أحدث الأخبار
الثلاثاء 23 تشرين أول/أكتوبر 2018
النحس.. شماعة يرفعها الفاشلون أم اضطراب نفسي حقيقي!!
بقلم : سلمى جمال  ... 27.01.2018

في كل المجتمعات والثقافات هناك الملايين من البشر الذين يعتقدون بأن سوء الطالع أو النحس هو سبب فشل الكثير من مشروعاتهم، سواء على المستوى الشخصي أو المهني، ومثل هؤلاء الأشخاص في كل أنحاء العالم يلجأون إلى أسهل الطرق لتفسير فشلهم، فلا يعيدون حساباتهم على أساس من الواقع، ولا يحاولون أن يكرروا المحاولة مرة أخرى حتى الوصول إلى عتبة النجاح، بل يبررون كل ما حدث لهم من فشل بسوء الحظ أو النحس الذي يلاحقهم
أكدت دراسة إيطالية أن الاعتقاد بالخرافات والخوف من النحس، سواء نقله أو استقباله، مسجل في الجينات البشرية، موضحة أن الاعتقاد في الخرافة وتجنب النحس استراتيجية ضرورية لحياة الإنسان وهو يتوارثها منذ الآلاف من السنين بل إن عدم الاعتقاد في النحس والغيب يعتبر حالة مرضية!
وأشارت الدراسة إلى أن الاعتقادات الشائعة والسلوك المطمئن للإنسان تجد لهما رصيدا جينيا يحقق استمرار وتطور النوع البشري، كما أن الاعتقاد في تأثير الظواهر التي لا يتمكن الإنسان من تفسيرها وسعيه إلى ذلك حتى يتجنب آثارها السلبية يتوقفان على تأثير جين النحس وأثره على ذكاء الفرد.
ويرى متصون أن هذه الاعتقادات لا تستند إلى المنطق ولا علاقة لها بما يدور في واقعنا، إلا أن الناس اعتادوا على إيجاد علاقة بين هذه الأفكار وبين تحركاتهم اليومية.
وعن هؤلاء الأشخاص يقول الدكتور هيثم سعيد، استشاري أمراض المخ والأعصاب والطب النفسي في مصر، إن نصف الذين يأتون إليه في عيادته النفسية لديهم شك في أن ما يحدث لهم يتعلق بأمور غير طبيعية أو ما يوصف في علم النفس بـ”الباراسيكولوجى” والتي تندرج ضمنها الأعمال والسحر والشعوذة، مما يجلب النحس، ومثل هؤلاء الأشخاص يعتقدون اعتقادا جازما بأنهم منحوسون، وهم مقتنعون بهذه الفكرة كل الاقتناع، وأن هذا قدرهم في الحياة، وسوف يبقون كذلك حتى آخر أعمارهم، والمتفائل منهم يرى أنه سوف يحصل على حظه السعيد يوم القيامة.
وأضاف موضحا “يأتيني أصحاب حالات الانتحار التي فشلت، وقد حاولوا ذلك نتيجة الإحساس بأن النحس الذي يجلب الفشل يطاردهم، ولا شك أن أحد أسباب انتحارهم قائم على اليأس تماما”.
ويرى سعيد أنه ليس هناك ما يسمى بالنحس وأن ذلك كلام غير علمي وغير منطقي، موضحا “عندما أقوم بدراسة نفسية لهؤلاء المرضى، أجد بعض جوانب الضعف والخلل في سلوكياتهم وشخصياتهم، وهو في الغالب الدافع وراء الاعتقاد بأفكار مثل النحس وسوء الطالع”.
ويشير إلى أن عيوب الشخصية واضطرابها من الأمراض الشهيرة في الطب النفسي، ومن أبرز أنواعها أن الشخص يقتنع بتفكيره ولا يستجيب أبدا لنصائح الآخرين أو الاستفادة من خبراتهم، وبالتالي يكرر نفس الخطأ والخلل، فيعلق فشله على حبال النحس وهو نوع من أنواع الهروب من الواقع والتبرير الخاطئ للفشل بغرض إراحة النفس والضمير، باعتبار أن الشخص لم يقصر في شيء.
عندما يواجه الأفراد الذين يؤمنون بالتطير مواقف تهدد حياتهم يتركون خرافاتهم ويفكرون بشكل منطقي
وعن أنماط وأنواع الشخصيات التي تؤمن بسوء الحظ والنحس، يقول الدكتور أمجد محروس، استشاري الطب النفسي، إنها شخصيات متعددة السمات، وأحد أنواعها الشخص الذي يتسم بالخجل الشديد من الإقدام على أي خطوة لدرجة الخوف والتوتر، لذلك تراه يحجم عن التقدم أو إحراز النجاح في حياته، وبالتالي يفشل فشلا تلو الآخر، فيعلق ذلك أيضا على النحس.
ويبيّن أن الشخص الذي يعاني من الوسواس القهري هو الشخص الذي يقدم على عمل شيء فيصيبه وسواس قهري تجاهه مثل الزواج أو العمل، فيحجم عنه مرة واثنتين وأحيانا ثلاث مرات، فيُرجع هذا أيضا إلى النحس وسوء الحظ.
وبالإضافة إلى ذلك هناك الشخص الكسول، وهو شخص تراه جالسا في مكانه ويريد كل شيء يأتي إليه بسهولة دون أي مجهود منه، فيتركه الناس بعد أن يكتشفوا ويشعروا بالملل منه، ويبدأ هو في الشكوى من الآخرين ويتهمهم بالتقصير في حقه، ويُردّ أيضا هذا إلى نحسه الذي يلازمه بدلا من كسله. ويشير إلى أنه إضافة إلى الشخصية التي تنفر الناس من التعامل معها، عندما تقدم على خطوة لا تجد أحدا يقبلها أو يتعاون معها، توجد أيضا نماذج من الشخصية العدوانية الكارهة للمجتمع، وهو شخص يكره كل الناس ويكره التعامل معهم وغير اجتماعي، لذلك لا ينخرط في أي فعل إيجابي في حياته، فيؤدي به هذا إلى سلبيات كثيرة يرجعها للنحس.
وأوضحت “دراسة في سيكولوجية التطيّر والخرافة” للأستاذة سوزان كروس وذبورن أن الخرافة تُعد أحد السلوكيات الأكثر غرابة لدى الإنسان، والتي تظهر في ضوء إيمان الفرد بأن هناك بعض الظواهر والأحداث التي يكون لها تأثير فاعل على حالته الداخلية: أفكاره ومشاعره وتصرفاته.
وعرفت الخرافة بأنها عبارة عن مجموعة من الاعتقادات بوجود علاقة سببية غير منطقية بين الأفعال والنتائج من خلال الجزم بأن القيام بأفعال وطقوس معينة يؤدي إلى حدوث بعض النتائج المرغوبة، مثل إيمان الفرد بأن ارتداء ملابس معينة يمكن أن يجلب له الحظ أو أن بعض الطيور يمكن أن تجلب النحس، وبهذا تؤثر الخرافة بوصفها معتقدات وأفكارا غير منطقية على سلوكيات الأفراد اليومية، وربما تسبب لهم الكثير من الخسائر والفشل أو الإحباط حول ما كانوا يتوقعونه من نتائج.
وأشارت إلى أن دراسة أشرفت عليها مجموعة من الباحثين في جامعة كانساس الأميركية أفادت بأن الناس الذين يعتقدون بأن القدر والحظ يسيطران على حياتهم يتسمون بالخرافة بدرجة كبيرة، وتظهر هذه الخرافة من خلال توقعهم بالحصول على مكافأة معينة مثل ترقية أو نجاح في امتحان دراسي أو الحصول على وظيفة أو كسب حب شخص آخر. ورغم ذلك فإن تأثير الخرافة لا يظهر على بعض المواقف الحياتية، إذ عندما يواجه الأفراد الذين يؤمنون بالخرافة والتطيّر مواقف تهدد حياتهم بالموت أو الخطر المميت يتركون خرافاتهم ويبدأون بالتفكير بشكل منطقي وعقلاني.
وبيّنت الباحثة أن الكثير من الدراسات تشير إلى أن النساء أكثر اعتقادا بالخرافات من الرجال، ولا سيما في ما يخص الاعتقاد بالحظ السعيد، وأن الأميركيين من ذوي الأصول الآسيوية يؤمنون بخرافات الحظ والقدر أكثر من غيرهم من الأميركيين الأوروبيين والأفارقة، وأن سكان المناطق الريفية أكثر إيمانا بالخرافة من سكان المدن.
وأكد علماء النفس أن أحد الأسباب الرئيسية لظهور السلوك الخرافي هو تقليل مشاعر العجز، الذي يظهر في ميل الناس إلى التنبؤ بوقوع الأحداث القادمة، وأن يكونوا مسيطرين عليها، وبما أن الخرافة توفر هذا الشعور بالسيطرة فإن أكثر الأفراد الذين يؤمنون بالخرافة بدرجة كبيرة يخافون من مشاعر العجز ويشككون في قدرتهم على السيطرة على بيئاتهم الخارجية، وبهذا توفر الخرافة الشعور بالراحة وحسن الحال.
وأفادت إحدى الدراسات بأن الناس الذين يعتقدون بأن الحظ أو القدر يسيطر عليهم كانوا أكثر إيمانا بالخرافة وممارسة لها مثل استعمال الخرافة في حماية أنفسهم ومواجهة المواقف الضاغطة وطرد نحس وحسد الآخرين لهم.

1