أحدث الأخبار
الاثنين 16 كانون أول/ديسمبر 2019
الطفل الغزّي “قصي”..فقد أكسجين رئتيه وفقر عائلته حرمه الشفاء!!
بقلم : هداية الصعيدي ... 07.10.2013

كجثة هامدة، بدا الطفل “قصي مراد” بين يدي والده، لا تسمع له أي صوت ولا ترى منه أية حركة، فمنذ إصابته بضمور في الدماغ، انتقل إلى عالم الإعاقة والمرض.
وأمام معاناة الصغير “قصي”، يقف والده “عادل” عاجزًا عن فعل أي شيء، لعدم امتلاكه أي عمل منذ 19 عامًا، وتعتمد العائلة على تبرعات أهل الخير، ومبلغ مالي يقدر بنحو”300 دولار”، يقدم لها كل ثلاثة أشهر من وزارة الشؤون الاجتماعية بحكومة غزة المقالة.
ولا تقتصر معاناة الأسرة الغزية على مأساة طفلها “قصي”، فقد فقدت 3 من بناتها (شقيقات قصى) في حوادث متفرقة خلال عام واحد.
كما أدى حادث تعرض له أحد أبنائها، لإصابته بحالة نفسية، تستدعي نقله لمصحة خاصة بعلاج الأمراض العقلية بين الفينة والأخرى.
ولم يرحم الفقر الأسرة رغم كل هذه المحن، حيث طردت من منزلها مرتين لعدم مقدرتها على دفع الإيجار.
وبالعودة للطفل “قصي”، فإن الشلل الدماغي الذي أصابه كان كفيلاً في حرمانه من مرور أكسجين الحياة من أنفه إلى رئتيه، ليصبح أنبوبَ تنفسٍ في عنقه، بديلاً مؤلمًا، لصغير لم يتجاوز الأعوام الثلاث.
استنشاق الطفل قصي لدخان صاروخٍ من آلة الحرب الإسرائيلية سقط بجوار منزله،خلال الحرب التي شنتها اسرائيل على قطاع غزة في أواخر ديسمبر/ كانون أول 2008، كان السبب وراء فقد الطفل لمجرى تنفسه ونور عينيه، كما تقول والدته.
ولم يتسن لمراسل وكالة الأناضول للأنباء، التأكد من صحة أقوال والدته بخصوص علاقة الجيش الإسرائيلي بإصابته، حيث يقول الطبيب الذي يتابع حالته، إنه عالجه بعد مضي 6 شهور من إصابته.
ولن يصارع “قصي” مرارة التنفس من الأنبوب العنقي فحسب، بل سيحيا بقيت حياته في عالم الظلام، لأنه فقد نور عينيه أيضًا.
“لو أننا نملك مالًا فإن حالي ابني سيتغير نحو الأفضل كما أكد الأطباء لي، وقد يتمكن من الحديث”، كما تقول والدة قصي.
وتقطن العائلة في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، في منزل لا تتجاوز مساحته ال 60 مترًا، ويفتقر للأثاث.
وببطء شديد، تتحرك عينا الطفل “قصي” اللتان رحل نورهما أيضًا كما صوته، فهناك احتمال ضئيل جدًا من أن يتمكن من التحدث كما أكد الأطباء لوالدته.
وأثناء وجود فريق “الأناضول” في منزل العائلة الذي بالكاد اتسعت صالته لهم، كشف الوالد عن بطن طفله “قصي”، فموعد وجبة طعامه قد حان.
ولقيمات الفقر التي يعتاش عليها “قصي” لا تتعدى السكر المذاب في الماء، ولا تصل جوفه عبر فمه، إنما بواسطة أنبوب متصل بمعدته الصغيرة.
ويقول والده: “لا أستطيع حتى شراء علبة حليب لابني، فليس أمامي سوى السكر والماء”.
ودقائق قليلة فصلت انتهاء تناول “قصي” ما يسمى بالطعام، حتى بدأ ينتفض جسده بقوة، اختناقًا لتراكم اللعاب في مجرى تنفسه، فأسرع الأب إلى إدخال قطعٍ طويلة ورفيعة من المحارم الصحية، تتناسب مع ثقب تنفسه الضيق، كان أعدها مسبقة لتفادي حالة كهذه.
تلك الطريقة البدائية في تفادي تراكم اللعاب في مجرى تنفس “قصي” لجأ إليها الأب، منذ شهرين بسبب تعطل جهاز شفط اللعاب الخاص بابنه، والذي حصل عليها من تبرعات البعض، كما أن أنبوبة الأكسجين التي لديهم الآن ليست ملكًا لهم.
وانقطاع التيار الكهربائي كان سببًا آخرًا للجوء الأب لتلك الطريقة، في ساعات غياب التيار، عندما كان الجهاز صالحًا للاستخدام، فقطع المحارم الصحية التي يلفها والد قصي بشكل طويل ورفيع تكون جاهزة على الدوام،إن كان الجهاز معطلا أو يعمل.
وفي كثير من الأحيان، لا تفلح طريقة والد قصي البدائية من توقف اختناق طفله، فيسرع الوالدين لاصطحابه إلى المشفى، ليقفوا حينها أمام عائق آخر، عدم امتلاكهم لثمن أجرة السيارة.
قطرتان أو ثلاث من محلول دوائي وضعها الأب في فم “قصي” حتى لا يجف لعبه، وألحقها بقطريتين أخريين من الماء.
ولا تتوقف قسوة الحياة في بيت العائلة المبتلية أمام الصغير قصي، بل طالت معظم أفرادها.
فقبل سبعة أيام، دفن الأب فلذة كبده، ياسمين”25 عامًا”، جراء إصابتها بفشل كلوي، لتكون بذلك الفقيدة الثالثة للعائلة خلال العام الجاري.
وقبل نحو شهرين من الآن، انفطر قلب الوالدين على ابنتهم لينا “15 عامًا” بعد أن سقطت من شرفة منزلهم في الطابق الرابع، لتكون الفقيدة الثانية.
أما فلذة كبدهم الأولى جوليانا “16 عامًا”، فقد لقيت حتفها بعد تناول جرعة إضافية عن طريق الخطأ من دواءها.
قاطع حديثنا مع “أم قصي” قول الصغيرة “ديانا” صاحبة الأعوام 11 عشر، والبشرة السمراء، وهي تقول:” أمي لم يتبقي لي سوى أخت واحدة، لا تحزنوها لأي سبب، افعلي كل ما تريد، لا أريد أن ترحل وتتركني وحيدة”.
تلك المآسي التي انهالت على العائلة في عام واحد، سيكون الزمن كفيلا نوعًا ما بتخفيف المعاناة وتغيبها بعض الوقت، بينما حال “قصي” الماثل أمام عيني والديه يزيدهما ألمًا وحسرة، في ظل غياب أي مورد مالي يضمن تحسن حالته الصحية ولو قليلًا.
وبعد رحيل الأخوات الثلاث، أصبح عدد أفراد الأسرة ثمانية؛ الوالدين ، وأربع ذكور وابنتين.
ونصيب من المعاناة طال الابن البكر “علي”15 عامًا، قبل 9 سنوات، عندما سقط من شرفة منزله على رأسه، مكث إثرها في غرفة العناية المشددة أربعة أشهر، وخرج مصابًا ب “حول” في عينيه.
إصابته تلك تسببت له بحالة نفسية استدعت والده لنقله إلى مشفى الأمراض العقلية من حين إلى آخر، ليتلقى العلاج من حالات مرض الصرع التي تصيبه.
والمأساة اختارت عائلة “عادل” في السكن أيضًا، فقبل أن تنتقل العائلة لمنزلها الصغير الحالي، تم طردها مرتين من المنزلين السابقين؛ لعدم مقدرة الوالد على دفع مستحقات الإيجار.
ولم يكن أمام العائلة سوى المبيت على شاطئ البحر، وفي متنزه عام، تحت لهيب شمس حارقة تارة، وتحت زخات مطر، وبرد قارس تارة أخرى.
وكانت تلك الأيام قاسية على العائلة بأكملها وتصفها الأم بقولها “كنا كالعرب الرّحل”، أما طعامهم فكان من المارة، الذين يعرفون بقصتهم، فيقدموا لهم ما يستطيعوا.
وبيت العائلة لا يكاد يصلح للسكن، ضيق المساحة، وتشكو بطون ساكنيه قلة ما يصل إليها من طعام، ملابس بالية متهرئة تكسوهم.
وازداد ألم الوالدين في عام حزنهم هذا، -الذي ودعوا فيه للأبد ثلاث بنات-، لمغادرة أبنائهم جميعًا مقاعد الدراسة، إلا طفلتهم “ديانا” في الصف الخامس الابتدائي، فعدم تمكن الأب من توفير الزي المدرسي لأبنائه تسبب في فصلهم جميعًا.
ويتمنى محمد صاحب الثمانية أعوام من العودة إلى المدرسة، وهو حزين لتركها.
ولم يترك المرض الأم بعيدة عنه، فطالها هي الأخرى، منذ فترة بعد أن نجت من الموت بأعجوبة عندما صعدت شاحنة على قدمها، تسبب بزراعة اثني عشر مسمار بلاتين فيها، حرمها من حرية الحركة، وخدمة أبنائها.
وكل من في المنزل يتمنوا فقط امتلاك منزلٍ خاص بهم، يريحهم جميعًا من ألم الترحال والطرد المتكرر، ويحفظ كرامتهم.

1