أحدث الأخبار
السبت 19 كانون ثاني/يناير 2019
نتنياهو في نفق السيد حسن!!
بقلم :  سهيل كيوان  ... 13.12.2018

يحاول بنيامين نتنياهو استعادة زمام المبادرة الذي ضعف في سوريا، بعدما تقلصت المساحة التي كان بوتين قد منحها له لضرب القوات الإيرانية والأسلحة التي تنقلها إلى حزب الله، عبر الأراضي السورية، وذلك بعد إسقاط الطائرة الروسية بنيران سورية صديقة قبل حوالي الشهرين.
يحاول الآن جاهدا تعويض حرية الحركة المطلقة التي خسرها في سوريا، من خلال رسائل إلى حكومة لبنان والضغط عليها وتحميلها مسؤولية الأنفاق، وتسلح حزب الله، بعد أن أصبحت غاراته على قوافل الأسلحة الإيرانية في سوريا محفوفة بمخاطر جر العلاقة مع بوتين إلى التأزم. أغلب الظن أن أمر الأنفاق كان معروفا للقادة العسكريين في إسرائيل من قبل، ولكنهم انتظروا فرصة الاستفادة منها، وكان هذا سبب تأجيل المواجهة مع المقاومة في قطاع غزة قبل ثلاثة أسابيع وقول نتنياهو في حينه إن هناك ما هو أهم. تزامن كشف أمر أنفاق حزب الله مع اتصالات دبلوماسية مكثفة لحشد التأييد ضد الحزب، مع التركيز على تحميل الدولة اللبنانية مسؤولية وجودها.
نتنياهو في حالة اضطراب، بعد سنوات وصل فيها إلى ذروة مجده، ويجد نفسه أمام مزاودات من هم أكثر منه تطرفا وغوغائية، تجلى هذا في الموقف من اجتياح قطاع غزة واستقالة وزير حربيته، وبات عليه أن يثبت لجمهوره ولسكان مستوطنات غلاف قطاع غزة وللشعب كله، بأنه يقوم بما يجب القيام به للحفاظ على أمن الإسرائيليين، في الوقت الذي توصي الشرطة بمحاكمته بشبهة تلقي الرشوة. من ناحيته يواصل حزب الله تطوير الاعتماد على ذاته في تصنيع أسلحة أكثر دقة، من خلال نسخ الصناعة العسكرية الإيرانية إلى مناطق تحت سيطرته، وذلك لتقليص مخاطر نقلها من إيران وكشف إسرائيل لها وتدميرها في الطريق.
أسلحة حزب الله الدقيقة لا تشكل خطرا وجوديا على إسرائيل، ولكنها باتت تقلق المسؤولين فيها، بسبب قدرتها على تحقيق خراب كبير، مقارنة بحروب سابقة، وشلّ مناطق واسعة في حالة الحرب، وهذا ما ظهر عام 2006، ولكن هذه المرة ستكون الخسائر أقوى وأوسع في حالة المواجهة، الأمر الذي يعني أن تكاليف الحرب المقبلة مع حزب الله ستكون باهظة، وحينئذ سيُتهم نتنياهو بإهمال معالجة أمر هذه الأسلحة، قبل أن تصبح بهذه الخطورة التي بلغتها.
رغم عمليات تدمير الأنفاق، فمن المستبعد أن يتّجه نتنياهو في الوقت الحالي إلى مواجهة عسكرية شاملة، وسوف يمشي على خيط دقيق، قد يصل إلى درجة استفزاز حزب الله، لكن كلا الطرفين لا يتمنيان مواجهة في الوقت الحالي، فحزب الله لن يخوض حربا مع إسرائيل، إلا إذا فُرضت عليه، ونتنياهو يحاول من خلال القنوات الدولية الضغط على دولة لبنان كي يقوم الجيش اللبناني بتدمير الأنفاق من جهته، ولكن بعد الأنفاق سيأتي دور ملف سلاح حزب الله الدقيق، ومصانع السلاح في الضاحية الجنوبية. نتنياهو يعرف أنه لا يمكن القضاء على حزب الله من خلال الغارات مهما بلغت ضخامتها، وقد تؤدي الغارات إلى عكس هدفها، فلن تحقق أهدافها، وتتضاءل قوة الردع الإسرائيلية.
ولهذا يذهب باتجاه تضييق الخناق على الحكومة اللبنانية لتقوم هي بالعمل القذر عوضا عنه، ساعيا بهذا إلى تعميق الصدع بين اللبنانيين أنفسهم، والضغط من خلال أمريكا ودول أوروبية وعربية على حكومة لبنان، والتهديد بوضعها في خندق واحد مع إيران، ومن ثم اتهامها بدعم الإرهاب، وما يتبع هذه التهمة من معاناة، ما لم تتحرك في مواجهة تضخّم قوة حزب الله. يستغل نتنياهو قضية الأنفاق كخطر إيراني محدق، ويدّعي أن هناك خططا لمحاصرة واحتلال قرى إسرائيلية حدودية بمساعدة قوات الرضوان الإيرانية، وتبلغ المبالغة مداها في الزعم بأن هناك خططا لاحتلال الجليل، ومن عادة إسرائيل تضخيم قوة خصومها والمبالغة في قدراتهم قبيل الانقضاض عليهم، كذلك من عادة العرب تضخيم قوتهم والمبالغة في قدراتهم، وهما منهم بأن هذا يردع أعداءهم.
نتنياهو يحشد قوى عالمية إلى جانبه لمواجهة حزب الله وإيران من ورائه في مراحل لاحقة، كذلك للتسريع في عودة الاتفاقات والتفاهمات بينه وبين بوتين، التي كانت سائدة قبل إسقاط الطائرة الروسية، وخلال هذا وذاك يريد الإثبات بأن هناك ما هو أهم وأخطر من جبهة غزة، وأن موقفه كان صائبا، وبهذا يحاول استعادة توازنه ومبادرته، لكن من المرجح أن الضغط على حكومة لبنان لن يجدي شيئا، لأن دولة لبنان لن تستطيع سحب سلاح حزب الله حتى لو أرادت ذلك، إضافة إلى أنها لن تقبل بأن تقوم بدور العميل لإسرائيل، وأن تحارب حزب الله بالنيابة عنها. قضية الأنفاق وسلاح حزب الله الدقيق، هي حلقة جديدة من حلقات الصراع المتشابكة في المنطقة، والمواجهة على الساحة اللبنانية بين حزب الله وإسرائيل مقبلة لا محالة في السنوات المقبلة، مهما حاولت الأطراف المعنية تحاشيها، ولكن لا أحد يستطيع التنبؤ بموعدها.

1