أحدث الأخبار
الجمعة 25 أيلول/سبتمبر 2020
يقتلون لبنان ويمشون في جنازته!!
بقلم : سهيل كيوان ... 06.08.2020

في لبنان، يقتلون القتيل ويمشون في جنازته، وقد يلقي القاتل خطبة عصماء فوق نعش القتيل، يتحدث فيها عن أخلاق القتيل الرفيعة وشهامته ورجولته، والتعامل المريح معه «على الرغم من الخلافات التي يعرفها الجميع» ثم يطالب بالكشف عن المجرمين القتلة لمحاسبتهم، بينما يعرف الجميع أن صاحب الخطبة العصماء مسؤول بشكل مباشر أو غير مباشر عن الجريمة، قد يكون أرسل من يقتل نيابة عنه، وهو الذي حرّض، وهو الذي وفّر السلاح والمال للمنفّذ، والأهم أنه يعرف أن جميع المشيّعين يعرفون، ويكادون أن يضحكوا وهو يتحدث، ولكنه يستمر في الكذبة، ويستمرون في الإيماء برؤوسهم استحساناً.
بغض النظر عن سبب الانفجار المرعب، سواء بسبب تماس كهربائي، أو بفعل فاعل، فالجريمة الأولى هي في حفظ مادة كيماوية خطيرة في مكان مأهول.
ومن هنا، فإن مقولة مجلس الدفاع الأعلى في لبنان بتشكيل لجنة تحقيق و»إنزال أشد العقوبة بالمسؤول عن الانفجار» فيه نوع من الانفصام، فالمسؤول الأول في هذه الحالات ليس الموظف أو العامل المُهمِل، ولا حتى العميل لدولة أجنبية، فقبل محاسبة هؤلاء الصغار، يجب محاسبة السلطة كلها، التي تواطأت في الموضوع من أساسه منذ سنوات. هذه الكمية من المادة الخطيرة مسؤولية من استوردها أولا، ثم من صادرها، إذا كانت مصادرة بالفعل، كما يقال، ومن خزّنها، ومسؤولية جميع من يعلمون بوجودها وبخطورتها، وعلى رأس هؤلاء حسن نصر الله، أحد أهم أركان النظام الحالي، الذي هدّد إسرائيل أكثر من مرة بضرب مخازن الأمونيا في منطقة حيفا، الأمر الذي صعّد نضال سكان منطقة حيفا وأنصار البيئة، حتى نجحوا في الحصول على قرار من المحكمة بإغلاق هذه المخازن، والتسريع في البحث عن بدائل.
إذا كانوا في لبنان يقتلون القتيل ويمشون في جنازته، ففي إسرائيل قد يقتلون القتيل ثم يقدمون لزوجته علبة بسكويت وزجاجة ماء، فقد عرضت إسرائيل من خلال وزير دفاعها بيني غانتس، تقديم المساعدة «الإنسانية» إلى لبنان، وفي هذا مقولة كبيرة، فهو يقول إذا كان بيتك من زجاج فلا تهدّد غيرك بالحجارة ويسأل: ما قولكم الآن يا من هدّدتم بضرب مخازن الأمونيا في حيفا؟ عرض المساعدة فيه شماتة عميقة، وفيه إعلان براءة من هذا التفجير، خصوصاً وأن غانتس كان قد أشار قبل أيام قليلة بنية إسرائيل ضرب البنى التحتية في لبنان، في حال أن أضرّ حزب الله بجنودها أو مدنييها، وهذا يأتي إضافة إلى شبهات قوية حول تفجيرات جرت في إيران لمواقع تخزين للطاقة وغيرها. ماذا يقصد رئيس حكومة لبنان حسّان دياب عندما يقول بأن هذا الحادث لن يمر من دون حساب؟ ومن الذي يجب أن يحاسَب؟ ومن الذي سيحاسِب؟ رئيس الجمهورية ميشال عون، وصف ما حدث بأنه «كارثة كبرى»؟ وكأن ما حدث هزة أرضية لا شأن للنظام فيها. رئيس الجمهورية كان قد تحدّث قبل أيام عن تحالف أعداء الداخل والخارج، وعن الفساد المستشري في لبنان وضرورة محاربته! فمن الذي يتحمل مسؤولية تخزين كل هذه الكمية من مادة بهذه الخطورة في منطقة مدنية مأهولة؟ أليست أذرع الفساد التي يقول إنه سيحاربها؟
أقل رد فعل في بلد طبيعي لكارثة كهذه، هو أن يستقيل جميع المسؤولين من الرئيس حتى مدير الميناء، بما في ذلك وزيرة الدفاع، التي يفترض أن تكون مطلعة على مثل هذه التفاصيل الأمنية الخطيرة في بلدها، فمن يحاسِب؟ الحقيقة أن المحاسَبة بدأت، عندما بدأ الشعب اللبناني في انتفاضته الأخيرة، ليس لمحاسبة هذا أو ذاك من أفراد هذه السلطة، بل بدأ بمحاسبة النّهج الذي يرى في السلطة كعكة توزّع بين زعماء الطوائف، بتواطؤ من الجميع مع الجميع، ولكن كل أقطاب السلطة متحالفة ضد الشعب إذا ما رفع رأسه. جوهر الكارثة هو نظام لا مكان فيه لمحاسبة مسؤولين على فساد، ولا لعملاء الخارج، نظام لا محاسبة فيه على العنصرية تجاه الآخر، في هذه الحالة التصريحات والممارسات العنصرية ضد الفلسطينيين والسوريين. الشعب اللبناني منكوب في جوهر هذا النظام وليس بهذا الفرد أو ذاك، ولا بهذا التنظيم أو ذاك دون غيره.
تحدث في العالم كوارث كثيرة، كالهزات والبراكين والأعاصير والجفاف والأوبئة، كذلك تقع كوارث من صنع يد الإنسان، مثل الحروب والأخطاء الإنسانية، ولكن عندما يملك النظام الحد الأدنى من المصداقية، ينهض ومعه الشعب من تحت الأنقاض ليعيد البناء، يتّحد الشعب في محنته وينتصر عليها، وتتحول الكوارث إلى صفحات مشرقة من الكبرياء والفخر في تاريخ الشعوب، ولكن عندما يكون النظام هو رأس الفساد والجريمة، فماذا يعني الخروج من تحت الأنقاض، بينما الكارثة الكبرى بقيت جاثمة على صدر الشعب ولم يتغيّر النظام من جذوره، و»كلّن يعني كلّن"!!

1