أحدث الأخبار
الثلاثاء 19 آذار/مارس 2019
“حبيبي اللّدود” قال ما لم يقله أحد: عن الحرب والحب واحتكار السلطة!!
بقلم : ندى حطيط ... 14.12.2018

لم يعد فهم لعبة السلطة معجزاً أمام الناس العاديين بعد أن كتب أنطونيو غرامشي دفاتر سجنه المشهورة مفككاً من معزله ديناميات عمل النخبة في تأبيد سيطرتها على بقيّة طبقات المجتمع أساساً من خلال الأوعية الثقافيّة: المؤسسة الدينية إلى المدارس والجامعات وانتهاء بمنصات الإعلام الجماهيري على تعدد أشكالها صحافة ومسرحاً وسينما وتلفزيون، والتي تتظافر لتكرسّ هيمنة تلك النخبة طوعيّاً دون الحاجة الدائمة لاستدعاء احتكارها للعنف والقانون وأدوات العسكر والأمن والقضاء والسّجون.
المسلسلات التلفزيونيّة تحديداً والتي اكتسبت مكانة كبرى في أفئدة المتلقين عبر العالم منذ تعميم البث التلفزيوني في الثلث الثاني من القرن العشرين تحولت بحكم الواقع إلى جزء لا يتجزّأ من هيكليّة الهيمنة – وفق النموذج الغرامشيّ – يستغل القدرة السحريّة للحكايا والسّرد القصصي على الأخذ بلباب البشر لتشكيل أذواق وأحلام وتوقعات ووعي المتلقين وِفق ما لا يتعارض مع هيكيليّة الأوضاع القادمة، بل وربّما الترويج لقيم ونماذج عيش تخدم توسعة الانقسام المجتمعي تجاه مصالح النخبة، وتمكّن لمنظومة الاستهلاك من إحكام سلطانها على المستهلكين.
ولعل طبيعة الإنتاج التلفزيونيّ المفرطة التعقيد والمرتبطة بنيوياً بتقاطع المصالح النخبوية في المجتمع إنتاجاً وتوزيعاً وترويجاً وعرضاً جعل من تلك الأعمال مقتصرة بالكامل على ما يمكنه أن يُرضي النخبة دونما إتاحة أي فرصة لظهور أصوات تقدّم سرديّات بديلة، كما يمكن – ولو نظريّاً – في المسرح أو الصحافة مثلاً.
المبدعون دائماً، وإن اضطروا للانخراط بشكل أو آخر في ركاب مؤسسات نخبوية الطابع لتمكينهم من ممارسة إبداعهم وتحصيل الرزق والمنافع الآنيّة فإن بعضهم – وهم قلّة بالطبع – استمر في المشاغبة من خلال تلك المؤسسات تارة عبر الترميز اللمّاح في منتجهم الثقافيّ وتارة أخرى من خلال تقمص مراحل تاريخيّة سابقة كمادة للعرض وثالثة من خلال الضحك والإسفاف والسخريّة السوداء.
المسلسلات التلفزيونيّة اللبنانيّة تطبيق كلاسيكي لانحياز منظومة الإنتاج بمجملها إلى النخبة، إذ يصعب على الكثيرين إنتاج مسلسلات تجاريّة دون أن يكون بشكل أو آخر جزء منها. ولذا استقالت غالبية الأعمال التلفزيونيّة اللبنانيّة مبكراً من أي مهمات توعويّة الطابع، ومضت دون تردد إلى الإثارة والاستعراض والرداءة الفكريّة ودخلت في عالم الاستنساخ حتى صارت مجرد منصات لتحويل الفتيات الموديلات المغمورات إلى ماركات تجاريّة تملأ أوقات المشاهدين بنماذج استهلاكيّة الطابع تواجه في حياتها الدراميّة المسطحة صراعات محض فرديّة ومحيّدة طبقياً دون أي مضمون فكريّ حقيقي.
*عن الحب في زمن الحرب
هذه المقدّمة الطويلة كان لا بدّ منها لوضع مسلسل “حبيبي اللدود” (نص منى طايع / إخراج سيزار حاج خليل) بالمكانة التي يستحق في السياق الكلّي للإنتاج الدراميّ اللبناني منذ نهاية الحرب الأهليّة الأخيرة حوالي العام 1991 – وهي الحرب التي وإن صمتت مدافعها فإنها للأسف مستمرة مع ذلك بطرق أخرى حتى اليوم.
فمنى طايع بنت المرحلة التي شهدت مآسي تلك الحرب وصراعاتها العبثيّة ضد شركاء الوطن الواحد كتبت في “حبيبي اللدود” نصاً استثنائياً بكل المقاييس، من قماشة النصوص التي يُغاير ما بعدها الذي كان قبلها: ليس فقط لناحية قدرته (المنعشة) على إيقاظ انفعالات الحب النيئة والنقيّة في أجواء العداء المجاني وحروب الجيران وفضاءات البنادق، لكن الأهم لناحيّة النقد السياسي المباشر والصريح لبنية النظام السياسي اللبناني المبني على تحالف زعماء العصابات الطائفيّة، والتي جعلت هذا البلد الساحر يعيش على نحو سرمدي إما في خضم حربٍ أهليّة أو في انتظار اشتعالها ذات “بوسطة ” هنا أو هناك، وِفق أمزجة هؤلاء الزعماء المتقلبة والهستيرية بينما هم على طاولة تقاسم الغنائم التي تسيلُ من تحتها دماء الشباب أثماناً لقضية وطن يصير مقابر جماعية .
ورغم تعمّد طايع في نصّها تجنّب الإيحاء لأطراف أو شخصيّات محددة خلال قراءتها الدراميّة للحرب الأهليّة إلا أنها انتهت بذلك إلى إدانة قيادات تلك الأحزاب والطوائف جميعاً دون استثناء، سواء تاريخيّاً أو على مستوى الواقع المعاش اليوم، وهو الأمر الذي جعل من لبنان وأغلبيّة اللبنانيين ضحايا ورطة سياسيّة واجتماعيّة واقتصاديّة جهنميّة لا فكاك منها إلا بالهجرة أو الموت.
هذه الإدانة للنظام المافياوي الطابع لم تكن لتتحقق في مسلسل لبناني معاصر لولا تجربة طايع المغرقة بعمقها الفكري واحترافيتها المشهودة في صياغة النصوص التلفزيونيّة عبر مهنة ممتدة منحتها هذه الشرعيّة على قول ما لا يجرأ الآخرون على قوله.
*قصص عشق تتقاطع مع الموت
تدور أحداث “حبيبي اللدود” – يعرض حاليا على قناة “أل.دي. سي” و”أل.بي.سي” في أجواء تستلهم مرحلة الحرب الأهلية اللبنانية (1975 – 1991)، وهي مرحلة من تاريخ قريب احترب فيها الفرقاء اللبنانيون وانعزلوا جغرافياً وثقافياً ضد كل اللبنانيين الآخرين.
يؤدي النجم اللبناني يورغو شلهوب دور البطولة الرئيس مجسداً شخصيّة (نوح) القائد لإحدى المجموعات المسلحة المنضوية تحت راية أحد الأحزاب، بينما هو مغرم بفتاة من عائلة تنحاز إلى حزب منافس (سمر وتلعب دورها الوجه الجديد جوانا حداد). وتتقاطع هذه العلاقة وفق السّرد مع قصة حب أخرى بين مقاتل آخر وابنة زعيم سياسي (مجدي الذي يلعب دوره فادي أندرواس وريما التي تقوم بدورها روان طحطوح) وأيضاً تتشابك الأقدار والأرواح في علاقة الحب التي تجمع بين جهينة وسمير ( سينتيا مكرزل وبيدرو طايع) مع كل مواجهة حتمية مع الموت، ذلك المختبئ دائماً خلف خيوط الحلم، هذا الموت الذي تجعله طايع يفقد رهبة حضوره مع حضور الحب ليصير بطعم الحياة ذات نفسها. وتتصاعد أحداث المسلسل المفعمة بقماشة تشويق أنيق خُيطت بعناية من حزن وشغف ونزق لتدفع بالعاشقين بعيداً عن بعضهم وراء الخلافات السياسيّة التي لا يكادوا يفهمونها والفروقات الطبقيّة والجرائم التي ترتكب بتوجيهات القادة السياسيين، الذين رغم كل الضحايا يظلّون قادرين دوماً على التواصل معاً على مستوى القمة وبناء تفاهمات عابرة لخطوط التماس حيث ما يجمعهم من المصالح أكبر بكثير مما يفرقهم من الشعارات المزعومة.
*مسلسل تلفزيوني توعويّ
ليست منى طايع طبعاً مناضلة حزبيّة، ولا يتوقع أحد من عمل درامي أن يدلي بخطابات ثوريّة أو أن يتسبب بانقلاب اجتماعي. لكن “حبيبي اللدود” أبرق ك شهاب لامع في عتمة الدراما اللبنانيّة، ومنح أداة المسلسل التلفزيوني الشرعيّة للعب دور مؤسسة التثقيف الطليعيّة نائباً ربما عن المسرح – المنوّر الأعظم – الذي أُخرج في أيامنا من لعبة التنوير في لبنان والعالم العربي، وتحول غالبه إلى سيرك صراخ وافتعال دون قضيّة.
سيحظى “حبيبي اللدود” بقبول جماهيري واسع سواء عُرض على جمهور تلفزيونات لبنانيّة أو حتى على شاشات فضائية عربيّة شاملة، إذ أن فيه ما يرضى معظم الأطراف المعتادة على استهلاك المسلسلات العربيّة من حكايا الحب الطازج الشهي مع تلك الجرعة الجريئة من النقد السياسي لحكم النخب المتحالفة على حساب الناس العاديين، وهي أجواء ستجد مجتمعات عربيّة أخرى صدى لها، سواء بصيغة حروب ساخنة أو صراعات باردة.
منى طايع علّمت من خلال حبيبها اللدود صناعة المسلسلات التلفزيونية اللبنانيّة ومنتجي الثقافة العربيّة الجماعيّة برمّتها كيف يمكن أن ينحاز المثقفون ومنتجو فنون التعبير للوطن قبل النخبة، وللعقل قبل الرزق اليومي.

*المصدر : القدس العربي
1