أحدث الأخبار
الأحد 20 أيلول/سبتمبر 2020
هل تعرف من قتلك يا مصطفى؟
بقلم : سهيل كيوان ... 21.05.2020

يُقتلُ بعضُ الناس دون أن يعرفوا من الذي اختطفَ أعمارهم، البعض كان يتوقع الجهة التي ستفعل، ولكنه قد يكون مخطئاً، وقد تختلط عليه الأمور، وقد يعرف المُنفِّذ، ولكنه لم يعرف من يقف وراء استحلال دمه ومن ثَمّ قتله.
وأنت يا مصطفى الدرويش، هل تدري من الذي قتلك بالضبط؟
ستقولُ لي، انظر إلى الأفلام التي سجّلتها الكاميرات، وسترى خمسة حراس وقفوا على مدخل مستشفى في تل هشومير في تل أبيب، هم الذين أطلقوا الرصاص عليّ، وإذا كنت لا تؤمن بالكاميرات فاسأل عيني والدتي التي استعطفتهم.
ستقولُ يا مصطفى إنهم جبناء، وأتفق معك تماماً، ستعترف أنه كان في يدك جارحة طول نصلها أربع سنتمترات، وبأنهم استفزّوك في ألفاظهم، فقفزت من المركبة مهدّداً بقصد تخويفهم، اشتبكتَ معهم بالأيدي، وسقطتَ على الأرض، أنت واحد وهم خمسة، وكان ممكناً أن يطلقوا النار على ساق واحدة للحصان المتمرّد، أو حتى على كلتا ساقيك، ولكنهم أطلقوا ثماني رصاصات على صدرك.
خجلتَ من التسليم لاستفزازهم لك، وربما كنت يائساً من مرض الصَّرع، فقد كنت على موعد مع عملية جراحية، ولم يفرق معك الأمر كثيراً! ولكن هذا يا عزيزي ليس مبرراً لإطلاق ثماني رصاصات على جسدك، حتى بعد أن كنتَ ملقياً على الأرض.
تقول يا مصطفى، إن إطلاق النار على عربي من يد حارس أو شرطي أو جندي صهيوني ليس مفاجئاً، فقافلة الضحايا والشهداء طويلة.
هذا صحيح يا مصطفى، ولكنها ليست إجابة وافية!
هم قتلوك لأن العرب الذين قُتلوا ويُقتلون بأيدي إخوتهم العرب بعشرات ومئات الآلاف!
هم قتلوك لأن الدم العربي رخيصٌ عند أهله.
عندما يهون الإنسان على أبناء جلدته فهو أهون على الغرباء.
ثأرك يا مصطفى ليس فقط عند هؤلاء الجبناء، إن ثأرك هو ثأر ملايين العرب، عند أبناء جلدتهم، إنه ثأرُ كلِّ من قتلوا ظلماً في شوارع العرب وسجونهم وميادينهم ومستشفياتهم وجامعاتهم ومصانعهم ورمالهم ومياههم.
يُقتل العربي في شارع ابن الوليد ويذبح وهو راقد في عيادة ابن البيطار وابن الهيثم وابن سينا، ويعدم في ثكنة طارق وعقبة وابن الطفيل والمثنّى، وقد يتعفن في سجنٍ حرّاسه وجلادوه وقضاته من العرب، إنهم هؤلاء الذين جعلوا دماءنا بلا ثمن.
قتلك ذاك الذي نسف عمارة ودفن كل من فيها تحت الأنقاض، هل تذكر بلقيس؟ هل سمعت أو قرأت هجاء نزار لهم؟ قتلك من يفجّر قافلة سيارات مدنية، ثم يجلس في مكتبه لتقبل التعازي بالضحايا. لقد غدر بك الممثل والمخرج والمصوّر والمنتج الذي قال إنك بعت وطنك لليهود، أنت الذي عضضت على تراب بلدك (عارة-المثلث) بنواجذك، أنت الذي كنت دائماً على رأس المنتفضين في كل وقعة ظلم وما أكثرها، وأول المعتقلين في كل مواجهة مع مغتصبي وطنك.
قتلك ذاك الذي ينقلب على الشرعية ويسجنها، وعندما تموت قهراً يدفنها سراً.
قتلك ذاك الذي أطلق سراح من قتلوا مواطناً من مواطنيه في قلب عاصمته، وأعادهم إلى جهازهم الأمني معزّزين مكرّمين.
قتلك ذلك الذي منع الفلسطيني من الصعود إلى الطائرة لأنه لاجئ. قتلك ذلك الحسّاس جداً للدم الأجنبي إذا أريقت قطرة منه، ويتحول إلى تمساح عمره ألف عام عندما تصطبغ الأنهار والخلجان العربية بالأحمر القاني.
قتلك المثقفون الذين يرون أن الوطن هو الجلاد، والجلاد هو الوطن، ليحظوا بأوسمة الشجاعة والفروسية والتضحيات الزائفة التي قرفتها اللغة.
سيدعي الحرّاس بأنهم تعرّضوا للخطر واضطروا للدفاع عن أنفسهم، ويُغلق ملف التحقيق، وفي أقصى حدٍ قد يوبّخوا على جبنهم، وليس لأنهم قتلوك.
وهذا سيمهّد الطريق إلى الجريمة القادمة.
لقد كنت رائعاً يا مصطفى، إذ سبق وأوصيت والدك بأنك إذا ما مِتّ يوماً، بأن يوزّع أعضاء جسدك على المحتاجين، وقد فعل، لعلّه يرى نور عينيك، ولو في رأس إنسان آخر.
لسنا ملائكة يا مصطفى، وممكن لنا أن نغضب، ومسموح لنا أن لا نكون مهذبين أحياناً، وأن ننزعج من حارس أو سائق وقح، وحتى من بائعة ورد، قد نرفع أصواتنا ونصرخ أحياناً بغير حق، وقد يكون نهارنا كله من أوله إلى آخره منحوساً، قد نغضب ونهدّد، ونتوعّد شرطيَّ مرور، وقد لا نلتزم بالوقوف في شارة قف، وقد نرفض ارتداء الكمّامة في مكان عام، ونرفض تسليم البطاقة الشخصية لحارس في مؤسسة، وقد نصرخ في وجه موظّف المَصْرِف الذي انشغل عنا بمكالمة شخصية خلال عمله، وقد لا نحترم الدور في فرع البريد، قد نبول على جدار في مكان عام، قد نخطئ مثل أيِّ بشر آخرين على وجه البسيطة، ولكن عقوبة هذه الأخطاء غرامة مالية، أو اعتقال لبضعة أيام، وحتى السّجن لبضعة أشهر، وليس الإعدام، فأنت لم تقتل أحداً، حتى كبار المجرمين لا يُعدمون.
لكنك يا مصطفى مواطن من الدرجة العاشرة، ولا أقول ثالثة أو ثانية، لأنك في بعض بلاد العرب قملة… هل تصدّق أن عرباً يسمعون فيروز في الصباح ويرقصون على أنغام الأناشيد الوطنية في مسارحهم وحفلات زفافهم يصفون إخوتهم في الوطن بأنه قملٌ تجب إبادته؟ هل فهمت يا مصطفى درويش يونس بعضاً من الأسباب الحقيقية التي جعلتهم يستحلّون دمك بهذه الخفّة؟

1