logo
خلافات إسرائيلية أمريكية!!
بقلم : سهيل كيوان ... 18.05.2017

من أنكر الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها النظام السوري حتى الآن، سوف يتنكر أيضاً لصور الأقمار الصناعية الأمريكية التي قالت إن هناك محرقة لجثث المعتقلين في سجن صيدنايا.
شهادة أمريكا ليست مصدراً للثقة، هذه هي أمريكا نفسها التي تذرّعت بوجود أسلحة دمار شامل في العراق وسعت لتدميره، هي أمريكا التي تستخدم الفيتو لصالح إسرائيل، مهما ارتكبت من جرائم بحق الفلسطينيين والعرب، ولهذا من السهل على النظام وأتباعه الطعن بشهادتها، إنها شهادة حرامي ومجرم، ضد حرامي ومجرم آخر، ولهذا فهي شهادة مجروحة وقابلة للدحض.
قد يختلف القتلة في موضوع ما، ويفضحون بعضهم بعضا. وقد يصمتون ويغضّون الطَرف بحسب تجاذبات المصالح وليس بصحوة من ضمير ولا محاسبة للذات.
المعلق العسكري الإسرائيلي في القناة الثانية روني دانيئيل، استبعد أن تكون إسرائيل على غير علم بوجود محرقة صيدنايا، لأن مخابراتها متغلغلة هناك بعمق، كما قال. وهذا مؤكد وثبت أكثر من مرة، وادعى أن المعلومات عن المحرقة وصلت لأمريكا من إسرائيل، ونوّه بأن إسرائيل بالذات يجب أن تكون حسّاسة بموضوع إحراق الجثث، الذي يذكّر بحقبة تاريخية سوداء في أوروبا، ويجب أن تفعل أمراً ما، ولا يمكنها المرور على أمر كهذا بهدوء.
أمريكا تعاملت وتتعامل مع جرائم النظام من عدة منطلقات وحسابات، أولها ترك النظام يدمر سوريا بأقصى ما يمكن له من قدرات، ثم إنها ترفض أي مخاطرة مباشرة مع روسيا بعد تدخلها لإنقاذ النظام، وفي الوقت ذاته تحبذ تورّط روسيا وأطراف أخرى أكثر وأكثر، مثل إيران وحزب الله، وكذلك قوى المعارضة والداعمين لها من الجهة الأخرى، أمريكا آثرت رؤية المزيد من استنزاف طاقات الشعب السوري وشعوب المنطقة، ومواردها والمتورطين على الساحة السورية، وتطويل أمد الحرب الأهلية أكثر ما يمكن، فهي تزرع مزيداً من الكراهية بين مُركّبات الشعب السوري المختلفة، والأهم أنها تشرخ المنطقة كلها وتؤسس لوجود محور سني تقوده السعودية، مقابل محور شيعي تقوده إيران، وبالطبع هذه حالة مثالية بالنسبة لأمريكا وإسرائيل، تذكّر بالموقف من حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران، التي استنزفت البلدين في ثمانينيات القرن الماضي لمدة ثماني سنوات.
إنها أمريكا التي تبتز حلفاءها مقابل حمايتهم، وتطلب منهم تطبيعاً مع إسرائيل وإقامة حلف معها مقابل تجميد محدود للاستيطان، وإرجاء عملية نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، حتى العثور على ظرف أكثر ملاءمة.
الخلاف الأمريكي الإسرائيلي الظاهري حول تعريف حائط المبكى، كمنطقة محتلة تابعة للضفة الغربية أم لا، ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس الآن أم لا، يدخل في إطار التكتيك وليس الاستراتيجية، فأمريكا تريد منح حلفائها العرب هامشاً من المناورة يتكئون عليه، ولا تريد حشرهم أمام أمر واقع من الصعب التعامل معه وتقبله وهضمه لدى الجماهير العربية، بينما تقول إسرائيل إن أمراً كهذا قابل للهضم على المعدة العربية المخدّرة.
أمريكا تريد القول إنها غير منحازة بشكل مطلق لإسرائيل وأن حلفاءها العرب ليسوا بقرة حلوبا فقط لعقد صفقات السلاح الخيالية، بل إن لهم احتراماً وكلمة في الموضوع، فهي تدرك أن الاعتراف بالقدس الموحدة عاصمة لإسرائيل، وترك الباب مفتوحاً بدون مساءلة للتوسع الاستيطاني، يشكل نقطة رخوة للتحالف السني-الإسرائيلي- الأمريكي، الذي تسعى لبنائه في مواجهة المحور الشيعي، بزعامة إيران والذي قد يمتد إلى كوريا الشمالية، التي تهدد بضرب حلفاء أمريكا في حال تعرضها لهجوم أمريكي.
يحاول إعلام النظام وشبيحته القول إن إعلان شخصيات أمريكية وإسرائيلية، أو غربية بشكل عام عن ضرورة معاقبة نظام الأسد، يعني أن نظام الأسد يتعرض لمؤامرة عالمية، واتهامه بارتكاب جرائم حرب، يأتي في سياق معاقبته على مواقفه القومية والوطنية، فشهادات الإسرائيليين والأمريكيين باطلة، ولا يمكن أن تكون نزيهة، هذا صحيح إلى حد كبير بأنهما قد تكذبان إذا احتاج الأمر، ولكن هناك شهادات كثيرة أخرى أهم من شهادات أمريكا وإسرائيل، إنها شهادات حقيقية لا تحركها سوى الحقيقة، هي شهادات أهل سوريا أنفسهم من السوريين والفلسطينيين، الذين ذاقوا الويلات وما زالوا على يد النظام وحلفائه، وهم الذين يدرون كيف تدحرجت الأوضاع منذ بدايتها السلمية إلى أن وصلت إلى ما وصلت إليه من خراب ودمار.
واضح أن هناك خلافات إسرائيلية – إسرائيلية داخلية، وإسرائيلية أمريكية في وجهات النظر حول الطريقة التي يجب التعامل بها مع النظام السوري، وما هي الصورة التي ستكون عليها سورية، في حال سقوط وانتهاء الحقبة الأسدية، السؤال بالنسبة للطرفين الأمريكي والإسرائيلي ما هو الأربح؟ تسريع إسقاط النظام وتحويل الحلف السني الأمريكي الإسرائيلي ضد إيران وحزب الله ومِن ورائه كوريا الشمالية حقيقة واقعة؟ أم ترك الأسد يعيث فساداً وتخريباً الأمر الذي خدم ويخدم أمن إسرائيل مرحليا واستراتيجيا؟ بمعنى أن الخلافات هي على مسألة التوقيت، هل انتهى دور الأسد التدميري أم لم ينته بعد؟ وهل هو التوقيت المناسب لنقل السفارة أم لا؟ وإلى أي حد مسموح التمادي في الاستيطان؟ وما هي الخطوات التي تخدم أو تضر تعزيز فكرة التحالفات على أسس مذهبية، واحدة سنية مقابل أخرى شيعية، بلا شك يكون الربح فيها لقوى العدوان والاحتلال والاستبداد والخسارة كلها لشعوب المنطقة.


www.deyaralnagab.com