أحدث الأخبار
الثلاثاء 14 تموز/يوليو 2020
افهم يا غبي: قانون قيصر بمباركة روسية!!
بقلم : د. فيصل القاسم ... 20.06.2020

لا أدري لماذا يغيب عن بال المحللين والمتابعين لمسيرة قانون قيصر وتبعاته وآثاره أن القانون في حقيقة الأمر ليس لمعاقبة روسيا ومنعها من مساعدة الأسد.
من المضحك أن تسمع البعض بعد دخول قيصر حيز التنفيذ في السابع عشر من هذا الشهر وهم يشمتون بالرئيس الروسي لأنه سيكون أكبر المتضررين من القانون الأمريكي. يا سادة يا كرام، من قال لكم أصلاً إن أمريكا تريد معاقبة الروس على التدخل في سوريا؟ هل كانت موسكو تحلم أصلاً بالهيمنة على سوريا لولا الضوء الأخضر الأمريكي والإسرائيلي حصراً؟ لقد جاء الغزو الروسي لسوريا في الثلاثين من سبتمبر/ أيلول من عام ألفين وخمسة عشر بعد عشرات اللقاءات بين الإسرائيليين والروس، وبعد أيام قليلة فقط من اللقاء التاريخي بين بوتين والرئيس الأمريكي وقتها باراك أوباما على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، وبعدها مباشرة دخل الروس إلى سوريا بقوة.
ولو لم تكن إسرائيل راضية ومباركة للتدخل الروسي لما استطاعت موسكو إرسال جندي أو طائرة واحدة إلى سوريا. ومن المعروف أن الروس بالإضافة إلى الحصول على ممر تاريخي إلى المياه الدافئة عبر سوريا، فهم جاءوا من أجل المصلحة الإسرائيلية وحماية إسرائيل تحديداً كما أعلنوا هم وليس غيرهم بشكل مباشر. لقد أدركت إسرائيل في لحظة ما أن الوضع في سوريا سيخرج عن السيطرة، ولو سقط النظام لانهارت سوريا تماماً، ولتحولت إلى أخطر من أفغانستان، وهو أمر ليس مسموحاً به على حدود إسرائيل. صحيح أن تل أبيب تريد نظاماً وبلداً مهشماً وضعيفاً على حدودها لعشرات السنين، لكنها تريد في الآن ذاته الحفاظ على الدولة السورية ليس من أجل مصلحة السوريين، بل من أجل أن تضبط الأوضاع في جارتها ومن أجل أن تحمي الحدود الإسرائيلية. باختصار شديد ليس من مصلحة إسرائيل حدوث انهيار شامل في سوريا. وبالتالي فإن الروسي دخل بمباركة إسرائيلية أمريكية. ولهذا لا داعي لمعاقبته بقانون قيصر، فهو متفق مع الأمريكي على كل التفاصيل داخل سوريا. وهل نسيتم اتفاق كيري-لافروف الشهير والاتصالات المكوكية بين وزيري خارجية روسيا وأمريكا لأشهر وأشهر؟ كلها كانت تجهز الوضع في سوريا لما هو عليه الآن.
وهل نسيتم أيضاً أن قانون قيصر بمجمله يرتكز كلياً على تطبيق اتفاق جنيف رقم 2254 الذي رعاه الأمريكيون والروس وهندسه وزيرا خارجية البلدين؟ لا شك أن موسكو استخدمت الفيتو مرات ومرات في مجلس الأمن ضد أي قرار بخصوص سوريا لا يناسب المصلحة الروسية، لكنه بات معلوماً للجميع أن أمريكا كانت سعيدة بكل الاعتراضات والفيتوات الروسية بشأن سوريا، لأن الطرفين متفقان أصلاً طالما أن الروس يزايدون على الأمريكيين في خدمة المصلحة الإسرائيلية في سوريا. أما بالنسبة لاتفاق جنيف لاحظوا أن روسيا كانت أكبر المباركين والراعين له، ولم تستخدم ضده أي اعتراض. والآن يأتي قانون قيصر الأمريكي لفرض تطبيق اتفاق جنيف الروسي ـ الأمريكي في سوريا وإنجاز الحل السياسي الذي ظن النظام أنه أصبح من الماضي بعد أن حماه الروسي من السقوط.
لا شك أن الروس الآن يرحبون بقانون قيصر، فهو بالأصل ليس موجهاً ضدهم، ولا ننسى أنهم أخذوا كل ما يريدون من سوريا، وقبل أسابيع قليلة فقط من تطبيق القانون استولوا على مساحات شاسعة من سوريا تفوق مساحة لبنان بمرتين في الساحل السوري. وهم لم يأتوا أصلاً للحفاظ على الأسد، بل من أجل مصالحهم ومصالح إسرائيل حصراً. وبالتالي لا يهمهم الآن ماذا سيفعل قيصر بالنظام وبالسوريين، فهم خارج القانون أصلاً، ويريدون كالأمريكيين والإسرائيليين حلاً في سوريا الآن يضمن مصالحهم ومصالح شركائهم بعد أن تحقق المطلوب في سوريا.
هل فهم بشار الأسد اللعبة الروسية الآن؟ لا أعتقد، وحتى لو فهمها فهو لم يتعلم من التاريخ مطلقاً، ومازال يعاند ويكابر كما فعل مرات ومرات من قبل ثم ركع صاغراً بعد فوات الأوان. واليوم يكرر نفس السيناريو. ومعروف عنه أنه دائماً يعاند ويمانع في وجه أمريكا ثم يركع تحت التهديد. أنت يا بشار تكرر الآن تماماً الفعل الغبي الذي قمت به في لبنان بعد اغتيال الحريري. قالوا لك انسحب بكرامتك ووعدك الملك عبد الله بأفضل وداع لجيشك. ولم تستجب. وبالنهاية خرجت بالصرماية. قالوا لك يجب أن نحقق مع الضباط السوريين المتهمين باغتيال الحريري. كابرت واستنكرت وهوبرت. وبالأخير صرت تترجى الملك عبد الله آنذاك كي يذهب الضباط إلى جنيف للتحقيق معهم بضمانة سعودية. والآن يتكرر الشيء نفسه. وبعد عدة أشهر من دخول قيصر حيز التنفيذ، وبعد أن تشعر بالسخن ستبدأ تترجى هذا وذاك كي تنفذ ما طلبوه منك من قبل ورفضته، لكن هذه المرة مع فارق بسيط وهو أن سندك الروسي متفق مع الأمريكي وسندك الإيراني سيذوق الويل مثلك من تبعات قانون قيصر. تعلم أيها الغبي!
ولا تنس أن لعبة الوقت التي أجادها نظامك ومن قبلك أبوك بشكل رائع لم تعد متاحة الآن، فالوقت أصبح فعلاً كالسيف بالنسبة لك، سيقطعك لا محالة، فكل الدول الخليجية الغنية التي كنت تراهن عليها لإنقاذ اقتصادك المتهاوي هي الآن تعاني مالياً بسبب انهيار أسعار النفط، ولا يمكن أن تنقذك، ناهيك عن أن قانون قيصر وجه تهديدات صارخة لأي دولة عربية يمكن أن تساعدك أو تتعامل معك. وإذا كنت تراهن على الانتخابات الرئاسية القادمة في عام 2021 وعلى مخابراتك لتجنيد الشارع زوراً وبهتاناً مرة أخرى كي تعود إلى السلطة، فهذا بعيد عن أسنانك، فقد فعل قانون قيصر فعله باقتصادك خلال أيام، مما جعل مؤيديك قبل معارضيك يشتمونك ليل نهار، فكيف سيكون وضعك بعد عام في ظل قانون قيصر، لا شك أن زوجتك نفسها لن تصوت لك بعد أن يكون الوضع المعيشي صار أكثر من كارثي.
أما مسيرات التأييد التي تفتعلها مخابراتك في ظل هذه الظروف الكارثية التي تعيشها سوريا فهي لا يمكن أن تقنع أحداً، فأكثر الذين يعانون منك ومن العقوبات الآن هي حاضنتك الشعبية في الساحل، ولا يمكن لأحد أن يصدق أن أحداً يريد أن يصفق لك أو يعيدك إلى السلطة مهما كلف الأمر. ولعل أفضل توصيف للمسيرات المؤيدة التي ترتبها مخابراتك القميئة هذه الأيام تذكرنا بالسفينة المهزومة في عُرض البحر حيث تهرب مسرعة، لكنها تطلق النار إلى الخلف وهي هاربة كنوع من المكابرة المضحكة.
دعني أقول لك باختصار: طريقك مسدود مسدود يا ولدي. كش مات.

1