أحدث الأخبار
الثلاثاء 22 أيار/مايو 2018
قراءة في رواية "صخب"- قاسم توفيق!!
بقلم : د. لينا الشّيخ- حشمة ... 12.03.2018

هند بين شهرزاد وعشتار
صاخبة هي الرواية بالقمع، وصخب القمع لا يولّد إلّا التخلّف، وفي ظلّ التخلّف يموت الحبّ ويحلّ الخراب. صاخبة هي بجدليّة تضادّها بين الجهل والعلم، الحبّ والكراهية، الحقيقة والوهم، الصمت والبوح. صاخبة هي بقمع ثالوثها المحرّم: السياسة، الدين والجنس؛ وما يصنعه هذا الثالوث من تدجين وعجز وانحطاط. ولكنّها كذلك صاخبة بأسلوبها الأدبيّ: بمهارة عالية في توظيف التناصّ والأسطورة والإغراب والفانتازيا.
إنها رواية واقعيّة ينضح واقعها بسلبيّة تفوح عفنًا وانتهاكًا. تدور حول هند الفتاة الحسناء الجميلة ووالدتها كريمة وجدّها فرج. والد هند مات شابًا فعاشت هي وأمّها وأخوها الصغير تحت كنف جدّها فرج العجوز. فرج هذا كان قد اغتصب كريمة عندما كانت تلميذة صغيرة في مدرسته وهدّدها بألّا تخبر أحدًا. وحتّى يستولي عليها أكثر يقرّر أن يتزوّجها، لكنّ والدها يغضب لطلبه هذا، فهو الكهل العجوز وهي لمّا تبلغ الرابعة عشرة، فيزوّجها لابنه الأوسط حتّى يضمنها قريبة منه، وبعد أن يموت ابنه شابًا، زوج كريمة، ولم يكن قد انقضى شهر على وفاته حتّى يستولي على جسدها وحياتها وحياة أحفاده وأموالهم وأرضهم. وتبوء محاولاتها في صدّه بالفشل لتدرك في النهاية أنّها إمّا أن تكون له أو سيجعلها حديث القرية وسيكون أوّل من يرجمها بحجر. فتذعن له كريمة مستسلمة، وعندما تبلغ ابنتها هند السادسة عشرة تقريبًا تبوح لها بهذا السر ّ الخطير، بعد صراع مع صمت صاخب. فتبدأ الرواية بصوت هند وهي تبوح بصوتها بآليّة الفلاش باك/ الاسترجاع الفنّيّ والمونولوج بسر ّ أمّها الخطير، تستعيد حكاية أمّها مع جدّها في جحيم صامت من الصخب. إذ لم تكن هند قادرة على تحمّل جحيم هذه المعرفة بما يفعله جدّها وبصمت أمّها الصارخ، فكان "الأولى ألّا تقصّ الأمّ عليها الحادثة.. أن تأخذها معها إلى القبر". فما أن تلتحق هند بالمدرسة الثانويّة في المدينة حتّى تقرّر الانتقام، فتهرب من مدرستها كلّ يوم، وتنزع حجابها الذي تلبسه في القرية، كاسرة وصايا أمّها، لتعمل في الدعارة معتقدة أنّها تنتقم بذلك من الرجال وتسلبهم بجمالها وتدجّنهم بأنوثتها الصارخة ومنتقمة من صمت أمّها واستسلامها.
تُقرأ الرواية على مستويين: على المستوى الأقرب، تتناول سفاح المحارم والدعارة واستبداد الشرّ والكره. أمّا على المستوى الرمزيّ فتدين أنظمة الحكم القمعيّة في الوطن العربيّ. وبذكاء، يبعد الكاتب السلطة السياسيّة عن روايته، فلا يجعل للمختار حيّزًا كبيرًا، بل يمنح قوّة هذا الحيّز لفرج، فهو الذي تغلّب على ساحة الوجود، ليرمز فرج إلى سلطات الثالوث المحرّم. وممّا يؤكّد ذلك، أنّ الكاتب يجعله مدير المدرسة في القرية ومعلّم اللغة العربيّة ومعلّم الدين. والمدرسة انعكاسٌ للقرية؛ فهو مديرها، أي بمثابة السلطة السياسيّة. ومعلّم الدين أي السلطة الدينيّة، ومعلّم اللغة العربيّة، أي السلطة الاجتماعيّة والثقافيّة، انطلاقًا من أنّ اللغة وعاء للفكر وحافظة للثقافة وحضارة الشعوب. ولأنه كلّ هذا، كان من المفروض أن يكون طريقًا لشعلة المعرفة وسببًا للفرج من التخلّف الذي تقبع الشعوب العربيّة تحت وزره منذ عصور الاستعمار والعثمانيين، لكنّه اسم على غير مسمى، كان مدرسة لصناعة الجهل وتدجين الفكر وقتل الأرواح واغتصاب الأجساد. فقلة من يتخرّجون من مدرسته ويتابعون دراستهم في المدينة، فيخرج الأطفال من مدرسته سجناء مشوهين بثقافة الاضطهاد. حتّى مع أبنائه لم يكن أبًا محبًّا، بل كان انتهازيًّا قامعًا، يعذّبهم ويسجنهم حتّى يهجره ولدان ويغادرا القرية بلا رجعة كما يهجر الوطن.
ولماذا لا ينسى الكاتب أن يجعل فرجًا معلّمًا للدين؟ لأنّ كلّ ما يقوله معلّم الدين بالنسبة إلى الطفل الصغير الساذج، لا بدّ أن يكون مقدّسًا ولا يمكن الزيف فيه أو التشكيك به. والأهمّ، أنّ في هذا إشارة إلى أنّ الحاكم العربيّ يسعى دائما ليحصل على قداسته وتأليه حكمه من سلطة الدين، لأنّ في رضاها استقرارًا لكرسيّه.
ترمز القرية إلى الوطن العربيّ، ولذا تركها قرية بلا اسم. حتّى لا يقصد بها دولة معيّنة. هو الوطن الذي وصفه الكاتب عبد الرحمن منيف بـ "الشرق"، فالوضع العربيّ العامّ هو المعنيّ به. ولعلّ لوحة الغلاف تؤكّد على هذا من خلال لونها الأخضر الغالب على اللوحة، والذي نجده في علم جامعة الدول العربيّة، وعدد من الدول العربيّة. إضافة إلى اللون الذهبيّ والأسود، والهلال الأبيض الذي يكثر في اللوحة، والخطّ الأزرق الرفيع على الأبيض كإشارة للمياه والأنهار، كنهر دجلة والفرات. أمّا الوجوه فتفقد معالمها في ظلّ عتمة صخبها وسواد آفاقها.
وعليه، كريمة، والتي اغتصبها فرج وهي تلميذة في مدرسته، وما زال يغتصبها بعد أن أصبحت زوجة ابنه وأرملته، ليست إلّا رمزًا للشعوب العربيّة، وباعتقادي اختار الكاتب اسم كريمة ليؤكّد على أنّه كلّما اغتصبها اغتصب الحياة الكريمة التي يطمح إليها المواطن العربيّ، حتّى انتهك كلّ ما فيها، ماضيها، حاضرها ومستقبلها. فلم يلد هذا الواقع إلّا الدنس والخراب وثقافة رجعيّة.
وهذا ما تؤكّده كريمة لابنتها بقولها: "مأساة عمري تتجسّد في جدّك".. "لقد انتهك كلّ ما في روحي وجسدي وعمري إلى أن أموت.. حتّى في آخرتي سوف أحاسب على رضوخي واستسلامي له.. يا ابنتي أنا مسجونة فيه ولم أعد أملك القدرة على الفرار.." (ص 38).
كان فرج مهووسًا شرّيرًا فتلبّسه الشيطان وخلق لنفسه معادلة آمن بها: كريمة امرأة عاهرة جسدها صورة حلوة للشيطان وهو الذي سينتزعه منها. وصل به الهوس إلى أن يتخيّل مسخًا يزوره في الليل لا يشعر به أحد إلّا هو، ينادونه قحيطر. فكان هذا إغرابًا بيّن الكاتب من خلاله كيف يتمادى الإنسان في شرّه مبرّرًا لنفسه ما يقوم به، وهنا تكمن الإجابة حول وظيفة العتبة الميتاقصيّة، والتي أوردها تناصًّا من مسرحية "بجماليّون" لتوفيق الحكيم: حيث يقول الإله "أبولون": "أرأيت يا فينوس، هؤلاء البشر دائمًا يجدون الأسباب التي يعلّلون بها حماقاتنا". هكذا يعلّل فرج اغتصابه لكريمة، وهكذا يعلّل الحاكم أحقيّته في الانتهاك، فعندما يتعزّز الجهل والخوف يسهل على الأنظمة أن تتحكّم بالشعوب وتضلّلَها لترضخ مدجّنةً خائفةً، ولذا نجح فرج في السيطرة على القرية منتزعًا القوّة حتّى من الشيخ حمدان والمختار، يحرّضه قحيطر على ذلك ويملي عليه ما يفعله. فإذا كان قحيطر رمزًا للشرّ؛ وإذا كان فرج رمزًا للسلطة فإنّ قحيطر ليس إلّا هذه القوى الغربيّة الأجنبيّة ذات المصالح الاستعماريّة المنتفعة من استبداد السلطة ومن جهل الشعوب، فتتحالف مع الأنظمة العربيّة وتنهب خيرات شعوبها.
وإضافة إلى التابو الاجتماعيّ الذي يتجلّى بالأعراف والتقاليد والمفاهيم الرجعيّة المتخلّفة، ولعلّ أبرزها الإيمان بالدجل والشعوذة، يشير الكاتب الى ازدياد التطرّف الدينيّ وتصاعد الأفكار الرجعيّة المتخلّفة، وينعكس ذلك بازدياد ظاهرة الحجاب الذي لا ينتج عن تديّن صادق بقدر ما هو ناتج عن ازدواجيّة وتابوات اجتماعيّة، وشخصيّة الرجل الملتحي الذي تزوّج هند لأسبوع واحد فقط مقابل قدر كبير من المال، ثمّ شخصيّة الشيخ حمدان الذي يستعيد نفوذ سلطته في الفصول الأخيرة متحكّمًا بأبناء القرية باسم الدين، وبقوّة الدجل، مستغلًّا أبناء القرية الطيّبين الساذجين. وكأنّي بالكاتب يستعرض في هذه الرواية حالة تردّي الوطن العربيّ وتهالكه عبر التاريخ، مشيرًا إلى أنّ تاريخ القرية يعود إلى مئات السنين، حيث يبدأ روايته من عصر الفخار، وما يعرف عن هذا العصر من الثورة الزراعيّة، وتدجين الحيوانات، وبدء الفكر الدينيّ، وانتقال المجتمع من المبدأ الأموميّ /العصر الحجريّ الحديث النيوليثيّ، والذي كانت السيطرة فيه للمرأة، والاعتقاد بأسطورة الأمّ الأولى عشتار. ثمّ الانتقال إلى مبدأ النظام الأبويّ حيث التملُّك والتسلُّط، وسيطرة الرجل في الثورة المدينيّة، بازدهار المدن والصناعات وتراجع الريف، وهذا ما يعرف بالتحوّل الثالث، مع تكوّن المدن الأولى في بلاد الرافدين، مهد الحضارات. وممّا يؤكّد هذا هو توظيف الكاتب لنجمة الثمانية رمز الحضارة البابليّة في بلاد الرافدين، ودليل تميّزه تاريخيًّا وحضاريًّا، والتي سعى حمزة ووالده وأجداده إلى صناعتها طوال عهود طويلة دون نجاح يذكر، كإيحاء إلى محاولة استعادة هذا الماضي العريق. ولعلّ في تناوله لزمن الفخار من خلال شخصيّة الخزاف تلميحًا إلى زمن كان الإناء الفخاريّ فيه أحد رموز "الأمّ الكبرى".
وهنا يتّضح لنا سبب تركيز الكاتب على انتقال المجتمع من عصر الفخار إلى الألمنيوم والبلاستيك في المدينة، وهو إدانة عصرنا هذا، فيدين الأنظمة في الوطن العربيّ حيث تتسلّط الثقافة الذكوريّة البطريركيّة والأنظمة القمعيّة بتعزيز من حليفها الديني المتطرّف والتيّارات الظلاميّة، والتي أوصلت شعوبها الى حالة الانحطاط هذه بعد أن كانت هذه البلاد مهد الحضارات. وإذا كانت المرأة قد لعبت دورًا هامًّا في العصور القديمة خاصّة من خلال أسطورة الأمّ الكبرى عشتار، فإنّ النظام الذكوريّ أفقدها مكانتها وقيّدها بتابواته؛ فهي قرية "يأكلها الجهل والثأر، ثروتها وأغلى ما تملكه هو عرض نسائها وطهارة فروجهنّ. الرجل فيها سيّد الكون الصغير، وكبير القرية سيّدهم، عبيده الفلّاحون، والعمّال أسياد بيوتهم ونسائهم وبناتهم، الرجل الشقيق والزوج والأب هو السلطة، والبيت سجن للأب والأخ والزوج". ولعلّ الكاتب يشير بهذا إلى قمع المرأة واستضعافها في عصرنا هذا، وأنّها أكثر من يقع عليه قمع الثالوث المحرّم الذي صنعه الرجل، ولربّما في اختياره لشخصية كريمة التي ترمز إلى الشعوب العربيّة وفق دلالتنا، الدليل على ذلك.
كان عذاب كريمة يكمن في عجزها وصمتها على هذا السرّ، وعندما تقرّر أن تريح روحها من صخب جحيم صمتها تبوح به لابنتها هند، فتمسي الأمّ جلادًا لها. لم تكن كريمة ضحيّة نقيّة، فصمتها كان آثمًا، وبوحها كان قاسيًا، فعقل هند كان عاجزًا عن تحمّل هذا الجحيم. وانتقامًا من جدّها ومن صمت أمّها واستسلامها، صمتت هي، وكسرت كلّ وصايا أمّها بأن باعت جسدها في المدينة وعملت بالدعارة، هاربة من المدرسة، لتمثّل دور المحجبة البريئة العفيفة في قريتها، ودور العاهرة التي تبيع جسدها في المدينة. هكذا أعماها الانتقام الخارج من براثن الجهل وعدم الوعي في كيفية استغلال الحريّة التي منحت لها عندما انطلقت في شوارع المدينة؛ فبهرت بأضوائها ولكنّها ضاعت في عتمتها وسقطت في أدران الانحراف والرذيلة والعالم السفليّ. وكدليل على صخب جهلها، جعلها الكاتب تفشل في دراستها الثانويّة غير قادرة على اتّخاذ القرارات السليمة.
ولعلّ الكاتب كان يريد لهند أن تكون "شهرزاد"، فطالبها بصوت أمّها بالحكي وعدم الرضوخ لجلادها؛ كانت كريمة تقول لها: "الرجل ليس بأحسن منك". "يجب أن تعيشي حياتك"، "لا تدعي أحدًا يسكتك عن الكلام، تكلّمي.. لأنك إن لم تفعلي لن تفهمي الحياة" (ص 43). لكنّ هند لم تدرك كيف يكون الحكي، ولا أمام من يكون؟ فيغلبها صخب الانتقام ويأخذها في متاهة الرذيلة، معتقدة بذلك أنّها تهرب من صخبها النفسيّ، ومن عجزها، فتتشوّه وتصبح سجينة الدنس والخطيئة. قرّرت الانتقام من جدّها فرج فحوّلت هجومها الانتقاميّ نحو الرجال جميعًا، لكن بصمت دنِس قاتل. وحين تقرّر الحكي في خاتمة الرواية تبوح بأسرارها أمام الباشا رمز السلطة: "لم تكن تعي للحظة أنّ الباشا باشا وليس بشرًا، وأنّ أصحاب الباشا باشوات وليسوا بشرًا، بل تجّارًا وقوّادين وعملاء وسماسرة ومخبرين"(ص228). هكذا تُسجّل لهند خسارة أخرى وانهزام آخر أمام السلطة لتنزلق أكثر، ولذلك لم تستطع مواصلة دور شهرزاد بعد الفصل الأول وكفّت عن البوح ليتابع السردَ راوٍ آخر. وفي خسارتها سلطة السرد إشارة إلى سلب إرادتها وانزلاقها إلى العالم السفليّ.
فمن هي هند؟ كان اختيار اسم هند بالنسبة إلى والدها، وهو الرجل ونموذج الرجل الشبق لرجال القرية، حبًّا بهند رستم الفنّانة المثيرة المغرية. أمّا بالنسبة إلى الأمّ فكانت حبًّا بهند بنت عتبة التي بقرت بطنَ حمزة بن عبد المطّلب بعد أن قتل في وقعة أحد فأخرجت كبده وأخذت تلوكها. لكنّ هند بالنسبة إلى حمزة ليست إلّا عشتار، ففي رفض الواقع المعيش يوظّف الكاتب أسطورة عشتار ،إلهة الحبّ والجمال والخصب والحرب عند شعوب المشرق العربيّ. هي الفتاة الجميلة التي منذ أن رآها تغيّرت حياته، هام بها لكنّه لم يستطع أن يكلّمها، فصنع منها تمثالًا ليمسي حمزة "بجماليّون" هذه الرواية. حرمه عجزه من هذه المرأة فصنعها بنفسه، وخلق لنفسه الحبّ. كان حمزة ابن الخزاف قبل أن يراها يحلم بصناعة نجمة الثمانية، والتي حلم والده وأجداده بصناعتها لكنّهم لم ينجحوا. ونجمة الثمانية التي وصفت في الرواية بأنّها: "الزُهرة النجمة بنت الصبح"، ما هي إلّا رمز لعشتار ورمزها "كوكب الزُهرة". فحاول حمزة صناعتها لكنّه فشل وأرهقه هذا الحلم إلى أن رأى تلك الصبيّة الفاتنة الجميلة، لتكون هند رمز عشتار ،رمز الخلاص والحبّ ونجمة الثمانية.
وتمرّ ثلاث سنوات وهو يراها ولا يكلّمها إلى أن يمضي شهر على ذكرى ميلاده العشرين ليقف أمامها مسلوب العقل، متأمّلًا صورة وجهها دون أن يكلّمها، عاجزًا عن البوح لها بحبّه. وعندما يسأله والده ما اسم حبيبته، يصطدم بالواقع ويدرك أنّه أمام وهم رسمه لنفسه، فتتولّد حالةٌ من الانفصام لديه بين الحقيقة والحلم، ويدخل في صمت صاخب أذهب بعقله ليعجز عنه الأطباء.
إذا كانت الأمّ "كريمة" هي الشعوب العربيّة فإنّ هند الفاتنة التي تمرّدت عليها، رافضةً الخضوع، هي عشتار رمز الثورة والبعث. وإذا كان حمزة رمزًا لجيل الشباب العربيّ الذي ما زال منذ سنوات طويلة ينشد الحبّ والحياة الكريمة والخلاص، فإنّ هند، عشتار هذا الصخب، هي رمز التغيير والثورة التي حلم بها الشباب العربيّ بعد العقد الأول من القرن الحادي والعشرين فيما سمّي بـ "الربيع العربيّ". وهذا يتوافق مع عمر حمزة الذي تجاوز العشرين بشهر عندما وقف يتأملّها دون كلمة.
والسؤال: لماذا حُكم على الثورة بالفشل؟ لماذا يجعل الكاتب حمزة يقف أمام هند ولا يكلّمها كلمة واحدة، لا بل يصنعها تمثالًا ليعيش هذا الحبّ من طرف واحد وبوهمٍ صاخبٍ؟ لماذا يجعل الكاتب حمزة يرى نور الخلاص لكنّه يعجز عن الإمساك به؟ لأنّه لم يكن جاهزًا وواعيًا إلى تلك الدرجة التي يستطيع فيها أن يصنع التغيير أمام من صنعوا الظلم والاضطهاد على مدار عهود طويلة، فكان معظمهم شبابًا مراهقين، دروعهم أمام مصانع الظلم والقمع لم تكن إلّا أسلحة واهية جاهلة لا تعرف معنى الحرّيّة أو الديمقراطيّة، ولا تدرك ما يدور حولها وكيف عليها أن تتصرّف. ولعلّ أكثر ما يؤكّد دلالتنا هذه أنّ الكاتب كثيرًا ما كان يؤكّد في روايته على الجهل وعلى عدم الوعي في إدراك الأمور، فهي "قرية يأكلها الجهل والثأر". إضافة إلى أنّ مأساة الشخصيّات تكمن في عجزها عن إدراك ما تفعل أو ما الذي عليها فعله، عدا عن شحّ ثقافتها ونقص علمها وعدم قدرتها على التفكير لأنّها اعتادت على أن تكون مسيّرة خاضعة مستسلمة لحكّامها، ولأنّهم "فاقدو حقيقة ما يدور حولهم اعتقدوا أنّ الحياة لا تريد منهم غير أن يكونوا عبيدًا للآخرين"(ص 220-225). لتشكّل مفردات الجهل وعدم القدرة على التفكير والفهم موتيفات مهمّة في الرواية.
عندما حاولت هند الثورة على أمّها وجدّها كانت محاولتها هذه إشارة إلى ثورة الشعوب العربيّة ضدّ حكوماتها، فكانت ثورتها مبنيّة على جهل دون وعي أو حكمة. لم تر الخلاص لشدّة عتمة الانتقام. أمّا حمزة فبحث عن شعلة الثورة في نجمة هند لكنّه لم يحصل إلّا على بريقٍ واهمٍ، لأنّه لا يزال مراهقًا وغير ناضج، وغير واعٍ إلى كيفية الوصول إليها والإمساك بها، لذا كان عاجزًا، صامتًا وجبانًا. وحتّى يؤكّد الكاتب عدم نضجه وعدم اكتمال خبرته في صنع هذا التغيير، وعدم جاهزيّته لاستقباله، يجعله لا يكمل دراسته الثانويّة، تاركًا المدرسة في الصفّ الأخير من هذه المرحلة، رغم أنّه وصف في الرواية "بأنّه ولد لطيف عامل يقرأ الكتب"، "ترك المدرسة ليشتغل خزّافًا في دكان أبيه"، لكنّ هذا بالطبع لن يكفي للتغلّب على قوى القمع وآليّاتها.
أمّا هند فلجهلها وعدم وعيها لم تدرك كيف تحرّر حبيبها حمزة/ تموز من صخب صمته وجبنه، فنزلت إلى العالم السفليّ، عالم الرذيلة على الأرض، مثلما نزلت عشتار إنانا إلى العالم السفليّ حيث الأموات بحثًا عن حبيبها تمّوز، حيث تعيده بعد ثلاثة أيام إلى الحياة. أمّا حمزة الذي أخذ يراقب هند لثلاث سنوات فلم تعلم به هند، ولم تلحظه في ظلّ عتمة الانتقام، بل أذهبت بعقله في حين لم يستطع حمزة إدراكها حقيقةً، لأنّه كان عاشقًا جبانًا. فلا هو ولا هي يجيدان السباحة في ظلّ هذا الواقع القمعيّ المعتم، و"هما على طرفي نهر لا جسور من فوقه ولا مراكب تقطعه"، فكيف يلتقيان؟
ولهذا عندما سئل عن اسمها عجز عن منحه وجودًا، فثورته، ثورة الشباب العربيّ، ما زالت ملطّخة بالدنس والعتمة والجهل، على الرغم من جمال بريق الثورة وسحر أحلامها. ولعلّ الكاتب يحرّض الشباب العربيّ، ألّا يصمتوا أو يرضخوا، ولعلّه يريدهم كبروميثيوس سارق شعلة المعرفة، مدركًا أنّ مأساة الشعوب العربية تكمن في جهلها وصخب عجزها وتخلّفها. إلّا أنّه يوحي بالأمل بالتغيير عندما يجعل هند تفقد رغبتها في الاستمرار في طريق الانتقام في النهاية، ويعود حمزة إلى رشده ليبحث عن نجمته الثمانية وعن عشتاره.
أمّا الأمل الأبرز فيكون في قتل فرج على يد سالم، عاشق كريمة، والتي كانت مأساته، ولأنّه فاقد لإدراك الحقيقة، ولا يمتلك القدرة على التفكير، تكمن في سؤاله: "ماذا تريد الحياة مني؟"، بدلًا من أن يسأل: "ماذا تريد أنت من الحياة أيّها التعس؟"، ليعيش حياته منقادًا للآخرين، صامتًا هو الآخر. لكنّ الكاتب علّق عليه آمال التغيير، ولذلك لم يكن صدفة أن جعله يتجاوز جيل الثلاثين، كإشارة إلى أنّ التغيير لن يكون إلّا على أيدٍ واعية مجرّبة، وأوّل ركائز القدرة هي العلم والمعرفة والوعي.
إذًا، من هي هند التي يهديها الكاتب كتابه بقوله في الإهداء: "إلى هند… هي تعرف ذلك"؟ لقد حاول الكاتب بذكاء أن يورّطنا نحن القراء بالتعاطف معها من خلال هذه العتبة، لنتساءل بداية: "من هي هند؟ هل هي شخصيّة حقيقيّة وهو يكتب رواية سيرة ذاتيّة عنها أمّ هي شخصيّة خياليّة وهميّة رمزيّة؟ والأهمّ: ما الذي تعرفه؟ وما علاقته بها؟ "
ليس الإهداء إلّا إعلان تبرئة هند، معلنًا أنّها ليست هي المتّهمة، بل هي ضحيّة هذا الواقع المرير، مؤمنًا كما يبدو بالجانب الإنثربولوجيّ الذي ينظر إلى الإنسان كنتاج اجتماعيّ ثقافيّ وبيئيّ. وهند هي رمز لعشتار التي تبحث عن خلاصها في عالمها السفليّ، ليس عالم الأموات، بل هو عالم الظلم والاضطهاد والقمع على الأرض، علّها تجد حبيبها حمزة/ تمّوز، لا لتأكل كبده، بل لتنقذه وتبعث الحياة والخصب والجمال من جديد في صخب هذا الجدب، ولتعيد الحبّ والخلاص إلى أرض لم تعد تحتمل شدّة صخب الدم وضجيج العنف وصرخات الألم.

*نصّ المداخلة الّتي ألقيت في حيفا بتاريخ 08.03.2018 في نادي حيفا الثّقافيّ.
1