logo
حول شعار التآخي بين الطوائف !!
بقلم :  سهيل كيوان  ... 26.12.2019

ليس كل شعار يحمل فكرة الأخوة بين الطوائف بريئاً، فهو فضفاض جدا، وقد تكون هذه الأخوة دخانا يتستر خلفه طائفيون وفاسدون وحتى مجرمون، ولهذا فإن الوضوح مطلوب، أخوة في ماذا وعلى ماذا؟
ينتشر الشعار بكثافة عند وقوع حادثة ما، يتورط فيها طرفان من طائفتين، إذ يتخوّف البعض من فتنة تمسّ العلاقة الاجتماعية في بلد تعيش فيه عدة طوائف، خصوصاً التخوّف في الأساس من أيدٍ جاهزة لاستغلال حادثة جنائية عادية، وحرفها عن حقيقتها واستغلالها لأهداف سياسية بعيدة المدى، قد يقوم بهذا، مسيحيون أو مسلمون أو يهود وغيرهم.
قبل أيام أُحرقت شجرة عيد الميلاد المجيد التي نصبت في قرية جديدة – المكر قرب عكا، التي يعيش فيها مسلمون ومسيحيون، فاشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي في الحديث عن وأد الفتنة الأشد من القتل، فيفهم المتلقي، خصوصاً البعيد عن الحدث، وكأن هذا العمل الرذيل قد جرى على خلفية دينية قام به متطرّفون مسلمون، خصوصاً عند وصف الفاعلين بأنهم دواعش. ولكن الحقيقة هي أن هذا العمل الساقط واحد من سلسلة اعتداءات وحالات عنف في هذه القرية، ومنها إطلاق النار قبل أسبوعين على رئيس المجلس المحلي، وإصابة حارسه بجراح، وكلاهما مسلمان، ففي هذه البلدة توجد أحداث عنف بين حين وآخر، مثل مختلف القرى والمدن العربية، ومن الواضح أن هناك من يسعى للتخريب في هذا البلد وزرع الفوضى فيه، بدون علاقة للدين في الموضوع، لا من قريب ولا بعيد، بل يأتي إحراق الشجرة في سياق أعمال العنف التي يمارسها بعض المارقين ضد مجتمعهم، ولهذا لا مكان هنا للاعتقاد بأن الخلفية هي تعصّب ديني إسلامي، ولا مكان للأحاديث المنطلقة بناء على هذه الفرضية، فيُتحفوننا بقصص تاريخية عن التسامح بين الأديان وقبول المُختلف، واحترام القناعات الأخرى والحديث عن عيسى بن مريم وأمِّه وقدسيته لدى المسلمين، بينما الخلفية هي عمل زعرنة وتصفية حسابات على خلفيات جنائية وليس أكثر.
طبعا كلنا مع التآخي، ليس فقط بين المسيحيين والمسلمين، بل بين كل الشرفاء والطيبين من المسيحيين والمسلمين وغيرهم من جميع الانتماءات في كل العالم.
التآخي يجب أن يكون أعمق من فكرة الطوائف والعقائد، لأن هذه الوحدة المبنية على أسس طائفية قد تنهار في أول رؤية دينية مختلفة أو متناقضة بين الجانبين، هذا الخلاف قد يتطوّر إلى بغضاء غير معلنة، وقد تطفو على السطح وتسفر عن وجهها ما لم يكن التآخي في جوهره إنسانيا، أبعد من شعار تآخي الطوائف.
في إحدى المرات كتبت على الفيسبوك «وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم»، كان هذا قبل حوالي أربعة أعوام في مناسبة إحراق كنيسة الخبز والسمك على ساحل بحيرة طبريا الشمالي، على يد متطرف يهودي، فوصلتني رسائل من أصدقاء مسيحيين بأن ما كتبته يعتبر استفزازاً لهم، ويمس مشاعرهم، ومن المفضل أنْ تمحوَه، وذلك لأنهم يؤمنون بأنه صُلب حقا ثم قام، وكنتُ قد ظننت بأنني أحسن صنعاً.
الشعار عن أخوة مسيحية إسلامية أو غيرها مثل التسامح بين الأديان، يجب أن يكون واضحاً، أخوة في ماذا وعلى ماذا؟
هناك أخوّة تهدف إلى خدمة زعماء الفساد من الطوائف السياسية في لبنان مثلا، وهناك أخوة طائفية تتغنى بالنظام السوري، على اعتبار أنه النظام القومي والوطني الذي يحارب الإمبريالية والتطرّف! وهو بدوره يباركها ويدّعي حمايتها ما دامت تحت مظلته، وفي حال احتج المسيحي أو المسلم من أي مذهب كان على نظامه يصبح متطرفا ومخربا للوحدة الوطنية، وتجب محاربته، حتى أن تهمة الانتماء للإخوان المسلمين قد توجّه إلى مسيحي معارض للنظام، كما حدث في رواية «القوقعة» لمصطفى خليفة، ويصبح كل معارض داعشياً، هذا نجده حتى في فلسطين، فمن يعارض سياسة السلطة الفلسطينية ومواقفها، توجّه له أولا الشبهة بأنه إخواني، خصوصاً إذا كان له سكسوكة، وإذا استطاع درء هذه الشبهة عن نفسه، توجه له شبهة التأثر بالفكر المتطرّف.
زعماء الطوائف من شتى الأطياف اللبنانية يرفضون التخلي عن جشعهم، ويتمسّكون ويتعنّتون في مواقفهم ويتّحدون في مواجهة مطالب الشعب، وفي مقابلهم يوجد تآخٍ بين المعارضين المنتفضين من جميع أبناء الطوائف والمذاهب.
هناك رجال دين من كل الطوائف، يتوحّدون ويتآخون في نبذ العنف والتطرّف تحت شعارات كبيرة عن التفاهم والتسامح بين الأديان، ثم يصمتون صمت أهل الكهف عن ممارسات الاحتلال العنف، وفي المقابل هناك من يرفضون الاحتلال من كل الطوائف، وبعضهم يقاومه. هنالك أيضاً أخوّة إسلامية مسيحية درزية يهودية بين رجال العالم السفلي في تجارة السموم والسلاح وفرض الإتاوات على المصالح التجارية. وهناك أخوّة عربية يهودية بين نتنياهو الذي صار رمزا للفساد والتطرّف وبعض المأخوذين المعجبين به من العرب. لهذا فإن الشعار عن أخوة مسيحية إسلامية أو غيرها مثل التسامح بين الأديان، يجب أن يكون واضحاً، أخوة في ماذا وعلى ماذا؟ وماذا وراء الشعار؟ وهل يعني التسامح مع زعماء الطوائف من مصاصي دم الشعب أم مع الديكتاتوريات الإجرامية، أم مع ممارسات الاحتلال وغض الطرف عنها، وهل يبقى هذا تسامحاً وأخوّة أم أن له اسماً آخر؟


www.deyaralnagab.com