logo
عن قصة الخروج التوراتيّة درامياً ووثائقياً.. رواية من جانب وحيد في خدمة الهيمنة الإسرائيلية على الشرق!!
بقلم : ندى حطيط ... 24.02.2017

سلطة الهيمنة الإمبراطوريّة الأمريكيّة المتحالفة مع تابعها العبراني المزروع في قلب الشرق لم تعد قوّة سلبيّة، بمعنى أنها تُلغي أو تنفي أو تراقب أو تقصف، إذا تطلب الأمر. بل هي ، كما يقول الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، سلطة مُنتِجة: تُعيد من خلال تحالف آثم بين ذراعها الإعلامي القابع في هوليوود ودولة الكيان العبري إنتاجَ «الحقيقة»: أي كل سياقات الأحداث وطقوس فهم التاريخ الذي أوصلنا إلى الراهن.
كان يمكن قبل عصر «الصورة» الذي نعيش مواجهة مثل هكذا تحالف: الكتاب بكتاب نقيض، والمقالة بعشر أمثالها، والمحاضرة بمئة. اليوم ذلك الإمكان يبدو أنه غدا مستحيلاً. فالأمريكيون هيمنوا بالمطلق أو كادوا على معظم الإنتاج الثقافي المرتبط بالشاشات السينمائية والتلفزيونيّة و»لوغاريتمات» وسائل التواصل الإجتماعي- التي اكتسحت وسائل الإعلام والمعرفة التقليديّة- وهم في سيرتهم هذه يشكلون وعي العالم ويرسمون له هيئةَ «الحقيقة» التي يريدون. وبدون جعجعة، وبدأبٍ شديد، يوظف الإسرائيليون المعاصرون هذه الهيمنة لإعادة إنتاج رواياتهم الأسطوريّة وفرضها على عقل العالم «المتفرج» بوصفها حقائق موضوعيّة، تسهل للمغفلين تفهم وابتلاع التفوق المادي والأخلاقي (المزعوم) لإسرائيل على الشرق الأوسط الحزين.
وثائقيّات لإعادة تصنيع «الحقيقة»
تحضرني نظريّة ميشيل فوكو عن دور السلطة – أو «الهيمنة» بالمفهوم الغرامشي – في إنتاج الحقيقة خلال مشاهدتي آخر منتجات هوليوود الدراميّة والوثائقيّة عن قصة الخروج: أي الرّواية التوراتيّة (غير المثبتة) لحياة العبران القدماء في مصر الفرعونية، ومن ثمّ رحلة خروجهم المزعوم منها والتيه في سيناء، قبل انتقالهم إلى الأرض الموعودة في فلسطين وعبر الأردن، وانتصارهم على السكان الأصليين بمعونة إلهيّة!
إليكم مثال البرنامج الوثائقي الجديد الذي كتبه وأخرجه الأمريكي تيم ماهوني بعنوان «قصة الخروج: سياقات الأدلة». يقدم البرنامج الذي عُرِض على نطاقٍ واسع في قنوات تلفزيونية عدة وتوفر مؤخرا على خدمة نيتفلكس – التي تقترب لتشكل ما يشبه ذاكرة العالم البصرية في القرن الحادي والعشرين – 115 دقيقة من التصوير المبهر وتقنيات العرض المتقدمة والمقابلات الهامة مع قادة سياسيين ومفكرين ومؤرخين من الطراز الأول (ليس أقلّهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بينيامين نتنياهو – المؤرخ وابن المؤرخ – ، والرئيس الإسرائيلي السابق شمعون بيريز وغيرهم) طرحاً شديد الإقناع لنظريّة جريئة تنقل سياقات أحداث القصة التوراتيّة من أيام الدولة الحديثة في مصر الفرعونيّة أيّام رمسيس وفق التيار العام الغالب بين المؤرخين – حيث صعوبات جمّة في تقديم إثباتات للرواية من واقع الجغرافيا والآثار والنصوص غير المقدّسة – إلى فترة نهاية الّدّولة الوسطى، حيث توجد شذرات جُمعت من زوايا مختلفة – لا سيما خلال فترة الضعف السياسي والعسكري الذي عاشته مصر، وما ترتب عليها من فوضى بالغة سهلت دخول أقوام غرباء كالـ»هكسوس» وغيرهم إلى البلاد – يمكن إذا توفرت النيّة المبيتة والمكر السيء أن تقدم نوعاً من مناخ عام يمكن تفسيره لمصلحة الرواية العبريّة القديمة. ويستشهد ماهوني في فيلمه بآراء مؤرخين توراتيين ينطلقون في عملهم من النص التوراتي المقّدس ثم يبحثون في الآثار عما يؤكد نصوصهم مع تجاهل أية وثائق أو لُقىً أثريّة تتنافى معها، بينما يعرض – لإعطاء المشاهد إحساسًا بالاتزان والحياديّة في التقديم – مجتزءات من أقوال خبراء معارضين لتفاصيل دقيقة في الرواية، لكنهم عمليّاً لا ينفونها لا جملةً، ولا تفصيلاً.
غياب تام لرواية نقيضة بذات الأدوات
الخطورة في مثل هكذا عمل وثائقي – فائق الإبداع بصرياً وتقنيّاً – يدّعي النزاهة والبحث الموضوعي تتمثل في ثلاثة أمور. أولها توظيف الفيلم الوثائقي بوصفه السلاح الأمضى للتلاعب بالعقول والتأثير عليها لتقديم «الحقيقة» بما يتناسب مع الأساطير المؤسِسة للكيان العبري في الشرق، وثانيها انصراف الكتل الشعبيّة في أغلبيتها الساحقة عن أدوات الإطلاع التقليديّة واعتمادها «الصورة» كمصدر أساس لمعلوماتها، فلا أحد مستعد لأن يقرأ بعد الآن كتباً عتيقة لمعرفة دقائق الأمور المطروحة ،وبالتالي فإن الوثائقيات و « الصورة في عمومها» هي مصدر أساس لمعلوماتهم، وثالثها ذلك الغياب الكامل والنهائي لأية رواية مضادة نقيضة في ذات الملعب. فـ «الهواء» صار ملك رواية وحيدة، لا يمتلك أمامها غير المتخصص سوى أن يقرأ «الحقيقة» واحدةً، ومن خلالها فحسب، فيما يشبه احتكاراً طاغياً للتاريخ.
الدراما أيضاً في خدمة المهيمنين
وليس الأمر مقتصراً على الوثائقيات الجادة – إن صح التعبير -، التي يمكن أن لا تستقطب القطاع الأوسع من الجمهور، بل وقدّمت هوليوود حديثاً ذات الرواية العبريّة المحضة لقصة الخروج في عمل درامي ضخم (قصة الخروج: ملوك وآلهة من إخراج البريطاني ريدلي سكوت) أنفقت في إنتاجه ثروة ضخمة، وجلب في شباك التذاكر عبر العالم وقت عرضه أكثر من 270 مليون دولار. يعيد العمل تقديم فكرة الخروج كما في النص التوراتي من خلال قصة دراميّة مبهرة تستعير الأسماء والشخصيات والمواقع التاريخيّة الفرعونيّة، طارحةً إياها كقصةِ تحررٍ قوميٍ من نير الطغيان وانتصار للفقراء أبناء شعب الله «المختار» على الوثنيين المصريين المتعجرفين. وعلى الرّغم من أن الفيلم لم يحظَ بدعم كبير من النّقاد وقت عرضه لأول مرّة، إلا أنه يمثل – إلى جانب وثائقي «سياقات الأدلة» – عملاً مرجعيّاً متكاملاً – و دائماً وفق التصوّر التوراتي – لكل من يريد راهناً أن يفهم موضوعة «قصة الخروج» دون استثمار كبير وقت في الرجوع للمصادر التاريخيّة المكتوبة.
استنتاجات المُشاهد لهذه الأعمال – وثائقيات و دراما كليهما – لن تخرج عن سياق قبول الرّواية على عواهنها، وهذا يتضمن – دون الدّخول في نقاشات لاهوتيّة عميقة – قبول فكرة عبقريّة العنصر اليهودي التي لا تُرد، فهم الذّين أنقذوا مصر- أرقى إمبراطوريات العالم القديم – من الخراب، وأعادوا إعمارها وبنوا بأيديهم أشهر صروحها المعماريّة العديمة النظير من الأهرامات، فأبو الهول إلى أهم المعابد والقصور القديمة، ولاحقاً تقبّل فكرة الأرض الموعودة و تحرر اليهود من طغيان المصريين من خلال تطهير الأراضي الفلسطينيّة عرقيّاً وحرق مدن كنعان واحدة تلو الأخرى!
الحقيقة لن تحرركم هذه المرة
و هكذا تُبنى «الحقيقة» في عقول الناس تماماً كما أرادها التحالف الآثم بين هوليوود ودولة الكيان العبري، شيئاً فشيئاً، فيلماً فيلماً، ووثائقياً وثائقيّاً. ولذا عندما يصعد زعيم الشعبوية العالميّة دونالد ترامب ليُعلن موت فكرة «الدّولة الفلسطينية» – المكسب النظري الوحيد للفلسطينيين من اتفاقية أوسلو – ممكنٌ جداً أن لا يُفاجأ عديد من البشر على امتداد المعمورة، ربما فقط عدة أميين لم تُتح لهم حظوة مشاهدة وثائقيات وأفلام هوليوود، لأنهم لا يحصلون على رفاهية الصورة البصرية في منازلهم الرّثة. البقيّة تعلم «الحقيقة». و»الحقيقة» لن تحرركم هذه المرّة.

إعلامية لبنانية ..المصدر: القدس العربي

www.deyaralnagab.com