logo
قتل النساء في لبنان في ميزان القضاء والمجتمع!!
بقلم : شادي علاء الدين  ... 28.08.2016

طرح مسألة التعامل القضائي والشعبي مع جرائم قتل النساء في لبنان إشكاليات خطيرة، ترتبط بالمنطق الذي يحكم القضاء وبطبيعة المؤثرات التي تعيق أو تلجم الاندفاع الشعبي في اتجاه تكوين ردة فعل ترقى إلى مستوى الخطر الذي تمثله تلك الجرائم.
بيروت - نشهد على المستوى القضائي إعادة الاعتبار لمفاهيم ومنظومات قضائية لم تعد نافذة، وخضوعا للتقاليد الاجتماعية، وإطلاق أحكام تتناسب مع ما تفرضه هذه التقاليد. شعبيا يمكن رصد ضعف الاهتمام الشعبي بهذه القضايا وعدم قدرة الجمعيات النسائية والحقوقية على تحويلها إلى قضية رأي عام.
الأخطر من ذلك كله أن هناك نوعا من التوحد بات ملحوظا بين الأحكام القضائية المخففة التي تصدر بحق القتلة انطلاقا من مفاهيم الشرف، وبين النظرة الاجتماعية التي باتت ميالة إلى الأصولية والتطرف. هكذا نكون إزاء منطق عام يتهم الضحية بالمسؤولية عما جرى لها ويدينها، ويعتبر أن جريمة القتل التي وقعت في حقها إنما تأتي في سياق طبيعي ومحق يمثل نوعا من العقاب العادل على جريمة لا بد أن تكون قد ارتكبتها، وإن لم يتوفر أي إثبات على صحتها.
هكذا لا يتم الاكتفاء بالقتل بل يبدو وكأن المجتمع اللبناني يحرص على التمثيل بجثث النساء بعد القتل، بحيث يلحق بالضحية سمعة سيئة تطالها وتطال كل المقربين منها، وتجعل من عملية المطالبة بالحق بشكل قانوني عملية صعبة ومحفوفة بمخاطر النبذ الاجتماعي، والاتهام الأخلاقي. هذا الإطار يعزز منطق الرد عبر الثأر وليس عبر القضاء، ما من شأنه أن يوسع دائرة العنف إلى حدود لا يمكن التكهن بها.
المديرة التنفيذية في التجمع النسائي الديمقراطي المحامية منار زعيتر تعتبر “أن معالجة مسألة العنف ضد النساء في لبنان، يمكن أن تنطلق قبل كل شيء من مسألة الإصرار على التوصيف. الجرائم التي تصيب النساء في لبنان ليست جديدة، ولكن الجديد هو أنها أخرجت من الظلام إلى النور، وباتت خاضعة لتوصيف الجريمة بعد أن كانت بلا توصيف”. ما يشجع العنف ضد النساء في لبنان وفق منار هو “سيادة منظومة تمييز عام ضد النساء والثقافة الاجتماعية التي لا تزال ثقافة ذكورية بامتياز. تضاف إلى ذلك العوامل العامة التي تكمن في أننا نعيش في بلد بلا مؤسسات، ويفتقد الاستقرار، ويعاني من انفلات أمني، ما يدفع بالحكومات إلى عدم إدراج قضية النساء على جدول أعمالها أو ضمن أولوياتها”.
تعرض زعيتر قضية منال عاصي التي قتلها زوجها ونال حكما مخففا بسبب إدراج القضية تحت بند جريمة الشرف. وترى أن “الحكم الذي صدر في حق قاتل منال عاصي جاء ليطرح أسئلة كبيرة حول مفهوم العدالة، والكيفية التي يعكس القضاء فيها مفاهيم الشرف والعمل المحق وغير المحق، ورد الفعل الاجتماعي الذي يحمّل المرأة المسؤولية عن العنف الذي يرتكب في حقها”.
وتعتبر المحامية اللبنانية أن هناك تساؤلات كثيرة حول المنطق الذي قام عليه الحكم في هذه القضية، والذي أدرج مفهوم الخيانة في سياق الأسباب المؤدية إلى التخفيف من حدة الحكم. وتتساءل “كيف تم إثبات واقعة الخيانة؟” مؤكدة أن “ما طغى على المحكمة هو توصيف العمل غير المحق، وهنا يبرز السؤال حول دور القضاء، فهل يطبق القضاء دوره كحام للفئات المهمّشة؟ هناك ثقافة تمييز وثقافة عنصرية عامة في البلد، فهل يعنى القضاء بتكريس هذه الثقافة أم يعطي العدالة للضعيف؟”.
تؤكد زعيتر أن المخيف في الحكم القضائي بحق قاتل منال عاصي هو “التعليل قبل كل شيء، لأنه يبدو متعاطفا مع القاتل، فلأول مرة صار الأب ضحية، وأعربت المحكمة عن خوفها على الأولاد من التفكك الأسري. لقد تمت إدانة الضحية وجاء القرار ليعيد تطبيق المادة 562 التي ألغيت عام 2011 وكانت تشترط حدوث زنا مشهود. هذا العنصر لم يتوفر في حالة منال عاصي فالزوج دخل وكانت في البيت. العناصر التخفيفية غير متوفرة إذن ولكنه نالها على الرغم من ذلك”.
وتضيف محدثتنا “كان القضاة يقولون لنا خلال النضال الذي سبق إلغاء المادة، إنها تتطلب شروطا صعبة للغاية حتى يتم تطبيقها، وقد ألغيت هذه المادة، وشروطها لا تنطبق على حالة قتل منال عاصي ولكن المحكمة طبقتها”.
من جهة أخرى تشدد زعيتر على ضرورة “تحديث القوانين، حيث أن القوانين سارية المفعول في لبنان مستمدة من التشريعات الفرنسية والعثمانية.
هذه القوانين خضعت في البلدان التي صدرت عنها لتعديلات كثيرة لتلائم السياق التاريخي والاجتماعي في حين أنها مازالت سارية في لبنان بصيغتها القـــديمة”. وترصد ضعف ردود الفعل الشعبية على قضايا قتل النساء وتعتبر أنها راجعة إلى جملة من الأسباب أهمها “أن المنظمات النسائية والحقوقية بشكل عام لم تنجح في أن تجعل من نفسها حركات اجتماعية، ولم تنجح في تحويل قضايا النساء إلى جزء من نقاش عام. يضاف إلى ذلك الإحباط العام الذي يعاني منه اللبنانيون عموما. لكن السبب الأهم يبقى في أن الذين يرفعون الصوت للمطالبة بإيجاد حلول عادلة لقضية المرأة يتخذون صفة الأفراد، في حين أن التيارات المناهضة لحرية المرأة وحقوقها هي الطوائف والجماعات والأحزاب التي تملك وسائل تأثير لا تتوفر للمطالبين بحقوق المرأة”.
وتعتبر زعيتر أن ما حدث في قضية منال عاصي وفي قضية الفتاة القاصر التي اغتصبت في طرابلس والتي وصفها القرار القضائي بأوصاف مهينة، بدد الكثير من التفاؤل بقرب التوصل إلى حلول لقضية العنف ضد المرأة لأن “مفهوم الشرف البائد عاد إلى الظهور بقوة على مسرح الأحداث، وأثبت أنه قادر على التأثير في المسارات القضائية والاجتماعية بشكل كبير وقد يكون حاسما. هكذا تقتل النساء وتتم إدانتهن بعد القتل انطلاقا من مفهوم الشرف”.
من جانبها تعتبر مديرة فرع لبنان للمعهد العربي لحقوق الإنسان جمانة مرعي أن ما يفاقم العنف ضد المرأة في لبنان هو “الأزمة السياسية الحادة، والمشكلات الاجتماعية المتزايدة تنتج ردود أفعال حادة تصل إلى حدود الجريمة”. وتؤكد في معرض قراءتها لأسباب العنف المتمادي ضد النساء في لبنان أن “الثقافة السائدة لا تزال ثقافة ذكورية، وأن المجتمع يجد نفسه ميالا إلى التساهل مع مرتكبي العنف ضد النساء انطلاقا من منظومة القيم السائدة. وعي الناس في لبنان لا يزال قاصرا على تأمين الحماية للنساء”.
وتشرح مرعي أسباب عدم تناسب ردة الفعل الشعبية مع حجم الجرائم ضد النساء معتبرة أن “هناك ردود أفعال من الجمعيات والمنظمات النسائية ومن الكثير من النساء والمتعاطفين معهن، ولكن لم يصل الأمر إلى حدود تكوين ردة فعل نسائية عامة في البلد لأن جزءا كبيرا من النساء يحملن الثقافة الذكورية ويدافعن عنها”.
وتؤكد في تعليقها على الأحكام القضائية المخففة التي تصدر عن القضاء اللبناني في حق قتلة النساء على كون القضاء اللبناني “يعاني من الشخصنة، وخصوصا أن لا قوانين جديدة تصدر، وأنه لم يتم تعديل المواد الخاصة بالعنف ضد المرأة في القوانين اللبنانية”. وتعرب مرعي في ختام تصريحاتها عن تفاؤلها بتغيير الوضع العام القانوني والاجتماعي انطلاقا من تغييرات ملموسة في مستوى التعاطي مع هذه القضايا وتؤكد “أن الدولة اللبنانية مطالبة بتقديم تقارير توثق النشاط الذي تقوم به من أجل مكافحة العنف والتمييز ضد المرأة. وإلغاء مادة جريمة الشرف كان من أبرز الإنجازات التي عرضتها الدولة اللبنانية أمام المجتمع الدولي. هذا الأمر لم يكن سائدا في الفترة السابقة على الإطلاق. لكن ذلك لا يعني أن الأمور ستتغير بشكل سريع وبطريقة سحرية، ولكنها موضوعة على السكة الصحيحة، فالتغيير وخاصة في المجال الاجتماعي يحتاج إلى وقت”.
وإثر الاحتجاجات على الصيغة المخففة للحكم الصادر على قاتل منال عاصي، طلب النائب العام التمييزي القاضي سمير حمود بنقض الحكم المخفف الصادر في حق زوج منال عاصي، كونه لا يتناسب مع معايير الأسباب التخفيفية، ولأنه انطلق من قراءة خاطئة لمضمون المواد القانونية التي تمنح بموجبها هذه الأسباب. حمود طالب بإعادة محاكمة المتهم محمد النحيلي، وإنزال أشد العقوبات في حقه.
منسقة مشاريع وحدة العنف الأسري في جمعية “كفى” فاتن أبوشقرا تعتبر أن التمييز الذي طالب به القاضي حمود “يعتبر سابقة، وهو ينطلق من عدة عناصر أبرزها أن منطق جريمة الشرف الذي استند إليه الحكم السابق قد أهمل جانبا أساسيا وهو حق المتهم في الدفاع عن نفسه، والمتهم في هذه الحالة لا يستطيع ذلك كونه قد فارق الحياة. كذلك فإن فكرة فورة الغضب والتي اعتبرت عنصرا أساسيا استعمل لتبرير الحكم المخفف لا تنطبق على ما أثبتته التحقيقات من تعذيب طويل ومقصود للضحية استمر لعدة ساعات. يضاف إلى ذلك أن المادة المتعلقة بجريمة الشرف قد تم إلغاؤها، ولبنان هو بلد موقع على اتفاقية ‘سيداو’ التي تعنى بالقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة”.
وتضيف أبوشقرا “الدولة اللبنانية مطالبة بتقديم تقارير توثق النشاط الذي تقوم به من أجل مكافحة العنف والتمييز ضد المرأة. إلغاء مادة جريمة الشرف كان من أبرز الإنجازات التي عرضتها الدولة اللبنانية أمام المجتمع الدولي. من هنا فإن حيثية الحكم على قاتل منال عاصي والذي أحيا مادة جريمة الشرف بات يمثل أزمة قانونية، وأزمة للبنان أمام المجتمع الدولي والمنظمات التي تراقب بشكل متواصل مدى تطبيق لبنان للمعاهدات التي وقع عليها”.
وتشير أبوشقرا إلى أن الجديد في قضية منال عاصي والذي جهز المناخ لتمييز الحكم هو “أن المسألة خرجت من الإطار الشخصي والعائلي، وباتت مسألة تطال المجتمع، فقد نزل إلى الشارع أكثر من خمسة آلاف شخص للاحتجاج على التعاطي القضائي في قضية منال عاصي. عندما تصبح القضية عامة وتفاصيلها مكشوفة أمام الناس يصبح حينها من الصعب على أي شخص أو على أي جهة الدفاع عن شخص مثل محمد النحيلي. القضاء استجاب لمطالب الرأي العام وعمد إلى تطبيق الإطار القانوني المتاح. هكذا لم يعد ممكنا إخفاء الجرائم المماثلة ولا الاستخفاف بنتائجها”.
تؤكد المسؤولة في جمعية كفى أن “الجهاز القضائي متقدم على القوانين، جل ما كنا نخشاه هو أن تتفوق التقاليد على القوانين، ولكن يبدو أن هناك مسارا إيجابيا قد انطلق، وأن الزمان الذي يقول فيه شخص لزوجته بغية إجبارها على الخضوع له ‘بقتلك وباخد فيكي سنتين حبس’ لم يعد صالحا للبقاء والاستمرار”.
لا يمكن التكهن بنتيجة المسار القضائي الذي انطلق، وقدرته على خلق منطق جديد في التعامل مع قضايا قتل النساء ولكن من المؤكد أن هذا الخطر الذي يطال بنية المجتمع اللبناني لم يعد مقيما في ظلام الجهل والتجاهل، وأن هناك أصواتا كثيرة تصر على مواجهته.
نجحت هذه الأصوات في التأثير على القضاء الذي لا يستطيع أن يضع نفسه في مواجهة مع السلطات الشعبية التي تمنحه الشرعية، وخصوصا أن هناك بنية قانونية قائمة تسمح له أن يكون منسجما في أحكامه مع خطاب الرأي العام. هكذا لم يعد مقبولا أن يكون قتلة النساء مجرد غاضبين أو مدافعين عن شرف ما، بل قتلة يجب أن يعاملوا معاملة المجرمين.
كاتب من لبنان

كاتب من لبنان...المصدر : العرب

www.deyaralnagab.com