logo
لم أعد أضحك وأنا ألتقط صورا لنفسي!!
بقلم : لمياء المقدم  ... 29.06.2017

هناك زمن نعيش فيه، وزمن يعيش فينا، زمن نحسه، وزمن نراه، وزمن نتذكره، وزمن نقتله، وزمن نسير بجانبه ولا ننتبه له..
في الأيام الأخيرة أقف بالساعات أمام المرآة ملاحقة بعيني التجاعيد الصغيرة التي بدأت تظهر هنا وهناك. مضت أشهر طويلة قبل أن أقتنع أنها تجاعيد. في البدء اعتقدت أنها من أثر التعب والإرهاق، وأنها ستختفي بمجرد أن أستعيد راحتي وأنام مدّة طويلة هانئة.
أيام وأيام أصحو من النوم وأمرر يدي على حافة فمي أو تحت عيني، لأتأكد من أنها لم تعد هناك، ورغم أنها دائما موجودة هناك، إلا أن حالة إنكار غريبة حالت دون أن أرى الأشياء على حقيقتها، وصورت لي أن هذه التكسرات زائلة لا محالة، إذ لا يمكن أن تبقى إلى الأبد.
كل يوم يمر يحمل معه انكسارا جديدا في زاوية ما: تحت الجفن، فوق الشفتين، أو عند الرقبة. المحظوظون منا، تبقى جروح الزمن على وجوههم سطحية ولا تغوص إلى أرواحهم، الأقل حظا وأكثر هشاشة ينشطرون بالكامل، وتحولهم الشروخ إلى أرض متصدعة.
عندما أكون جالسة على طاولة الكتابة، أنظر إلى يديّ الصغيرتين، وأطرافي الرقيقة، وجسدي النحيف المتماسك. أستغرب من أن هذا الجسد ينتمي إلى الوجه الذي أحمله، يخيل لي أحيانا أنهما من زمنين مختلفين، فضلا عن الزمن الداخلي الذي يتأخر عنهما بأشواط. في فترة ما من حياتنا تتداخل الأزمنة وتتعاكس، ثم تبدأ بالتراقص أمام أعيننا كلما نظرنا إلى صورتنا في المرآة:
هناك زمن نعيش فيه، وزمن يعيش فينا، زمن نحسه، وزمن نراه، وزمن نتذكره، وزمن نقتله، وزمن نسير بجانبه ولا ننتبه له.. زمن يأخذنا وزمن يتركنا، إنها بلا حصر هذه الأزمنة المتداخلة التي ترسم الوجوه وترفع الأرواح.
أحس في أحيان كثيرة بأنني طفلة، وأندهش من هذا الوجه الذي لم يفهم ذلك ولم يعكسه. أعتقد أن الأشخاص الأكثر صفاء بيننا هم القادرون على جعل وجوههم تعكس زمنهم الداخلي. كثيرا ما آمنت بذلك، حتى أنني اعتقدت أنه بشيء من التدريب والتركيز يمكن أن يحدث هذا. هل يبدو الأمر مضحكا؟ ربما، فالأطفال مضحكون في تجاربهم واعتقاداتهم.
يحدث أن أتساءل بيني وبين نفسي أيضا، إذا كانت التجاعيد تطال أجسادنا ووجوهنا ونراها رؤية العين المجردة، فهل توجد تجاعيد تطال أرواحنا ولا نراها؟ من عطف الطبيعة علينا أن الأرواح بمنأى عن الرؤية. الأرواح تتكسر في صمت ودون صخب كثير.
أحبّ التجاعيد إليّ تلك التي لا تحفر بل تجري كالنهر، التي لا تصرخ، بل التي تبكي في صمت. المتقشفة في ألمها حتى أنها تكاد تتحول إلى دوائر متلاشية كما لو أن حجرا عكر صفو الوجه الذي لا يلبث أن يعود إلى صفائه بمجرد أن يستقر الحجر في العمق. أكره التجاعيد التي تشق الوجه بالعرض، أو تتوزع بعشوائية ومجون في أماكن لا يجدر بها أن تكون فيها، فما علاقتها بالأنف مثلا؟ ما علاقتها بالكبرياء؟
لم أعد أضحك وأنا ألتقط صورا لنفسي، لأن الضحكة تزيد من إبراز التجاعيد حول العينين والفم، بدلا من ذلك صرت أزم ّشفتيّ وأدفعهما إلى الأمام، فهذا هو الوضع الأمثل الذي يمنحهما الامتلاء، ويشد العضلات المحيطة بهما، ولم تعد الصورة الجميلة هي الصورة الباذخة الزاهية الضاحكة المتشاقية، بل التي تعكس أقل قدر ممكن من التجاعيد.
لم أعد أمسك الكاميرا في مواجهتي لألتقط لنفسي “سيلفي”، بل أرفع يدي إلى أعلى أو أستلقي وألتقط الصورة من فوق رأسي، لأن هذا الوضع يضمن زاوية أقل بقليل من الحقيقة، وأعلى بقليل من معنويات امرأة تستسلم للسكين.
فكرت أيضا أن أرسل رسالة إلى المعارض والندوات التي أزورها لأخبرهم أن يرسلوا دعواتهم اليوم، لأنني لا أضمن المجيء غدا، وأن أطلب من زوجي أن يتوقف عن النظر إليّ وأنا نائمة، وهي عادة يحبها.
الزمن يطرق الباب بقوة وإلحاح، ولا يعرف أنه لا أحد في الداخل ليفتح.
*كاتبة تونسية مقيمة في هولندا..

المصدر :العرب

www.deyaralnagab.com