ في الرخامِ
ونجمةً زرقاءَ طبشوريَّةً وبحيرةً
وقصيدتينِ صغيرتينِ عن الضياعِ
لشاعرٍ نزِقٍ مزاجيٍّ
يجنُّ إذا رأى دمَ وردةٍ يجري
على رملِ السماءِ الزئبقيِّ
وربَّما يبكي بلا سبَبٍ
على أُمٍ تعلِّقُ دمعَها
ليلاً على أهدابِ قلبي كي ينامْ
أُمٌّ تضيءُ الآنَ دمعتَها
لترشدَ طفلةً ضلَّتْ طريقَ البيتِ قربَ البحرِ
أو بيتاً تنهَّدَ قربَهُ قمرٌ توغَّلَ في الزحامْ
*
كم بحراً جرَرَتُ وراءَ ظهري؟
أشعَلتُها نارنجةً لنزارَ
للحبَقِ الدمشقيِّ الأنيقِ
لدفتري النثريِّ
للريحِ التي تعوي
كذئبٍ خلفَ نافذتي الجريحةِ
للنهارِ وللغناءِ الساحليِّ وللقصيدةِ:
يا نزارُ مضى نهارُ العمرِ
وانطفأتْ بحيرةُ ليلكٍ في القلبِ
لكن لم أجدْ شَعرَ الحبيبةِ في انتظاري
كي ينامَ الوجهُ فيهِ
كما النوارسِ في الشتاءْ
كم جذوةً أطفأتها بدمي المبقَّعِ
بالأنوثةِ والرمادِ..
وبالأصابعِ وهيَ تشربُ غيمةً
من رملها الأبديِّ
كم بحراً جرَرتُ وراءَ ظهري..
كم هلالاً جائعاً أطعمتهُ ورداً عصيَّاً كالمجازِ
وكالفراشةِ حولَ عانتها
كم انهالتْ على صحراءِ خاصرتي
على صلصالِ آخرِ شهوةٍ في القلبِ يكويني
على امرأةٍ أرى تمثالًها الملحيَّ يَبكيني
على عينينِ تشتعلانِ
بالحزنِ المقدَّسِ.. من سماءْ؟
*
رجلٌ وامرأةْ
رجلٌ عابرٌ في الخريفِ
لمن يتركُ الزعفرانَ على حالهِ
ولمنْ سوفَ يُهدي الأغانيَ أو حكمةَ الأربعينَ
وماذا سيفعلُ من دونِ تشرينَ..
ماذا سيفعلُ بعدَ صداقتهِ للحَمامِ
وكيفَ سيقرأُ زهرَ البنفسجِ من غيرِ أن يتلعثمَ
ثمَّ يلمِّعُ مرآتهُ بالسحابِ الخفيفِ
لتخرجَ منها بلادٌ مؤجَّلةٌ وامرأةْ
لها ضحكةٌ شبهُ غامضةٍ
وذراعا بكاءٍ لتطويقِ مرثيَّةٍ..
هيَ أكثرُ من فتنةٍ
وأقلُّ من اليأسِ حينَ يضيءُ.. امرأةْ
تتهاوى القصائدُ في ثوبها
ذاتَ صيفٍ ستتركُ برجَ العصافيرِ
والنايَ والبحرَ والفضَّةَ الأنثويَّةَ من خلفها
كصدى رغبةٍ مطفأةْ؟!
*
أغنيةٌ شعبيَّة
تقولُ أغنيَّةٌ شعبيَّةٌ صدحَتْ:
رمَّانُها ذاكَ يدعوني أم الحجَلُ؟
تقولُ شاعرةٌ ضاقتْ بشاعرها:
خذ ثوبَ بحركَ عني أيُّها الرجلُ
تقولُ عاشقةٌ أودتْ بعاشقها:
قلبي الصغيرُ مزيداً ليسَ يحتملُ
تقولُ ظبيةُ ماءٍ في القصيدةِ: هل
أمشي ثلاثينَ ديواناً ولا أصلُ؟
تقولُ لي امرأةٌ عنقاءُ: بي وجعٌ
من الحياةِ وبي من وردةٍ خجَلُ
أقولُ: يا لعنتي الفصحى خذي بيدي
لكيْ أضلَّ ولا تُلقي بيَ السبُلُ
*
ما لم يقلهُ لوركا
(بعدَ مشاهدتي لفيلم عن حياة الشاعر الإسباني فيدريكو غارسيا لوركا تأثرت بمشهد يقتادُ فيه جند فرانكو الشاعر ومن معه من الثوَّار للزجِّ بهم في شاحنة عسكرية ونقلهم في فجر ذلك الصيفِ الغرناطيِّ إلى منطقةٍ وعريَّةٍ حيثُ يُطلبُ اليهم الترجل من الشاحنة والمشي مسافة قصيرة ثمَّ يصيح بهم الجند بأن يركضوا في تلك الطريقِ العشبية ليطلقوا النارَ عليهم.. لم أفهم لماذا صاحَ الجندُ بهم أن يركضوا.. هذه القصيدة هي لكلِّ وقتٍ ولا تختزلُ لحظة واحدة وهي ليست للوركا ولا هي لشاعر افتراضي محدَّد في ذاكرتي.. إنها لكلِّ إنسان في أي بقعة من هذه الأرض.. شاعراً كانَ أو ليس بشاعر... لكَ..لي ولهُ)
عجبي لماذا قالَ لي: انهضْ في الصباحِ الرطبِ
ذاكَ الضابطُ المعروقُ ذو الأنفِ الطويلِ الحادِّ
ثمَّ بمخلبَيْ ضبعٍ قبيحٍ جرَّني من معطفي الكحليِّ
صاحَ: انهضْ.. غزالتُكَ الجميلةُ بانتظاركَ تحتَ هذا السفحِ...
قوسٌ للندى القمريِّ مشتعلٌ بجبهتها..
انهضْ الآنَ..؟
امتشقتُ نعاسَ خاصرتي وقمتُ... فجرَّني
من دونِ أن يدنو ويسألني
إذا ما كنتُ أرغبُ باحتساءِ الشايِ بالنعناعِ والزوفا لآخرِ مرَّةٍ...
أو غيمِ مارلبورو نقيِّ الأقحوانةِ مثلَ قلبِ الثلجِ..
يا بابلو الصغيرُ اركضْ وراءَ فراشةٍ في حقلِ زيتونٍ
فأنتَ تحبُّ ما ستحبُّ.. معنى اللهِ.. لوكريثيا الرقيقةَ.. برقَ آبَ.. النهرَ والزيتونَ والقمرَ النحيلَ وشمعةً في آخرِ الجسدِ.. القصيدةَ والضياعَ..
وما تأوَّهَ في الصدى...
عجبي لماذا قالَ لي: اركضْ في سهوبِ الصيفِ وحدَكَ في الضحى.. اركضْ في طريقِ العشبِ.. لم أفهمْ... ركضتُ سدىً لأنجو من حبالِ النارِ أو شرَكِ الإشارةِ.. آهِ من صنَّارتَيْ سَمكٍ على عينيهِ..
من رؤيا دمٍ ستمرُّ من سَمِّ العبارةِ..
هل لكي يصطادني كغزالةٍ حمقاءَ قالَ: اركضْ وراءَ قصيدةٍ بيضاءَ بلَّوريةٍ لا تنتهي..؟!
*
من لي بمرآةٍ أو امرأةٍ؟
من لي بمرآةٍ أراكِ الآنَ فيها تُولدينَ
وتخرجينَ إليَّ كامرأةِ المزاميرِ الحديثةِ
من رذاذِ زجاجِ قلبي...
تُنقصينَ العمرَ زنبقتينِ
ثمَّ تمدِّدينَ قصيدتينِ على الأريكةِ
عندَ منتصفِ النهارِ
وتتركينَ بكاءَ زينتكِ الوحيدةِ في يديَّ
وتخرجينَ لصيدكِ اليوميِّ
عابقةً بعطرٍ غامضٍ ما
بينما وحدي كطيرِ سمندلٍ
أقعي على الشطآنِ
أو أرمي بنردٍ خاسرٍ
لصدى المساءْ؟
من لي بمرآةٍ أو امرأةٍ
تركتُ جمالَها ينمو على مَهَلٍ
لتكبرني بعشرِ نوارسٍ بيضاءَ
أو بمحارةٍ زرقاءَ إنجيليَّةٍ في القلبِ
من وجعِ الحنينِ إلى الشتاءْ؟!
*
ترنيمةٌ
كمْ الحنينُ خصوصيٌّ.. كمْ الحلُمُ
كقُبلةٍ ضيِّقٌ.. عارٍ.. كمْ الندَمُ
كصرخةٍ واسعٌ.. أعمى.. كمْ القلقُ
مراوغٌ وأليفٌ في شراستهِ
كثعلبٍ راحَ بي في الليلِ يلتصقُ
كمْ الوجودُ سرابيٌّ.. كمْ العدَمُ
*

فلسطين

www.deyaralnagab.com