logo
العراق بين سخط السماء وأدعية الأئمة والسياسة الرعناء!!
بقلم : علي الكاش ... 23.03.2014

أحيانا تتغير الظروف الزمانية والمكانية ويتغير الأشخاص والمسميات، لكن مجرى الأحداث يدور برتابة مملة حول نفس المحور، دون أن يطرأ تبديل جوهري على الواقع السياسي والإجتماعي. والعلة في تكرار الحدث يتحكم فيها عاملان هما عقلية الحاكم والعقلية الشعبية. وغالبا ما تكون العقلية الشعبية هي التي تشكل وتصوغ شخصية الحاكم فتصقله أو تشوهه، أي تؤلهه أو تسحقه. وغالبا ما يتبع التألية التسفيه سيما في الدول المتخلفة كالعراق. وهذه العلة التأريخية ناجمة عن تحجر العقلية العراقية بشكل عام وتكلسها، علاوة على إنغلاقها وعدم إستجابتها للتطورات الفكرية والسياسية التي حصلت في دول العالم، فالعقل الجمعي والسلطوي العراقي يراوح في مكانه، ويدور حول نفسه كحجر الرحى. يصدق عليه قول الشاعر الرصافي:
أيا سائلا عنا ببغــــــــــــداد إننـــا بهائم في بـغداد أعوزها النبــــت
علت أمة الغرب السماء وأشرفت علينا فظللنا ننظر القوم مـن تحت
ومسألة جنس الحاكم والمحكوم قد حددها الرسول(ص) بشكل وافِ في الحديث الشريف" كيفما تكونوا يولى عليكم".(أخرجه البيهقي عن إسحق السبيعي). صحيح الحديث ليس قاعدة عامة ولكل قاعدة شواذ، فهناك شواهد تأريخية تدحضه، لكنه على الأقل ينطبق على وضعنا في العراق وبعض الدول العربية. فجنس الحاكم غالبا ما يكون من جنس المحكوم، قال الألوسي في تفسيره(روح المعاني) عن قول الله تعالى في سورة الأنعام/129 ((وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون)). إن الرعية إذا كانوا ظالمين سلط الله تعالى عليهم ظالما مثلهم. وفي تفسير القرطبي لهذه الآية الكريمة عن ابن عباس قال" إذا رضي الله عن قوم ولي أمرهم خيارهم، وإذا سخط الله على قوم ولي أمرهم شرارهم، وفي الخبر عن النبي(ص)" من أعان ظالما سلطه الله عليه".
من البديهي ان يكون الله تعالى ساخطا على العراقيين فسلط عليهم مجموعة من الحكام الظالمين والمجرمين والفجرة، قال النبي(ص) " إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه، اوشك أن يعمهم الله بعقابه" وهذا عقاب لنا. فهناك الكثير من الأفعال المنكرة التي تدعو الله تعالى لأن يسخط على العراقيين، فهم لا يروا المنكر ولا يغيروه، بل فعلوه سابقا جهلا، ويفعلوه حاضرا كعقيدة، ويصروا عليه مستقبلا كنهج دائم وديدن ثابت في مسرتهم الدموية التأريخية. العراقيون بوتقة النقائض التي يعجز العقل البشري عن تحليل عناصرها غير المتجانسة، إنهم مفرطون في العنف وبنفس الوقت مفرطون في التسامح، ومفرطون في الخنوع والخضوع بقدر إفرطهم في الثورة والإنتفاضة، يثورون على الحق تارة، ويثورون على الباطل تارة أخرى. مفرطون بالذل بقدر إفراطهم بالكبرياء. ومفرطون بالدين بقدر إفراطهم بالكفر، ومفرطون في محبة الأئمة كلاما، بقدر إفراطهم في كراهيتهم فعلا.
من البديهي أن الناس كلما إبتعدوا عن المعرفة كلما إقتربوا من الجهل بنفس المسافة، وكلما بعدوا عن الحق إقتربوا من الباطل بنفس المسافة. والحقيقة ليس الله تعالى ساخطا على العراق فحسب، بل حتى الأئمة الذين يتشدق بهم حكام آل البيت الحاليين، كانوا من الساخطين على العراقيين ودعوا من الله أن يخذل العراقيين ويفرقهم شتتا، ويُميت قلوبهم، ولا يرضى عنهم حاكم، ولا يرضون عن حاكم، أي داء السياسة الذي لا علاج له. ويبدو ان الله تعالى قد إستجاب لدعوات الأئمة فجعل عراق الرايات السوداء كله كربلاء، وكل ايامهم كرٌ وبلاء.
كما وصفه شاعرنا الرصافي:
فـي كـــــل يــوم فتنة ودسيسة حرب يفـجرها زعيـم قاتـــل
إمـــــا قتيل شعبنا أو هــــارب متشرد أو أرامـل أو ثاكـــــل
هذا هو الوطـن الجميل مسالخ ومدافن وخرائب ومزابـــــل
فقد قال الامام علي عن العراقيين" اللهم إني قد مللتهم وملوني، أبغضتهم وأبغضوني، وحملوني على غير طبيعتي وخلقي وأخلاق لم تكن تعرف لي، فأبدلني بهم خيرا منهم، وأبدلهم بي شرا مني. اللهم أمت قلوبهم ميت الملح في الماء". (تأريخ دمشق لإبن عساكر1/314). وقال الامام الحسن" أهل العراق قوم لا يرجعون إلى حق، ولا يقصرون عن باطل. (المعرفة والتأريخ2/756). ودعاء الحسين" اللهم إن متعتهم إلى حين ففرقهم فرقاً واجعلهم طرائق قددا، و لاترض الولاة عنهم أبدا، فإنهم دعونا لينصرونا، ثم عدوا علينا فقتلونا". (الإرشاد للمفيد2/110). ودعاء مسلم بن عقيل عليهم " اللهم أحكم بيننا وبين قوم غروٌنا وكذبونا وخذلونا وقتلونا". (مروج الذهب3/69). وقال علي بن الحسين" يا أهل العراق أحبونا حب الإسلام، فما برح بنا حبكم حتى أصبح علينا عارا، وبغضتمونا إلى الناس". (مستدرك الحاكم3/179). ويقول طاووس" إذا حدثك العراقي مائة حديث فإطرح منه تسعة وتسعين". ( المعرفة والتأريخ ليعقوب2/757). سبحان الله ما اسوأ طالعنا!
والعجيب إن خلفاء وعلماء آخرين من غير أهل البيت لم يرتاحوا للعراقيين! فقد تحدث الخليفة المنصور للإمام مالك عن أهل العراق" أما أهل العراق فلا أقبل منهم صرفا ولا عدلا". (المدارك1/30). ويقول هاشم بن عروة" إذا حدثك العراقي بألف حديث، فإطرح تسعمائة وتسع وتسعون حديثا وكن مع الباقي في شك". ( المعرفة والتأريخ ليعقوب2/757). وقال محمد بن مسلم " إذا رأيت سفيان الثوري فأسال الله الجنة. وإذا رأيت عراقيا فاستعذ بالله من شره".(الكامل في الضعفاء لإبن عدي1/94). والنصارى واليهود لهم نظرة لا تختلف عن البقية للعراقيين. فقد نصح كعب الأحبار أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بعدم زيارة العراق بقوله" لا تأتِ العراق! فإن فيه تسعة أعشار الشر". (كنز العمال7/164).
أسوة بالحديث النبوي الشريف الذي رواه حبر الأمة إبن عباس " إذا أراد الله بقوم خيرا استعمل عليهم الحلماء، وجعل أموالهم في ايدي السمحاء. وإذا اراد الله بقوم بلاء استعمل عليهم السفهاء وجعل أموالهم في أيدي البخلاء". هذا ينطبق على العراق بالضبط. فقد إبتلي العراق بأفسق وأسفه وأحقر وأكذب وأكفر وأحط الحكام من رئيس الدولة المقبور جلال الطلباني ورئيس الوزراء جودي المالكي ورئيس البرلمان إسامة النجيفي ونزولا لدرك أسفل يضم النواب والوزراء، ونزولا لدرك أحط يضم المدراء العامين والقضاة والسفراء. وابتلانا الله بإعلام واجبه أشبه بحقنة في مؤخرة الحاكم، وقضاء أشبه بجحش الدولة، ونقابات تسبت عن الحق سبات الضفادع، وجمعيات تقتدي بمهرجي السيرك، ومؤسسات مجتمع مدني أشبه بأوركسترا للصعاليك. الخلاصة العراق منذ الغزو أصبح بلد غلط في غلط.
سنقدم نموذجا من آلاف النماذج، وهو غير قابل للتكرار لا في الماضي ولا الحاضر ولا المستقبل. صنع خصيصا للعراق فقط وليس لغيره! يتعلق بالرئيس الطالباني، فماضيه زعيم لميليشيا إجرامية، وحاضره رئيس جمهورية نافق! أنظروا الى التأريخ القديم والحديث! هل هناك شعب في العالم لا يعرف إن كان ضخامة رئيسه حيا أو ميتا منذ أكثر من سنة؟ هل الرئيس ملك للشعب أم لعائلته وحزبه؟ وهل يجوز أن تُحتكر أخبار الرئيس البيشمركي زوجته وطبيبه الخاص فقط؟ وطز في الحكومة وألف طز بمجلس النواب ومليون طز في الشعب! هل هناك شعب له ذرة من الكرامة يرتضي مثل هذا الوضع الشاذ؟ رئيس الوزراء المالكي وهو الآخر إرهابي محترف سابقا وحاضرا لا يعرف بدوره مصير رئيس الجمهورية، ويطبق القاعدة (غاب القط إلعب يا فأر)، ويجرأ بوقاحة على شن حروب شعواء على شعبه في الأنبار المجاهدة، لكنه لا يجرأ على سؤال حرم الرئيس عن مصير زوجها!
رئيس مجلس النواب يزور المانيا للإطلاع على الوضع الصحي لضخامة النافق، ويرجع صفر اليدين وأصفر الخدين، يجر أذيال الهزيمة والخيبة لأن الزوجة الملياديرة المصون رفضت زيارت كبير ممثلي الشعب! مقتدى الصدر يصرح إعلاميا بضرورة تشكيل لجنة لزيارة الرئيس العليل في المستشفى للإطمئنان عليه، وبسرعة البرق يشد حاكم العراق الأوحد الجنرال سليماني أذنه ويقول له(صه يا فتى)! ويلتزم بالأوامر حرفيا لأنه إذا قال سليماني قال العراق ولا جدال.
القضاء الأضحوكة المشغول بالمرشح مشعان الجبوري منذ أشهر بأحكام متناقضة البارحة متهم واليوم بريء، وغدا متهم، وبعده بريء وهلم جرا. لا يفسر للشعب عدم تطبيقه المادة 73/75 من الدستور بإنتخاب رئيس جديد من قبل مجلس النواب طالما غاب رئيس الجمهورية أكثر من(30) يوما؟ الطريف ان الشعب لا يريد تفسيرا لا من المجلس ولا من القضاء! لماذا؟ لإنها النباهة والثقافة والوعي والديمقراطية!
ثم ماذا بعد؟ ولكن هل بقى بعد؟

كاتب ومفكر عراقي

www.deyaralnagab.com