logo
تمثيليات أردوغان!!
بقلم : سهيل كيوان ... 17.05.2018

في المواقف التاريخية المفصلية تجري مفاضلات ومقارنات، في مواقف الدول، وهذه يُسجّلها التاريخ، فإما أن تكون فخراً لنظام حاكم في هذا البلد أو ذاك، وإما أن تكون خزياً وعاراً لا تنساه الأجيال.
أتى احتفال افتتاح السفارة الأمريكية في القدس، وما رافقه من قتل للعزل من الفلسطينيين في قطاع غزة، ليضربَ الشرعية الدولية وحقوق الإنسان والأعراف كلها بعرض الحائط، ويعني عمليا شرعنة الاحتلال وتشجيع ضم أراضي الغير بالقوة، وقتل العُزّل من المتظاهرين.
أمام هذه العربدة الأمريكية ـ الإسرائيلية،هناك أنظمة قادرة على اتخاذ مواقف مستقلة، مقابل أنظمة عاجزة حتى عن الاستنكار والتنديد بوضوح بهذه الجرائم.
الأنظمة العاجزة، غالباً ما توجّه سهامها المسمومة إلى الضحية ومن يقف معها، وعادة ما تطلب «ضبط النفس من الطرفين»، و»العودة إلى طاولة المفاوضات»، وكأنما كانت هناك مفاوضات، وبدون أن توضّح ما هي هذه المفاوضات، وعلى ماذا، وما هو المتوقّع منها؟ بعضهم يحمّل المسؤولية بالتساوي بين المجرم والضحية تحت ذريعة «حق إسرائيل بأن تدافع عن حدودها»، في الوقت الذي لم تقرر إسرائيل ولا مرّة في تاريخها أو دستورها، أين هي حدودها، ونتحدى هؤلاء القانونيين أن يحدّدوا أين هي حدود إسرائيل.
ما أن أعلنت تركيا طرد السفير الإسرائيلي من أنقرة والقنصل من اسطنبول، حتى دبّ الحسد والغيرة في أوساط بعض العرب، فراحوا يصفون أردوغان بالثعلب المتلوّن، ويصفون مواقفه بالتمثيل. عندما يأمر أردوغان بطرد السفير الإسرائيلي من أنقرة ثم القنصل من إسطنبول، فهو لا يمثل. أما من يحتضن السفير والقنصل الإسرائيليين، ثم يستنكر جرائم الاحتلال بحياء، ويطالب بحقن الدماء من دون تحديد المسؤول عنها، فهو الذي يُمثل. عندما يستدعي أردوغان سفيره من واشنطن للتشاور، ويعلن رفضه للموقف الأمريكي، ويعتبره معاديا للشرعية الدولية فهو لا يمثل. أما الذي لا يجرأ على كلمة واحدة في مواجة ترامب، فهو الذي يُمثل. الذي يستنكر جرائم إسرائيل القديمة والجديدة وعلاقته متوترة مع نتنياهو منذ سنين فهو لا يمثل. أما الذي يستنكر الجرائم الإسرائيلية بالكلام، ويهرول إلى التطبيع من جهة أخرى، فهو الذي يُمثّل.
عندما يطالب أردوغان بمحاكمة المجرمين في محكمة الجنايات الدولية، فهو لا يمثل. أما من لا يتقدم بشكاوى رغم الجرائم المتكررة ضد المدنيين في فلسطين، فهو الذي يُمثّل. عندما يطالب أردوغان الدول الإسلامية باتخاذ موقف حازم تجاه إسرائيل وترامب، فهو لا يُمثل. أما من يصطف إلى جانب نتنياهو وترامب بذريعة مواجهة الخطر الإيراني فهو يمثل، لأن مواجهة الأطماع الإيرانية لا تعني التحالف مع نظام توسّعي عنصري فاشي على حساب شعب عربي آخر. عندما يعلن نظام عربي استنكاره لمقتل سبعين فلسطينياً، بينما هو يقتل شعبه والفلسطينيين معهم بعشرات ومئات الآلاف، فهو يُمثّل. من يسفك دماء السوريين والعراقيين واليمنيين والليبيين، ثم يعرب عن قلقه واستنكاره لمقتل مدنيين فلسطينيين، فهو يمثّل. الأنظمة الصديقة والمعادية التي تساوي بين الضحية والجلاد، وتدعو الطرفين لضبط النفس، تُمثّل، لأن الذي استعمل السلاح معروفٌ وواضح.
كان بإمكان أردوغان أن يتخذ موقفاً إنشائياً خطابياً، من دون طرد السفير والقنصل، ومن دون وصف نتنياهو بأن يديه ملطختان بدماء الأبرياء، ومن دون استدعاء السفير من واشنطن للتشاور، ومن دون دعوة رئيس وزرائه علي يلدريم الدول الإسلامية لإعادة النظر في علاقتها بإسرائيل، لكنهما لم يمثّلا.
ادعى البعض أن موقف أردوغان نابعٌ من حاجته إلى الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي ستجري في يونيو المقبل. حسناً، وما الغلط بأن يكون موقفه هذا سبباً في زيادة أعداد ناخبيه، فهذا يشير إلى موقف شعبي تركي مؤيد للحق الفلسطيني، وهل أتى هذا الموقف الشعبي في تركيا صدفة؟ أم نتيجة تراكم إعلامي واضح إلى جانب الحق الفلسطيني بتنا نتوق إليه من بعض العرب. تركيا اليوم من أقوى الأصوات على الساحة الدولية المنحازة بوضوح إلى حقوق الفلسطينيين، وتنتقد السياسة الأمريكية والإسرائيلية بقوة، وهي من الدول القليلة في العالم، التي تملك الجرأة على استدعاء سفيرها من واشنطن، وتخاطب رئيس أمريكا بندّية. المظاهرات التي يشارك فيها مئات الآلاف من الأتراك بإرادتهم تأييدا للحق الفلسطيني، والذين سيتظاهرون يوم غد الجمعة تحت شعار، «وقفة ضد الظلم»، تقول إن التعبئة التركية شعبية، وليست على مستوى المسؤولين فقط.
صحيح أن أردوغان رجل سياسة، ولا يوجد في السياسة أيقونات مقدّسة، فهو يضع مصلحة تركيا على رأس سلّم اعتباراته، ولكنه منسجم مع إرادة شعبه إلى حد بعيد، وهو بهذا يخدم الشعب الفلسطيني أكثر من أولئك الذين يقمعون شعوبهم، ويرغمونها على غير ما تريد وتصبو إليه وتشعر به، بل ويضللونها ويبثون الأكاذيب حول الفلسطينيين وعلاقتهم بالإرهاب، وببيع أراضيهم، لتبرير تخاذلهم.
أخيراً، أدعو من يدّعون بأن أردوغان يمثّل، إلى التمثيل، أن يمثّلوا طرد سفيريّ إسرائيل من القاهرة وعمّان، وأن يمثّلوا استدعاء السفراء العرب من واشنطن للتشاور، (أعتقد أنهم لن يجرؤا على هذا حتى في السينما)، وأن يمثلوا إجراء انتخابات رئاسية مثل تلك التي يخوضها أردوغان وحزبه، (وهذه أصعب)، وأن يمثّل الأغنياء والنّفطيون منهم توزيع الزكاة على الدول الإسلامية الفقيرة، بدلا من صفقات السلاح الأسطورية، وأن يمثلوا احتضان اللاجئين السوريين بالمستوى الإنساني الذي مثلت فيه تركيا هذا الدور، مثّلوا، فأنتم الممثلون، وأنتم أحقُّ من ممثلي هوليوود وكان بالسُّعف الذهبية والجولدن غلوب والأوسكار وغيرها وغيرها..


www.deyaralnagab.com