عاجل
  • العريش..مصر : مقتل وإصابة عشرات المصلين في تفجير مسجد بسيناء !!
  • دير الزور..سوريا : مقتل وجرح العشرات في قصف روسي على ة حسرات ومنازل للمدنيين في قرية الجرذي بريف دير الزور الشرقي!!
  • باريس .. فرنسا : الانتربول ينقذ 500 شخص في مداهمات لمكافحة تهريب البشر!!
  • القاهرة..مصر : اخر صرخات العهر السعودي : الدول المقاطعة لقطر تدرج “الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين” على قوائمها لـ”الإرهاب”!!
الجمعة 24 تشرين ثاني/نوفمبر 2017
متصوف يبحث عن حجارة تختبئ داخلها أجساد جميلة!!
بقلم : عمار المأمون  ... 21.09.2017

تمتلك السيرة الذاتيّة خصوصيّة أدبيّة كعلامة تجنيس وكتقنية للكتابة بوصفها رحلة ذاتيّة وتأريخيّة في بعض الأحيان إلى جانب أبعادها الجماليّة، إلا أن كتابتها ليست حكراً على شخص يقوم بتدوين سيرته الخاصة من وجهة نظره، فالكثيرون يوكلون غيرهم بالكتابة، وفي بعض الأحيان يقدم البعض على كتابة سيرة متخيّلة لأحد ما، بانياً حياوات وعوالم لأشخاص عرفناهم عبر التاريخ والنصوص الرسميّة، لتكون السيرة المتخيّلة نتاج الغواية التي تمتلكها هالة البعض من الشخصيات.
تتحوّل السيرة الذاتيّة المتخيلّة إلى حقيقة روائيّة موازية للحقيقة التاريخيّة، يعيد الكاتب عبرها الحياة إلى شخصيات عرفناها أو قرأنا عنها رسمياً، ليتداخل نصه مع نصوص الآخرين التي يشكل مجموعها الهالة التي تُحيط بمن تُكتب سيرته التي قد تكون مُلهمة بحد ذاتها، لا فقط أعماله أو نتاجه.
عُرفت الفرنسية لينور دي روكوندو كونها عازفة كمان محترفة، وعام 2010 بدأت مسيرتها الأدبيّة حين صدرت روايتها الأولى، وعام 2013 إثر صدور روايتها “أحلام منسيّة” حصلت على الجائزة الأدبية لطلاب الثانويّة، لتتالى بعدها رواياتها والجوائز الأدبية التي تحتفي بها، وهذا العام صدر لها عن دار مسكلياني رواية “الحجر الحيّ” ترجمة لينا بدر، الرواية التي صدرت بالفرنسيّة عام 2013 تحكي جزءا متخيّلا من سيرة الفنان الإيطالي مايكل أنجلو ورحلته التي أرسله البابا فيها للبحث عن الرخام المناسب في مدينة كرار الإيطالية.
البحث عن الرخام
يتحوّل مايكل أنجلو في الرواية من شخصيّة واقعية إلى نص تعيد دي روكوندو كتابته وتأويله، فأحداث الرواية تدور عام 1505 في كارار حيث مقالع أحجار الرخام التي ذهب إليها مايكل أنجلو للبحث عن الصخور المناسبة لنحت قبر مناسب للبابا جيل الثاني، فأنجلو الذي ترك الدير الذي كان فيه إثر موت الراهب أندريا، لنراه حسبما تصوّره الكاتبة في كارار كمتصوّف يبحث عن الحجارة التي تختزن داخلها أجساد من سينحتهم، فهو يتنقل بين عوالم الأحجار القاسية أو في شوارع القرية البسيطة، حيث تراوده أطياف الراهب أندريا، ورائحة والدته حينما كان صغيراً، ليغشى عليه أحيانا من شدّة الوله، ليعود بعدها للوقوف بين الحجّارين مشاركاً إياهم عظمة الرخام واستخراجه ضمن طقوس ومعتقدات شبه وثنية، إذ يتحسس عروق الرخام التي ستتحول بفعل إزميله ويديه إلى أجساد رهبان وقديسين ورسل.

تطرح الرواية التساؤلات حول مفهوم الجمال، وخصوصا ذاك الجسدي الذي يبحث عنه مايكل أنجلو، فالنزعة للكمال التي يسعى إلى تحقيقها عبر منحوتاته مستمدة من الهالة الدينية التي يمتلكها جسد المسيح والأجساد المقدسة التي تمتلك سمة ربّانية يسعى إلى التقاطها وتشكيلها بأصابعه ويديه كونها تجليّا للإلهي في الأرضيّ، وهذا سبب تعلقه بالراهب أندريا الذي وُضع أمامه على طاولة التشريح، ففيه يرى تجليا للجمال الربانيّ، الجسد المثالي الذي عجز حتى عن تشريحه لاكتشاف مكوناته، إذ يصفه بقوله “أندريا، أنت الجمال السرمدي في أكمل صورته.
أودّ لو أن جسدك يغدو حجراً، العنصر الوحيد الذي أحسن معالجته وأعرف كيف أتملكه”، فجسد أندريا هو تجسيد للكمال الذي كوّنته يد الرب من صلصال، هو انعكاس للإلهي الخالي من التناقضات، فالجمال في هذه الحالة ليس موقفا بشريا بل تجلّ وحلول، أزليٌ يجب اكتشافه في الحجر وتطويعه ليماثل ذاك الذي لا يمكن لمسه، وهذا ما يترك مايكل أنجلو مدهوشاً أمام جسد أندريا الذي يحضر طيفه في أحلام مايكل أنجلو داعياً إيّاه إلى قراءة الإنجيل الذي أهداه إياه، إذ ترك فيه أندريا ملاحظات وتعليقات رأى فيها مايكل أنجلو رسائل موجهة له شخصيا.
الفنان في وحدته
نقرأ في الرواية عن علاقة مايكل أنجلو مع مُنتجه الفني بوصفه يمتلك مسحة من القدسيّة، فبالرغم من أنه حصل على المال من البابا إلا أنه يرى أن ما يقوم به يتجاوز الأرضي و قوانينه، وكأنّ يدا إلهيّة في التي تُصيّر الحجر جسداً، هو يرى أجسادا تتلوى بين الرخام، جمال كامنٌ خفيٌّ لا بد له من نبشه والبحث عنه، فالرواية تغوص في عوالم الفنان النفسية ووحدته التي اختارها بوصفه متفرغا لخدمة هذا الجمال وحسب، لا لخدمة المؤسسة التي يراها وسيلة فقط لينجز ما يريد.
فالعلاقة مع البابا والصبغة الدينية التي تحويها مهمته لا تبدوان ذات قيمة لمايكل أنجلو، بل نراه يسعى إلى الحفاظ على وحدته نافياً عنه كل ما هو أرضيّ لخدمة السرمدي، فقسوته وسلوكه الفظ مع من هم حوله أشبه بوسائل دفاع يبعد فيها الفضوليين كي لا يعكروا صفو عمله، ومن ينجح بالتسلل لهذه العزلة هو طفل بريء ساذج أو مجنون يؤمن أنه حصان مات ودخل إلى جسده.
تقول دي روكوندو إنها تعرّفت على أعمال مايكل أنجلو منذ طفولتها، وتابعت بعدها البحث في آثاره حين أرادت الكتابة عنه، لتترك بعدها العنان لمخيّلتها لطرح التساؤلات المرتبطة به سواء على الصعيد الشخصي أو الفني، ففي الحجر الحيّ نقرأ كيف عملت الروائيّة على تقمص صوت مايكل أنجلو وحركاته وتصوّره للعالم، لتتيح لنا المجال لإلقاء نظرة حميمية متخيّلة على حياة مايكل أنجلو،فنحن أمام نصّ يعيد تشكيل الآثار الأدبية والرسمية ويضيء على جوانب مهملة وهامشيّة غير موجودة فيها.

1