عاجل
  • دمشق..سوريا : عشرات القتلى في غارة للتحالف الغربي على سجن لـ"داعش" في سوريا!!
  • لندن..بريطانيا : موقع "ويكيليكس" : محمد بن زايد طلب من الأمريكان قصف مقر الجزيرة !!
الأربعاء 28 حزيران/يونيو 2017
يومَ مَزَّقَ الجنديُّ الحقيبة!!
بقلم : أمل الحارثي ... 29.04.2017

مررتُ في حياتي بالكثير من الأحداث الفارقة، غربة، نجاح، مرض، ولادة، كان من الواجب على ذاكرتي معَ تزاحم الأحداث فيها أنْ تُؤَرشف بعضها وتقذفها في بئر النسيان العميق، كثيرة هي الأحداث التي لم أعتقد يومًا أنّي سأنساها؛ لأهمّيّتها، وتفاجأْتُ حين استرجاعها أنّي لم أَعُدْ أتذكّر تفاصيلها، ولكن مِن أحداث حياتي ما يأبى الأرشفة بل إنّ تفاصيله أصبحَتْ محفورةً في ذاكرتي، أسترجعها بشكلٍ لا إراديّ في نهاري، بل وتُعكِّرُ صفو نومي أيضًا.
كُنتُ في العاشرة من عمري، يوم صَحِبَتْني والدتي وأخوتي لزيارة والدتها في الضفّة الغربيّة لأوّل مرّة بتصريح زيارة كما كان مُعتادًا آنذاك، كُنّا أربعة أطفال أصغرنا في الثالثة مِن عمره، وبالرغم مِن أنّ المسافة بين عمّانَ والقدس لا تتجاوز السبعين كيلومترًا إلّا أنّها بدَتْ لي كالمسافة بين قُطبي الأرض؛ مِن مَشقّتها وهول العناء الذي تكبَّدْناهُ فيها، ما أنْ دخلْنا الأراضيَ المحتلّة حتّى بدأَتْ مُعاناتنا معَ الحواجز، والتفتيش المُهين، بالإضافة للمشي حُفاة _حيثُ يتمّ وضع الأحذية في أجهزة للكشف عنها_ والانتظار لساعات طويلة في يوم مِن أكثر أيّام الصيف حرارةً وجفافًا، كلّ هذا كان يُمكن للذاكرة تجاوزه معَ الأيّام، إلّا أنّ أحد المُجنّدين أبى أنْ نمشيَ دون أن يَطْبَعَ في ذاكرتنا ما لم تستطِعْ عقودٌ مِن الزمن طمسه.
وصلْنا إلى مرحلة تفتيش الأمتعة، كانت لدينا حقيبتان، واحدة كبيرة الحجم مصنوعة مِن الجِلد _وهذه الحقائب كانت شائعة في ذلك الزمن_ وأُخرى أصغر منها وأكثر حداثة، همّتْ والدتي بفتح الثانية وأخبرَتِ المُجنّد أنّ الحقيبة الأولى تُفتَحُ بواسطة كبسةٍ في الأعلى، لكنّ المُجنّد لم يجعَلْها تُنهي حديثها، بل ابتسم ابتسامة مُقزّزة واضعًا يده في دُرْجِهِ مُخرجًا منه سكّينةً كبيرةً الحجم. وبلحظة وبسرعة قام بتمزيق الحقيبة الجلديّة الكبيرة التي تحوي مُعظم ملابسنا مِن أقصى طرفها لأقصى طرفها تاركًا إيّانا في ذهول. لم يكتفِ المريض بما فعلَ بل أخرجَ كلّ ملابسنا من الحقيبة، بَعْثَرَها، ورَماها أرضًا هي والحقيبة المُمزّقة.
كانت المرة الأولى التي أقِفُ فيها أمام الذلّ وجهًا لوجه، عرفْتُ يومها معنى القهر، وأدركْتُ للمرّة الأولى لماذا يُضحّي الشهداء بحياتهم في الداخل، كنتُ قد حفظْتُ بعض القصائد الوطنيّة ولكن فقط في ذلك اليوم استوْعَبْتُ معناها، "الموت ولا المذلّة" أصبحَتْ جملة واضحة المعنى، مفهومة أكثر مِن أيّ وقتٍ مضى.
جمَعْنا ملابسنا المُبعثرةَ في أكياس بلاستيك، وحمَلْناها نحنُ الأطفال على أيدينا حتّى عثَرْنا على سيّارة أُجرةٍ أوْصَلَتْنا لبيت جدّي، أمّا أنا فلم أتمكّن بعدها أبدًا مِن جمع كرامتي كإنسان، كرامتي التي بعْثَرَها هذا المجرم حتّى اليوم، لليوم أتذكّرُ هذا الحدَثَ وكأنّه حصلَ بالأمس، أَستعيدُ الشريط معَ كلّ خَبَرٍ أُشاهدُه مِن الداخل المحتلّ، شهيد ارتقى، أرضٌ تصادرت، طفل عُذّبَ، يأبى الاحتلال أنْ يُنسيَنا يومًا أفعاله القبيحة، بل إنّه يُجدّد كرهنا له كلّ يوم؛ بتعمُّده إذلالنا وقهرنا، ظنًّا منه أنّنا سنيأس وننسى حقّنا معَ الأيّام، سياسة غبيّة لم تنجح سوى في زيادة الإصرار والعزيمة لإرجاع الحقّ لإصحابه، إصرار يتجدّد كلّ صباح تُغذّيه الأخبار اليوميّة القادمة مِن الأرض المحتلّة، والذاكرة القويّة التي لن تخونَ الوطن بالنسيان.

1