logo
يا عرب إستعدوا لدفع التعويضات لإسرائيل !!
بقلم : سهيل كيوان  ... 10.01.2019

أعدت حكومة إسرائيل الحالية، ملفا لمطالبة الدول العربية وإيران بتعويضات تبلغ قيمتها 250 مليار دولار، عن أملاك اليهود التي تركوها في هذه الدول، وهاجروا بسبب الصراع العربي الصهيوني.
مبدئيا يحق لكل إنسان يملك أرضا أو بيتا أو عقارا ولم يبعه، أو أرغم على تركه، أن يعود إليه، أو أن يحصل على تعويض عنه بحسب رغبته، هذا منطق إنساني، يجب أن يطبق على كل بني البشر، في كل مكان في العالم. قضية هجرة اليهود من الدول العربية، تختلف جوهريا عن هجرة يهود أوروبا، فالدول العربية، كانت كلها تحت سيطرة استعمارية، والمؤامرات كانت تحاك على الشعوب العربية وعلى فلسطين وشعبها، كذلك على اليهود الذين رغبوا مواصلة العيش في بلدانهم العربية، فهناك تقاطع مصالح بين الحركة الصهيونية والاستعمار، ومع هذا النظام العربي أو ذاك، وهذا سبّب علاقات اتسمت بالمد والجزر بين اليهود ومجتمعاتهم العربية، وذلك مع بدء الهجرة اليهودية المكثفة إلى فلسطين، التي بلغت أوجها مع وقوع نكبة الشعب الفلسطيني.
بدون الدخول في التفاصيل، وهي كثيرة ومعقدة، وسواء هاجر اليهود من الدول العربية تحت وطأة الخوف والتخويف والتفجيرات المشبوهة والتحريض والمضايقات، أو بمحض إرادتهم، فإن هذا لا يلغي ملكية أحد على أملاكه، فهي ملكه ما دام أنه ورثها أو اقتناها من ماله، وليس من حق أحد أن يصادرها أو يتنكّر لأصحابها. هذا القانون يجب تطبيقه على الجميع، على اليهودي والفلسطيني والسوري واللبناني والأردني والمصري والتركي، وكذلك على مال الله، الذي هو مال وقف لهذه الطائفة أو تلك، فلا يعقل أن تصادر إسرائيل أموال الوقف الإسلامي كلها والكثير من الوقف المسيحي، التي تشكل أكثر من 83% من عقارات مدن فلسطين، ثم تحرم المسلمين منها، بادعاء أن أموال الله تعامل مثل أموال الغائبين، لأن الله غائب، هذا ما فعلته إسرائيل وأقرّته قانونيا بعد النكبة.
أن أترك بيتي لأي سبب كان، لا يعني أبدا أن أفقد ملكيته، ومن حقي العودة إلى أملاكي، أو تعويضي إذا لم أرد العودة، وأن تنتصر عليّ في الحرب، لا يعني أن تطردني وتسرق بيتي وحديقتي وشجرتي وأرضي وعقاراتي وعقارات الوقف التابعة لطائفتي. سيقول الإسرائيليون إن اليهود في الدول العربية لم يحاربوا، بل كانوا مدنيين، هذا المنطق ينطبق أيضا على 99% من أبناء الشعب الفلسطيني، الذين شُرّدوا من ديارهم، فهم أيضا مدنيون خافوا على أرواحهم، ومن حق الإنسان أن يخاف على أسرته وروحه، خصوصا إذا لم يكن مسلحا، هذا نراه في هذه الأيام من خلال هجرة ملايين البشر، من عرب وغير عرب إلى أمكنة أكثر أمنا من أوطانهم، فهل هذا يلغي ملكية الناس لعقاراتها؟ هذا ينطبق أيضا على من دافع عن بلده ووطنه بالسلاح، فكونه محاربا لا يلغي حقوقه في أملاكه حتى لو خسر الحرب.
شر البلية ما يضحك، تقوم حكومة إسرائيل في هذه الأيام وليس قبل سبعين عاما، بمصادرة ما تبقى من أراضي الفلسطينيين، وتخرّب أملاكهم وتقطّع أشجارهم وتمنعهم من دخول أراضيهم وتجرّفها، وتقطّع أوصالهم بالجدران أمام كاميرات العالم بلا أي رادع، وكأننا في عصر قبائل السلب والنهب والغزوات الهمجية.
يقدر عدد اللاجئين الفلسطينيين وأسرهم داخل إسرائيل بحوالي 300 ألف إنسان، صحيح لا توجد مخيمات داخل إسرائيل، ووضع هؤلاء تحسن ماديا، واستقر معظمهم في قرى ومدن وطنهم باستثناء قراهم ومدنهم الأصلية، ولكن لهؤلاء أيضا أملاكهم التي طردوا منها، وبعضها على مسافة مئات الأمتار وليس كيلو مترات من مكان إقامتهم الجديد، وقسم من هؤلاء أخرجوا من بيوتهم بعد انتهاء الحرب، مثل بعض قرى الحولة وإقرث وبرعم. قبل أيام زرت مسنّا أصله من قرية إقرث من عائلة أشقر، يقيم كلاجئ في قرية معليا في الجليل الأعلى منذ بُعَيْد النكبة، يدنو من التسعين من عمره، حدّثني تارة بغضب، وتارة بسخرية بالقصة المعروفة، كيف أن الجيش الإسرائيلي أمر الناس بالخروج من القرية بعد احتلالها بأسبوعين، الجيش طمأن الناس ونصحهم بأن لا يأخذوا معهم سوى غيارات ملابس، وأن يتركوا كل شيء في بيوتهم كما هو، لأنهم سيرجعون إليها بعد أسبوعين، بل إن الجيش طلب منهم إبقاء بعض الشبان لحراسة الممتلكات والبيوت ريثما يعودون، معظمهم لم يصدّقوا هذا الكلام، ولكن ماذا يمكن أن يفعلوا أمام القوة المسلحة الغاشمة، وقد رأوا قرى جارة لهم تنسف ويطرد أهلها ويقتل بعضهم مثل الدير والقاسي وتربيخا ومروحين والنبي سبلان وغيرها.
ما زال أهل إقرث ينتظرون حتى يومنا هذا، رغم أن قضيتهم وصلت إلى بابا الفاتيكان منذ الستينيات من القرن الماضي، وسكانها من المسيحيين الكاثوليك، وأكثر من هذا، فقد حصلوا هم وأهالي كفر برعم القريبة على قرار من محكمة العدل العليا الإسرائيلية عام 1951، يتيح لهم العودة إلى بيوتهم وأملاكهم، ورغم ذلك منعوا من العودة، بل إنهم إذا زرعوا شتلة نعناع (حقيقة وليس مجازا)، يأتي موظفو دائرة أراضي إسرائيل، ويقتلعونها في اليوم التالي.
حكومة إسرائيل تصادر ما تبقى من أراضي الفلسطينيين، وتقطّع أوصالهم بالجدران أمام كاميرات العالم بلا أي رادع
بعد خروج أهل إقرث ربما بعام واحد من قريتهم، توفي أحد رجالهم في قرية الرامة، فقرروا دفنه في إقرث مسقط رأسه، نقله بعض الرجال سرا في الليل في طرق وعرية على حمار ودفنوه، ولكن الجيش الإسرائيلي انتبه لهم، وأمرهم بإخراج الجثمان والعودة به من حيث أتوا، فحملوه على حمار مرة أخرى، ومضوا به تحت المطر، في طرق وعرية إلى أقرب قرية عليهم، وهي قرية فسّوطة، فدفنوه في مقبرتها.
يفكر الإسرائيليون ضمن ما يسمى صفقة القرن بالمقايضة، تعويضا مقابل تعويض، وسيطرحون الأموال المذكورة مقابل أموال الفلسطينيين وأملاكهم، رأسا برأس، إلا أن هناك من قدّر أملاك اللاجئين الفلسطينيين بمئة مليار فقط، وهذا يعني أن على العرب الاستعداد لدفع الفارق المقدّر بمئة وخمسين مليارا.

كاتب فلسطيني

www.deyaralnagab.com