logo
«على جناح بعوضة»…!!
بقلم : سهيل كيوان ... 31.03.2016

خرجت من محاضرة ممتعة في علم الفلك قدمها أستاذ من الناصرة، درس عقوداً في أمريكا وشارك بأبحاث مهمة في وكالة ناسا الفضائية، ومضيت في طريقي إلى موعد مع طبيب الأسنان في قرية مجاورة.
كواكب ميّتة ما زلنا نرى ضوءها، مسافات وأحجام وكثافات يستحيل على العقل البشري تخيّلها، الثقب الأسود وامتصاص الضوء، كتلة بحجم قبضة اليد بثقل الكرة الأرضية كلها، عمر الخيّام الذي عُرف كشاعر بينما قيمته كفلكي ورياضي أكبر بكثير! أينشتاين والنسبية، نيوتن وسذاجة قصة التفاحة التي يتداولها الناس ونظريات الجاذبية الحديثة، العرب والمسلمون ودورهم في علم الفلك! المجرات وأعدادها التي لا تحصى والتي لا تشغل سوى حيز صغير في الفراغ الكوني اللامتناهي! هذا منحني شعوراً أحبّه بالخفة والعبثية، بأن الكوكب الذي نعيش فوقه ليس أكثر من جناح بعوضة كما جاء في الحديث الشريف، وما دامت الأرض جناح بعوضة، فماذا نكون نحن عليها! بعضنا يتساءل عن معنى وجودنا، وإذا كان هناك خالق للكون فمن أتى وكيف! ولكن برأيي أن فكرة وجودنا بدون خالق هي أكثر تعقيداً وأقل منطقاً! عشت حالة انتشاء ذهني مع صوت أم كلثوم في رباعيات الخيام التي أطلق الإتحاد الدولي للفلك اسمها على فوهة بركان في كوكب عطارد، أعدت سماع رباعية «إن تُفصل القطرة عن بحرها..ففي مداه منتهى أمرها..تقاربت يا رب ما بيننا مسافة البعد على قدرها». قلت لنفسي لماذا فوهة بركان وليس كوكباً كاملاً على اسم أم كلثوم! أهي قلة كواكب أم ماذا!!
كنت منتشياً بالهرب من مشاغل الحياة اليومية، عندما دخلت عيادة الأسنان، وجلست منتظراً دوري، أسمع صوت معدات حفر الأضراس، تعمل داخل الغرفة، وما لبث أن دخل العيادة رجل أظن أن الشقاء جعله يبدو أكبر سناً من عمره.
«السلام عليكم»، ثم جلس قبالتي، وكان واضحاً أنه يتألم! وفكرت بلغز الإنسان الذي يكتشف وجود ماء على بعد اثني عشر مليار سنة ضوئية من الأرض، ولكن شظية ضرس تجعله مسكيناً في قبضة الألم!
قلت للرجل- سلامتك يا عم….
ومن خلال استسلامه للألم تساءل:
- من أين حضرة الخال!
- جارك من مجد الكروم!
- والبركة منك. بعد لحظات صمتٍ ونظرات توطئة قال: تعرف أبو عاطف؟
-أبو عاطف أبو عاطف! عندنا أكثر من واحد بهذه الكنية!
فرد بألم- يا زلمة..صوته مثل صوت تيس الماعز!
صدمني التشبيه، وكي لا أتواطأ معه قلت: أصوات الجميع عندنا مثل أصوات تيوس الماعز..!
فأوضح -إنه يعمل في مصنع البلاستيك جنوبي عكا!
-آه عرفته.. وفكّرت (تشبيه موفق جداً، ولكن استغربت الصدفة، كنت قد قرأت في الأسبوع نفسه في رواية (القوقعة) لمصطفى خليفة، هذا التشبيه الذي أطلقه شاب سوري على صوت «السيد الرئيس» أثناء سهرة سمر في باريس أدى عند عودته إلى الوطن لاعتقاله من المطار، وسجنه في جحيم سجن تدمر الصحراوي لمدة اثني عشر عاماً في زمن (الأسد الأب) رأى الموت خلالها آلاف المرات، من دون أن يفصحوا له عن سبب اعتقاله! قلت للرجل: هذا جاري، زلمة آدمي مثل فضلك!
-لا تقل آدمي، أرجوك!
- في الحقيقة لم أر منه إلا كل خير…
- أنا بالنسبة لي انتهى..
أثار فضولي فتساءلت – خير..ماذا بينك وبينه!
-لا بد أنك تعرف أن ابنه كان خاطباً لفتاة من بلدنا!
- صحيح ولكنه انفصل عنها..
- وهذا سبب زعلنا…
- البنت قريبتك؟؟
-لأ، لا قريبتي، ولا أعرفها، أعرف والدها ولكن من بعيد لبعيد..
- طيب وما القصة بينكما!
- أنا أشتغل مع «تيس الماعز» هذا منذ ست سنوات، وطيلة الوقت نحن زملاء وأصحاب، ولكن منذ انفصل ابنه عن ابنة بلدنا، تغيّر وصار يسمعني كلاماً، يفتح كل يوم دفتراً، ويحسب لي كم خسر على البنت…طيّب أنا شو دخلني! أصلاً لا علاقة لي بوالدها وكل من حوله، كل يوم البرنامج نفسه، إسوارتان وزوج حلق وخاتم، عيدية نقدية في رمضان، عقد ذهب في عيد الأضحى، أطقم للمطبخ، أطقم لغرفة نوم، للسفرة، حلويات وفواكه ومشروبات يوم الخطبة، المهر المؤخر أربعون ألفاً، طيّب يا بني آدم أنا شو دخلني! ولكن عبثاً..يقف إلى جانبي كل يوم الصبح على الريق ويقول لي، شوف، عُلب خطبة فاخرة، فساتين سهرة، مناشف، شراشف، صنادل حشا السامعين! طيب لا أنا أبوها ولا أنا عمها ولا خالها ولا قريبها!..
- يعني لازم نتحمل بعض..
- وكم ستتحمل! يسكت ساعة ساعتين ثم يعود ليقول: إسوارتان وعقد ذهب من عيار واحد وعشرين، خاتم ثمين، كان يجب أن تعيدها! أربعون ألفاً المؤخر، طيب هذا حقها! يا بني آدم كان بينهما عقد زواج رسمي، والبنت اعترفت على قبة الجامع أنهما اختليا أكثر من مرة، وأنت تعرف اليوم ماذا يعني اختلى بها أكثر من مرة!..
-أعرف طبعا أعرف..
-أنت فاهم شو يعني اختلى بها..وراحوا وجاؤوا مع بعضهما!
- ولو طبعا فاهم فاهم…
- طيّب «تيس الماعز»، لا يريد أن يفهم! يقولون له ابنك اختلى بالبنت أكثر من مرة، فيقول «ولكنه لم يدخل بها»!
الله وكيلك تيس ماعز لا يريد أن يفهم! وليس هذا فقط..صار عندما يمر بجانب بلدنا، يضع كفه على جانب وجهه كي لا يرى البلد..يعني الأخ صار يقرف منا! وأكثر من مرة أسمعني كلاماً بأنه لا يريد أن يرى أحدا منا، وأنا أقول يلا يا ولد، نحن جيران وأنسباء، بالآخر طفح الكيل، قال «يلعن الساعة التي شاف بها أهل هذا البلد»! ساعتها الله لا يحطك مكانه، قلت له: أنت واحد قليل حياء، وإلى ألف جهنم أنت ومن ناسبك، وهجمت عليه، ومن حسن حظه أنه هرب من وجهي إلى مكتب المدير وأغلق الباب على نفسه، ومن يومها إذا جدّك بالتراب تنفّس هو تنفّس!
- بسيطة، غمامة وتزول إن شاء الله…
-كل شيء تحملته وفهمته، أما أن يضع كفه على وجهه، ويلعن الساعة التي عرفنا فيها..لو أمسكته لحظتها لكنت الآن في السجن..!
ساد صمت في غرفة الانتظار، وعاد صوت حفر الأضراس، وما لبث أن نظر بطرف عينه إليّ كأنما شعر بذنب تجاهي، وقال وهو يتأفف ألمًا -لا تزعل مني يا خال، ولكن هذا التيس فقّعني!
قررت أن أجبر بخاطره، فعرضت عليه الدخول قبلي لأنه يتألم..فانفرجت ملامحه وابتسم وقال: يا عمي الآدمي آدمي، أنت مجبور تشرب قهوة عندي، إياك أن تقول لأ! دخل إلى الطبيب وعدت لأسرح من جديد، صحيح أن الدنيا وما فيها لا تعدل عند الله جناح بعوضة، أما عندنا نحن البشر، فلا فكاك لنا من الانغماس بحلوها ومرّها، بغثها وسمينها، وعلى جناح هذه البعوضة..


www.deyaralnagab.com