logo
فوائد لم تعرفوها عن التين…!!
بقلم : سهيل كيوان ... 20.07.2017

في تموز أقطف الكوز، والكوز في بلدي هو التين، وهو شعار مجلسنا البلدي.
يقول المثل «ملّي ثمك ولا توخذ لأمك» أي أدعوك لتأكل التين ولكن لا تأخذ للبيت أو للتجارة، وهناك مثل آخر يقول «مَشْمِشْ له يُتيّن لك»،أي أطعمه مِشمشًا في الربيع يطعمك تينا في الصيف، وأيام عنبك وتينك يكثروا محبينك، وفلان صار يقشّر، يُضرب لمن شبع فصار يقشر حبة التين بعدما كان يأكلها مع قشرتها بسبب جوعه. وهناك قول» بدّك دين أم تين»، أي هل تريد الدين على أصوله أم لغايات وشهوات!علما أن للتين سورة في القرآن الكريم، ويقسم الله سبحانه وتعالى بالتين، وذلك لعظيم شأنه.
للتين ألوان وأسماء كثيرة بياضي وحماري وخضاري وسوادي ونورسي وطوالي وموازي وسباعي وغزالي وحماضي وبقراطي وشتاوي وعسالي وغيره الكثير، وله فوائد صحيّة كثيرة.
كان بعض الأجداد يتركون على طرف الكرم شجرة لعابري السبيل والفقراء ليأكلوا منها، هذه الأشجار تسمى سبيل، يسبّلها البعض صدقة عن روح أحد والديه أو أجداده، السبيل إليها متيسر ومن هنا اشتق اسمها، وهي مثل سبيل الماء لعابري الطريق، ولتينة السبيل رهبة خصوصًا إذا قيل إنها أوقفت للجامع. في تلك الأيام لم يكن يسمع من الجامع سوى التسبيح والدعاء بهمس خفيف، كانوا يدركون أن الله يسمع ويرى دونما حاجة للصراخ، حتى خطبة الجمعة كانت تلقى بصوت خفيض.
كان الفلاحون يتحدثون عن وجود جنية تعيش على سفح الجبل، وهي تخرج لاصطياد ضحاياها فقط بعد مغيب الشمس، أو نهارا في الأمكنة النائية، وقد تتظاهر بالبكاء والحزن ثم تنقض عليك وتخطفك لتتخذك زوجاً لها، وعادة تبدأ خدعتها بأن تدعوك لتفلّي لها شعرها الطويل من القمل، وقد تتخذ شكل حمار أو فرس، ولهذا ما أن تغيب الشمس حتى تبدأ التوجسات والاستعدادات للعودة إلى القرية. كان البعض يتظاهر بأنه لا يخاف من الجنيات، ولكن عندما يسقط رداء الظلام يتعاظم الخيال ويرين صمت رهيب وتتوتر الأجواء، ويصبح لكل حركة صدى في الروح والذهن، حتى صرير صراصير الحقول، ومهما ضبطت نفسك فإن خوفك سيظهر عند أول مفاجأة، كأن يفر طائر بالقرب منك، أو أن تسمع زحفا بين الأعشاب اليابسة أو ظهور حمار وحيد على جانب الطريق أو كلب متشرد، فليس أمامك سوى أن تبسمل وتقرأ الفاتحة وتركض فراراً دون أن تلتفت من ورائك.
كان حسني شابا في العشرينيات ممن يزورون كروم التين في نهاية الأسبوع لأنه يعمل في تل أبيب ويبيت فيها، كان شكل شاربيه الضخمين وقصصه توحي لنا بالبطولة، كان يرتدي سروال الجينس الذي لم يكن منتشراً في تلك الأيام، ويبرز من جيبه الخلفي سكين الكباس، ويضع علبة سجائر في جيب قميصه الشفاف ليظهر بفخر علبة الجيتان الفرنسية ذات الرائحة الكريهة، وقف مرة إلى جانب رماد من تلك الحرائق التي يشعلها الفلاحون أو الأطفال وقال إنه قتل ضبعاً وأحرقه هنا. كنا ننظر إلى ساعديه الثخينين وعلى أحداها وشم من بضع نقاط ونرى فيه بطلا خصوصاً وهو يحكي لنا مغامراته في تل أبيب وصراعه الذي لا ينتهي مع زعران من الشبان اليهود الذين يعتدون على العمال العرب ويلاحقونهم حتى في أماكن مبيتهم. كان يحكي أنه بعد تكرار شجاره معهم، صار يستدعي سيارات الإسعاف قبل بدء المعركة لنقل الجرحى الذين سيسقطهم لامحالة، في إحدى المرات وصلت أربعون سيارة إسعاف لنقل الجرحى، وصار اسمه هناك بطل تل أبيب، ولكن في بلدتنا التصق به لقب حسني الإسعاف مع ابتسامة خفيفة، ولم تخل حكاياته وملحه من غراميات، إحداهن سيدة تركية الأصل وقعت في غرامه بدون مقدمات، طريقة سرده كانت تركية، فهي تبكي كثيراً كلما دخل عليها وكذلك كلما غادرها، وتعاتبه بدموعها عندما يسافر إلى القرية في نهاية الأسبوع وكذلك عند عودته إليها، وعرضت عليه أن يعيش معها في فيلتها على شاطئ البحر وهي ستدللـه وتغنيه عن العمل، فهي تملك مالا كثيراً، ولكنه اعتذر رغم حبه لها فبكت كثيراً، وارتدت ثيابا سوداء عندما عرفت أنه خطب ابنة عمه.
كان حسني الإسعاف يحب فهد بلان ويحفظ أغانيه «واشرح لها، ولركب حدّك يا المطور. ويا سالمه يا سالمه، وغيرها». وللحقيقة كانت في صوته رنة جميلة فيحاول أن يرى تأثير غنائه على وجوهنا، كنا معجبين بالضبط عندما يردد بمهابة وتهويل «بعيني أنا شفت البنية سارحة»…دون أن نفهم بقية الجملة.
في إحدى المرات فاجأتنا الجنية على شكل طفلة شعرها طويل وتبكي مهرولة إلينا فركضنا مذعورين، وركضت وراءنا وهي تصرخ أكثر، وصار بعضنا يركض ويصيح رعبا..يا أهل البلد..يا أهل البلد..وتعلّق البعض بسروال حسني الإسعاف ولكنه نفض الجمع عنه وولى هارباً أسرع منا، فالجنية باتت حقيقة وها هي تصرخ وتنادي هييييه يابا…هيييه يما. خلال حالة الرعب التي اجتاحت الجميع ظهر رجل وشاب يبحثان عن طفلة في الثامنة لحقت بشقيقها إلى كروم التين وضلت طريقها.
أذكر كذبات حسني الإسعاف الساذجة بالخير سوى واحدة لم أغفرها له، فقد ادعى أنه رأى بعينيه كيف ضممت وقبلت إحدى البنات من جيراننا في كرم التين، بكيت كثيرا نفيا للتهمة ورميته بالتراب والحجارة، ولكن كلما عبّرت عن غضبي وبكيت قهراً اقتنع كل من سمع القصة أنها حدثت بالفعل، وصار من حسبناهم كباراً يلقبونني باسم تلك المسكينة التي صارت تشتم وتبكي دفاعاً عن «عرضها» وتكذّبهم وهي ترتجف خوفاً من الفضيحة، لكنهم كانوا يضحكون ويؤكدون أنني قبلتها بموافقتها بالعلامة تحت التينة الغزالية. حتى يومنا هذا عندما ألتقي صدفة بتلك الحاجة الورعة الوقور في الطريق أو في مناسبة اجتماعية، أرى ظل ابتسامة على وجهها وكأن هناك كلمات تريد أن تقولها ولكنها لم ولن تتفوه بها. بلا شك أنها تتذكر القبلة التي لم تحدث، وتتذكر بكائي وشهامتي بنفي التهمة الخطيرة عني وعنها. رحل حسني الإسعاف بسببه وأجله بسرطان الرئة، فقد ظل مدخنا شرهاً حتى يوم وفاته، بل وأشعل سيجارته الأخيرة وهو في سرير المرض وعلى أنفه وفمه كمامة الأوكسجين فأحرق وجهه. الشوارع الواسعة كالمطارات والفرعية إلى المستوطنات الجديدة وخط سكة الحديد والأبنية الممتدة من كل الجهات مزقت كروم التين، ولم يبق منها سوى القليل القليل المهمل، مثل شاربي ورموش عيني حسني الإسعاف التي احترقت في الساعات الأخيرة من عمره رحمه الله.


www.deyaralnagab.com