أحدث الأخبار
السبت 26 أيلول/سبتمبر 2020
«القاتلُ ذات القاتل» و«العنصريّةُ ذات العنصريّة»: إيّاد آدم وجورج من يصطنع الفروق بين الشهداء؟!
بقلم : ندى حطيط ... 12.06.2020

الشأن السياسيّ الأمريكي مسألة شديدة التّعقيد، وأي محاولة لتناول قضايا دولة العالم الأعظم والتعليق عليها من زاوية واحدة – دون فهم كليّ للعوامل التاريخيّة والطبقيّة والسياسيّة والاقتصادية، التي شكلت مجمل تلك التجربة الاستعماريّة الفريدة في العالم الجديد – ستكون عبثاً محكوماً أبداً بالتسطيح والاجتزاء وسوء التقدير، فتلك المشهدية البصرية، التي تفوق التخيّل في بشاعتها والتي استعمرت رؤوسنا جميعنا، لحادثة مقتل المواطن الأمريكيّ جورج فلويد خنقاً، تحت ركبة رجل شرطة أبيض وأطلقت حراكات غاضبة غير مسبوقة عبر الولايات المتحدة، من شرقها إلى غربها – لحقتها عدة عواصم ومدن في دول الغرب الأخرى، من كندا إلى فرنسا ومن بريطانيا إلى أستراليا – فرضت على وسائل الإعلام عبر العالم التوسّع في تغطية الحدث الأمريكيّ المتصاعد.
ولأن المؤسسات الإعلاميّة العربيّة في غالبيتها تفتقد للكوادر الصحافيّة المتخصصة، التي لا تتجاوز معرفتها بالشؤون الأمريكيّة الملخصات التي توزعها الخارجيّة والمتحدثون باسم البيت الأبيض، فهي التجأت إلى خبراء مستأجرين، جلّهم من الدرجة الثانية أو الثالثة، إضافة إلى النقل شبه الحرفيّ عن وسائل الإعلام الأمريكيّة.
ولذا فإن جولة أفق سريعة على تغطية غالبية الشاشات الإخباريّة العربيّة هذه الأيّام تثير بالفعل شديد الحنق، ليس لسوء الفهم المتعمّد لأبعاد ما يحصل في شوارع الولايات المتحدة، والذي يملأ فضاءنا المرئيّ فحسب، بل ومن تلك السطحيّة في إصدار الأحكام المعممة، سعياً خاطئاً لتحليل ما يجري، واجترار معالجة وسائل الإعلام الأمريكيّة – المرتبطة عضوياً بطرف دون آخر في تلك الساحة – كما هي دون إعمال العقل فيها، وفوق ذاك كلّه انعدام الخيال اللازم للبحث في روابط لما جرى ويجري في إطار التّحليل – دع عنك النقد – للسّياق الكلّي لمنظومة الرأسماليّة، التي تشكل الخلفيّة لأحداث عالمنا شئنا أو أصابنا العمى الاختياري بأطنابه.
إحدى القنوات الفضائيّة من تلك الرزمة لمنابرنا الإعلامية، ذهبت إلى تجيير المشهد كلّه كقطبة في الصراع الانتخابيّ الأمريكيّ بين الجمهوريين والدّيمقراطيين. فيما احتفلت أخرى بالانتصارات التي تحققها الأقليّة السوداء، بعد انشقاق كولن باول – بطل فضيحة «الإنثراكس» العراقي في الأمم المتحدة والتي شرّعت لقتل أكثر من مليون عراقي – عن ترامب وسحبه تأييده له، وكذلك مسارعة الجيش الأمريكي إلى تعيين ضابط أسود قائداً للقوات الجويّة الأمريكيّة – وهو جزء لا يتجزأ من منظومة النخبة الحاكمة ولا يجمعه مع فقراء أمريكا من شيء سوى لون البشرة – كما مسرحيّة ركوع قادة الحزب الديمقراطي احتراماً لذكرى جورج فلويد، أو اعتبار الحراك مقتصراً على الأقليّة السوداء حصراً وغير ذلك من الهراء.
الأخطر من ذلك كلّه الاستلاب غير المقبول والتبعيّة شبه العمياء لمنظومة الإعلام الغربيّ تجاه حادثة القتل في الولايات المتحدّة، مقابل شبه إهمال متعمّد أو غير متعمد لأعمال قتل علنيّة خارج القانون تكاد لا تقلّ فظاعة عن تلك الأمريكيّة وقعت في أماكن أخرى، لكن ضحاياها من سوء حظهم المضاعف ما كانوا أمريكيين، وغضب أهاليهم لم يوجه ناحية مؤسسات العنجهيّة الأمريكيّة. فإياد الحلاق – قتل بدم بارد على يد الشرطة الإسرائيليّة، آدم تراوري – قتل بدم بارد على يد الشرطة الفرنسيّة. هذان الشهيدان، كما جورج فلويد – وغيرهم – قاتلهم واحد: العنصريّة السرطانيّة، التي اختلقتها الرأسماليّة الغربيّة ووظفتها سبيلاً للهيمنة على الشعوب والفقراء والمهمشين، ومنع التضامن الطبقي بينهم من خلال تأسيس وتدعيم الهويّات المختلقة: العرق واللّون والدّين والأصول والمنابت وغيرها. منظومة تبيعنا بضاعة شعارات التقدم والعدالة والديمقراطيّة وحقوق الإنسان، لكن السلع التي نشتري ليست إلا شرطيا أمريكيّا – أو فرنسيّا أو إسرائيليّا لا فرق – يقتل الفقراء والمهمشين، دون أن يرفّ لضميره أيّ جفن.
*في القدس المحتلّة – إياد الحلاّق: الدّم الفلسطيني المستباح!
«لقد رأيت أحدهم يركض مذعوراً. يخطو بغرابة كأنّه معوّق أو مصاب. كان يقترب منّي، ثم سقط على ظهره. عدد من رجال شرطة الحدود المسلحين كانوا يركضون وراءه. الشاب الذي وقع لم يكن يحمل في يديه أيّ شيء. سمعت شرطياً يسأله غاضباً بالعربيّة: «أين المسدّس؟». الشاب بدا وكأنّه غير قادر على الكلام، فلم يجب. في تلك الأثناء وصلت سيّدة ترتدي حجاباً – وهي مرشدة اجتماعيّة في مركز في القدس للعناية بذوي الحاجات الخاصّة – وصرخت بالعبريّة والعربيّة عدّة مرّات: «إنّه معوّق، إنّه معوّق». لم أشعر بحياتي بمثل هذا الخوف. كنت أتطلّع إلى الشاب، الذي ما زال ملقى على الأرض ويرتجف. ربما تفوّه بشيء ما مثل أنا معها أو ما شابه، لكن أحد رجال الشرطة سارعه برصاصتين من مسدسه، فهمد في مكانه. الشرطي الآخر طلب إليّ المغادرة، فلذت لتوي بالفرار».
كانت تلك شهادة عامل نظافة عربيّ تصادف وجوده في الركن القصيّ من شارع في القدس المحتلة أثناء حادثة مقتل الشاب الفلسطيني إياد الحلاق (32 عاماً) – والمصاب بالتوحد على يد شرطيّ إسرائيلي من قوّة حرس الحدود المكلّفة أمن المدينة المقدّسة.
لم تك تلك الحادثة يتيمة. إذ تتطاير رصاصات الإسرائيليين وكأنها تصطاد عصافير في السماء لا لحم لها ولا عظام. وكثيراً ما يتبيّن أن هذه العصافير النبيلة عُزل أو طلاب مدارس استهدفوا بأسلحة ناريّة لمجرد الاشتباه، وتركوا ينزفون حتى فارقوا الحياة.
لكن حادثة قتل الحلاّق بدت أكثر فظاظة من هذا السجلّ المشين لأجهزة الأمن الصهيونيّة. بل وتعارضت روايات الشرطيين المسؤولين، لدى تقديمهما تقاريرهما عنها، إذ ادعى الأعلى رتبة بينهما بأنّه أصدر أمره بوقف إطلاق النار، فيما قال الأدنى رتبة – ومطلق النّار – إنّه لم يتلق مثل ذلك الأمر، وإنّه وفق التعليمات التي وصلته اعتقد أن الحلاّق الشهيد كان يحاول إطلاق النّار، وأنّه عالجه برصاصتين لمنع تعرّض حياة رجال الشرطة للخطر. ومع ذلك، وبناء على التاريخ المعروف (للعدالة) الإسرائيليّة فإن لا أحد يتوقّع معاقبة أيّ من الشرطيين على جريمتهما، وأن غاية ما سيحصل عليه والدا الحلاق المحزونان هو وصف رسمي للجريمة بـ»الحادثة المؤسفة»!
*في باريس – آدم تراوري: لا حصانة لفقير في بلد الحريّة والإخاء
مساء الثاني من الشهر الحالي تحدى ما يقرب الخمسين ألفاً من المتظاهرين في مدينة باريس الفرنسيّة تعليمات السلطات المحليّة وقرارها منع التظاهرة، بحجة استمرار ظروف العزل وترتيبات التباعد الاجتماعي المفروضة على المدينة منذ عدة أسابيع، بسبب تفشي فيروس كورونا. لكن الغضب كان أكبر من الخوف.
لقد فتحت حادثة مقتل جورج فلويد في ولاية مينيسوتا الأمريكيّة يوم 25 مايو/آيار الماضي جرحاً جديداً في قلوب مهمشي عاصمة الأنوار، الذين تلقوا صفعة جديدة في 30 مايو/آيار بعد صدور نتيجة تشريح ثالث أُجبرت قيادة الجندرمة على إجرائه يزعم أن وفاة الشاب آدم تراوري (24 عاماً) – يوليو/تموز 2016 – كانت نتيجة مشاكل صحيّة يعاني منها، لا بسبب عنف رجال الأمن (كما في التقرير الطبيّ المستقلّ) الذين قبضوا عليه، بينما كانوا يطاردون أخاه المطلوب في جريمة تافهة.
آدم كان يومها يحتفل بعيد ميلاده مع رفاق له في أحد المقاهي، عندما ظهر رجال الجندرمة فجأة لاعتقال أخيه. في غمرة الموقف ركض هرباً قبل أن يُقبض عليه ويكبّل بالحديد ويلقى أرضاً على وجهه، فيما أثقل عليه ثلاثة من القوّة، التي نفّذت عمليّة الاعتقال، مما تسبب في مفارقته الحياة اختناقاً، وهو يتوسّل إليهم: «لا أستطيع التنفس، إنني أواجه صعوبة بالتنفس»، قبل أن يفقد الوعي ويسلم الرّوح لخالقها.
المتظاهرون في باريس كانوا يرددون قبل اشتباكهم العنيف مع الجندرمة، التي أرسلت لقمعهم: «القاتلُ ذات القاتل، والعنصريّةُ ذات العنصريّة».
بالطبع السلطات الفرنسيّة – كما أخواتها الأمريكيّة والإسرائيليّة – لم تعاقب أحداً في الحادثة، وقد بذلت المؤسسة الحاكمة جهوداً استثنائيّة لإبعاد اللّوم عن كوادرها، ولولا غضب أهل وجيران ورفاق آدم المستمر منذ أربع سنوات لأغلقت قضيته كوفاة طبيعيّة وانتهى الأمر.
إعدامات الفقراء والمضطهدين لن تبث تليفزيوناً ،
بالطبع لن يتوقف القاتل عن القتل، ولن يكون إياد أو جورج أو آدم آخر ضحاياه، ولن تتبخر العنصريّة البشعة ضد الآخرين المختلفين، سواء في العالم الجديد أو القديم أو في المستعمرات، دون انكسار هياكل القوّة التي ترتكز إليها اليوم. لكن حتى ذلك الحين، لا تتوقعوا أن تنقل إليكم غالبية التليفزيونات العربيّة سوى ما يمليه عليها ضميرها الحيّ، الذي لا يموت: الإعلام الأمريكي.

المصدر : القدس العربي
1