logo
رحلتي إلى المكان الأجمل في العالم!!
بقلم : سهيل كيوان  ... 17.03.2016

كنت أعمل في شركة جنوبي مدينة حيفا، وفي يوم من أيام الخريف جمع مدير العمل الموظفين وقال: ما رأيكم في رحلة في أحضان الطبيعة؟ كان رد الجميع متشابهاً: ياه.. كم نحن بحاجة لهواء نظيف! ولكن أين ستكون الرحلة؟ حينئذ قال المدير: إلى واحدة من أجمل المناطق في البلاد بل في العالم، إلى وادي (جوكور)…
حاولت زوجتي إقناعي باستغلال ذلك اليوم لمساعدة أهلها في قطاف الزيتون، ولكنني أصررت على الرحلة، بل دعوتها لمرافقتي وانتهاز فرصة للتعرف على المنطقة التي لم أسمع باسمها من قبل! لكن تمسّك كلٌ منا برأيه.
في اليوم الموعود، خرجت من قريتي في الجليل واتجهت جنوباً إلى ما بعد حيفا، وفي الساعة المقررة، تركنا السيارات وانطلقنا في حافلة بالاتجاه المعاكس من حيفا إلى الشمال، حتى وصلت الحافلة إلى عكا، ثم التفّت يميناً باتجاه شارع عكا- صفد! الحافلة تتجه شرقاً، وتقترب من قريتي التي خرجت منها باكراً إلى حيفا.
لو عرفتُ أن هذا مسار الرحلة، لبقيت في البيت وانتظرتهم هنا، كنت وفّرت ساعتيّ السفر ذهاباً وإياباً، والوقود الباهظ الثمن!
فجأة تباطأت الحافلة، وانحرفت شمالاً إلى ساحة ترابية، تبعد عن بيتي بضع مئات من الأمتار فقط، وقال المرشد السياحي الذي عرّف على نفسه باسم (أيال): «يلا تفضلوا»!
الجميع راحوا يحملون أغراضهم.. نحن وصلنا وادي (جوكور)…
قلت مستغرباً- يا جماعة أنتم مخطئون، لا يوجد هنا وادي (جوكور) ! إلا أن المرشد رد بحسم – بل هذا هو وادي (جوكور)! لا تعلمني مهنتي…
- ولك هذا وادي الشاغور…!
- بل هذا هو وادي (جوكور)…
- ولك اسمه الشاغور، أعرف كل صخرة وغدير فيه، كل عشبة على جوانبه وفي مجراه، وهنا غرق أحد أترابي طفلاً، ها هو بيتي هنا على بعد خطوات قليلة!
- حسنا سمّه كما تشاء ولنمض في مسارنا.
كنا نتأرجح مقلدين (طرزان) على الأغصان، وننتقل من شجرة إلى أخرى فوق مجرى المياه! ننتظر قدوم سائحين، فنرافقهم منذ لحظة وصولهم حتى نودعهم، نساعدهم في عبور الوادي وتسلّق صخوره، طمعاً بلمسة من إحداهن أثناء «مساعدتها»، أو استراق نظرات إلى خفاياهن التي تزداد إثارة في أحضان الطبيعة، وفي نهاية المسار نتوقع مكافأة، قد تكون سجائر أجنبية، أو قطعة معدنية من عملة لا نعرفها، أو ورقة فيها عنوان أحدهم في أوروبا أو أمريكا، وقد يلتقطون لنا صورة، تصلنا بواسطة البريد بعد أسابيع.
اتجهنا نحو الوادي، في مسار واسع على جانبيه أشجار الصنوبر والسريس والزعرور والبطم والقندول، تطل من بينها شجرة لوز هنا وأخرى هناك أو حومة زيتون.
وصلنا ظهر المرتفع، واضح أن المكان كان محجراً في الأزمنة البعيدة، وهنا أوضح المرشد سبب وجود المحجر: يعتقد سكان المنطقة العرب، أن النبي محمد عندما زار عكا أراد المبيت في الجليل فاحتار هل يبيت هنا في جبل (الجمَل) أم في جبل الكرمل! فحدث قتال بين الجبلين من يستضيف النبي! فاستل جبل (الجمل) سيفاً طعن فيه الكرمل، بينما رفع الكرمل بلطة بقر بها قمة جبل (الجمل)!
تدخلت مذهولاً: يا سيّد (أيال) أنا مولود في هذه المنطقة، ولم أسمع بهذه الأسطورة سوى الآن من حضرتك! وكل طفل مسلم يعرف أن النبي محمد (ص) لم يصل عكا أصلاً، أما المحجر، فمن هنا اقتلعت الحجارة لبناء سور عكا قبل قرون، وهذا ليس جبل (الجمل) هذه اسمها (الكرانيف)!
رد أيال بهدوء ظاهري- أنا أحكي ما تعلمت واحتفظ أنت بما تعرف!
بدأنا بالانحدار من الجهة الأخرى لنشرف على خلة نسميها (اللويزية)، إذ كانت مشهورة باللوزيات في زمن ما، ولكن الأجداد استبدلوا اللوزيات بالزيتون لسهولة حمايته والعناية به، فلم يبق من اللوز سوى القليل، وها هي بعض العائلات منتشرة هنا تجمع موسمها، كذلك فيها مغارة هائلة نسميها (مُغُر الحمام)! وراح المرشد يحكي عن أحد أسباط بني إسرائيل الذين اختبأوا هنا في ما سماه مغارة (نفتالي) هرباً من نبوخذنصر! ثم التفت إلى منطقة (اللويزية) وقال: لقد عُرف هذا الوادي بكثرة النمور فيه ولهذا فاسمه وادي النمور..!
رددت مندهشاً- هذه اسمها (اللويزية)، أنظر أشجار اللوز هناك! لم يكترث زملاء العمل لحديثي وأصغوا للمرشد الذي ما لبث أن قال «هؤلاء القرويون الذين ترونهم سرقوا أرض الدولة وزرعوها زيتوناً»…
راح الزملاء يتساءلون باستنكار: ولماذا تسمح الدولة بهذه الفوضى! ألا يوجد قانون! يجب وضع حد للمعتدين على الأملاك العامة!
تناولت الهاتف ورننت لزوجتي، حفيدة أجيال رفعت من هذه الأرض آلاف الأطنان من الحجارة كي تستصلحها وتزرعها، كانت هي قبالتي بين الأشجار مع والديها وزوجات أولاد عمي الثلاث وجارتهم وعدد من الأطفال يجمعون الزيتون عن أشجار بعضها قديم معمّر، وبعضها عمره بضعة عقود من السنين، حاولت الاتصال مرات عدة حتى ردّت أخيراً وقالت: أهلاً كيف رحلتك؟
- بتجنن وأنت أينك!
- وأين سأكون؟ أنا مع أهلي في اللويزية! أين صرتم في رحلتكم؟
- خرجنا قبل قليل من وادي (جوكور) وصعدنا إلى جبل (الجمل) الذي بقر الكرمل بطنه بالبلطة، ونقف الآن فوق مغارة (نفتالي) مشرفين على وادي النمور…
- ما هذه الأسماء! أول مرة أسمع بها!
- ليتك معي، أمامي بحيرة خضراء تلامس سماء زرقاء لا يشوبها سوى نسر يسبح في الأعالي..
- يا الله…ليتني معك!
- أرى عائلات الفلاحين وسط بحيرة من أشجار الزيتون الممتدة حتى آخر الوادي!
- يا الله، ليتني سمعت كلامك وأتيت معك..
- أرى سيدة عربية ترتدي جلابية غامقة، وتغطي رأسها بمنديل بني تتحدث في الهاتف مع زوجها..!
- يا سلام! وكيف عرفت أنها تتحدث مع زوجها!
- يا سيدتي أنظري إلى شمالك للأعلى ماذا ترين؟
- شمالي أنا..!!
-آه أنت، أنظري فوق (مُغر الحمام)!
- أها من هؤلاء..شو هذا؟!
- هذا أنا أرفع لك يدي.!
- ما هذا؟ ألم تذهب للرحلة مع زملائك في الشركة!
- بل ذهبت معهم، وها نحن في أجمل مكان في العالم..


www.deyaralnagab.com