أحدث الأخبار
الجمعة 27 تشرين ثاني/نوفمبر 2020
لا أُختَ له…!!
بقلم : سهيل كيوان ... 19.11.2020

هناك من يجدون في شتم بعضهم بعضاً نوعاً من الفُكاهة، وهذا بلا شك مزاح من المستوى الرديء، لا يتقبّله أكثر الناس، ولكن هناك من يأخذون الأمر ببساطة، ويعتبرونه كلاماً عابراً.
غالباً ما تتناول هذه الشتائم اللعن لعضو من أعضاء جسد الوالد أو الجد، مثل «اللعنة على قَرعة جدّك»، أو على حَنكِه أو ظهرهِ أو كَبِده أو رُكبَتيه أو رقبته!
هذه الشتائم المتبادلة ترافقها ضحكات، وردٌ بالمثل.
وهي تتجنّب بالضرورة الجانب النسوي من الأسرة، ولن تتحول الشتائم إلى الإناث، إلا إذا كان الأمر جدّياً، وينذر بصدام جسدي عنيف، حينئذ فقط تحظى الأمهات والشقيقات وحتى الجدّات والخالات والعمّات بنصيبهن، وقد استعار الإسرائيليون بعض الشتائم من عرب فلسطين، مستخدمين عورة الأم أو الأخت في المحكية الفلسطينية، تبنّوها، بل استولوا عليها، حتى أن الأجيال الصاعدة عندهم تحسبها عِبرية، وصار حالها مثل حال كلمات «أهلاً» و»على كيفك» و»أحلا» التي يظن معظم اليهود بأنها عبرية، وتستخدم الصحف الرسمية الإسرائيلية مثل يديعوت أحرونوت ومعاريف، على الصفحة الأولى وبالبنط العريض، اسم عضو الرجل بالعربية بأحرف عبرية، لتعبّر فيه عن مقلب سياسي، مثلاً، نتنياهو عمل (…..) لغانتس، حيث انزاح اسم عضو الرجل عن معناه الأصلي وصار يعني مقلباً، قد يكون سياسياً معنوياً، وقد يكون مادياً، مثل سكب دلو ماء بارد على شخص غافل، فيقال عملوا له (….).
في خندق سور عكا من جهة البوابة الشرقية الجنوبية الذي يستخدم كموقف، تكتظ السيارات في يوم الجمعة، حيث يتوافد الناس من بلدات المنطقة لقضاء حاجات، ولتغيير الجو على سورها وبحرها، والصلاة في مساجدها.
في إحدى المرات، دخلت موقف الخندق، وكان هناك شابان يوجّهان السيارات ويتقاضيان أجرة الوقوف بغير حق، فالوقوف فيه مجاني، وراح أحدهما يشتم زميله بكلمات نابية موجهة لأخته.
وكان ذاك يردُّ عليه: لا تشتم أختي…
بينما الأول يمعن في الشتائم لأخت الشاب، وتوقّعت أن المشكلة ستتفاقم بينهما، ولم تتح لي نخوتي أن أتركهما خشية التطوّر إلى صدام جسدي، فهبطت من سيارتي مسرعاً- يا جماعة الخير، على مهلكم، شو السيرة؟ وحّدوا الله، على شو هالحكي؟ شو القصة؟ لا شيء يستاهل.
-ألم تسمعه يشتم أختي!
– سمعت، وهذا عيب، عيب يا جماعة..
فقال الشاب الأول: هو يعرف لماذا أشتم أخته، وليس من حقّه أن يزعل!
فهمت أن هناك سراً مشتركاً بينهما، فالموضوع حسّاس عندما يصل النساء والأعراض، في حالات كهذه قد يندلع اشتباك بالأيدي، ومنها إلى استخدام ما تيسر في المكان من أدوات صلبة، قضيب حديد مثلاً، أو عصا، أو حجر، والله يعلم كيف تنتهي! وسرحت في خيالي حول الجريمة المنتشرة في مجتمعنا الفلسطيني في الداخل، والخفّة التي صارت تقع فيها، وإهمال السلطة المتعمّد.
منذ بداية هذا العام قُتل حوالي خمسة وتسعين إنساناً، من بينهم خمس عشرة امرأة، آخرهم كانت سيدة قتلت يوم الثلاثاء الأخير، صدم طليقها سيارتها بسيارته، ثم ترجّل وركض إليها وطعنها حتى الموت في الشارع العام، أمام أعين المارة.
استمر الأول بشتم أخت الشاب، والثاني يردُّ غاضباً: لا أسمح لك بشتم أختي، ولا حتى أن تذكرها على لسانك، وإلا قطعته لك الآن!
لم يعبأ الشاب الأول بتهديده، بل وراح يسمعني غزله بها -أخته جميلة، إذا رآها أي رجل سوف يتمناها، إنها مثل راقصات السامبا البرازيليات. ثم راح يصف جسدها.
كنت أنظر بقلق إلى الشاب الآخر الذي بدا مُحرَجاً، وتوقعت تطوّر الأمر إلى صدام جسدي لا تحمد عقباه. قلت للشاب الأول: عيب عليك أن تحكي هذا الكلام، أرجوك اختصر الشّر.
– يا عمّي أنت رجل محترم، ولكن هذا ليس له أخوات، فماذا يضيره إذا شتمت أخته أو تغزّلت فيها؟
فقال الشاب الثاني: صحيح يا عمّي ليس لي أخوات، ولكن لا أسمح له بشتم أختي، أو وصفها كالراقصات البرازيليات.
فرد الأول: هل يحق له أن يزعل من الغزل بشقيقته التي لا وجود لها؟ إنها جريمة ضد مجهول، أليس كذلك؟
فقال الثاني: يا عمّي أنا أرفض شتم شقيقتي أو التغزّل بها، حتى وإن لم تكن موجودة.
قلت له وقد فهمت سرّهما: يا رجل، ما دام أنه ليس لك أخوات، إذن ماذا يضيرك بأن يصف جسدها، دع خياله يسرح ويمرح معه، دعه ينبسط.
-أنت تقول هذا لأنك عرفت الحقيقة، ولكن ماذا مع المارّة الذين يسمعونه وهو يصفها بشتى الأوصاف، ماذا سيفهمون؟ ألن يظنوا بأنني نذل وجبان؟ ثم هل سأضطر للتوضيح لكل عابر سبيل بأنه لا أخت لي!
قلت: على كل حال، ما دام أنه لا أخت لك، فالقضية محلولة، ولا تستحق الغضب.
– يا عمّي، المشكلة أنني بِتُّ أشعر بسوء نيته، فهو يقصد ما يقوله بالفعل، وكأنها موجودة، وبهذا يتعمّدُ الإساءة لي، اسمع كيف يتفنن في وصفها، إن الدم يغلي في رأسي، لا أعرف لماذا أشعر وكأنها أختي حقيقة، أخشى أن لا أتمالك أعصابي، والمشكلة أن كل من يمر ويسمعه يبني فكرة خاطئة عني، منذ الصباح اضطررت أكثر من عشر مرات أن أوضح للعابرين بأن لا أخت لي، يبدو أنه سيرغمني على كتابة لافتة على صدري «لا أخت لي»، والمشكلة أنني لا أستطيع الردَّ عليه بالمثل، لأن له أخوات، وحرام أن أشتمهن أو أصفهن كما يفعل هو، إنه سافل، ولكن أخواته محترمات.
مضيت بعدما اطمأننت بأنهما صديقان يلهوان بهذه الطريقة مع من يصادفانه في طريقهما، ولكن الموضوع لم يفارقني طيلة ذلك النهار، هل هناك فرق في شتم أو التغزّل بأخت من له أخت بالفعل وبين من لا أخت له؟ وهل يحق لمن لا أخت له، أن يتلقى الأمر بحساسية كما لو كان له أخت بالفعل، أم أن يتجاوز الأمر بصفته خيالاً عابراً في كلام عابر..!

1