أحدث الأخبار
السبت 11 تموز/يوليو 2020
بين السخرية من العلم والحقن بالمعقمات!!
بقلم : سهيل كيوان ... 30.04.2020

الصراع الفكري بين الثنائيتين المثالية والمادية موجود منذ القِدَم، كان وما زال مستمراً، يَرجح تارة لصالح هذه وتارة لتلك، ونادراً ما يتصالحان. يقوى الاتجاه الفكري المادي ويهيمن، في ظل الرخاء الاقتصادي والعظمة العسكرية، والعيش في وهم القدرات اللامحدودة للإنسان والدولة، أو القيادة والحزب، والعكس صحيح، تنتعش المثالية والغيبيات في ظل الأزمات الاقتصادية، والهزائم العسكرية، والخوف واقتراب نهاية حياة الفرد أو انهيار الدول.
مع اجتياح الوباء المستجد للبشرية، وتهديده لكل فرد وأسرة، في معظم أرجاء الكون، بدأ كثير من الناس في مراجعة حساباتهم الروحانية، وهذا يعني العودة إلى التفكير الفلسفي، الذي بدا مهجوراً في العقود الأخيرة. جاء الوباء في أوج انتصارات وفتوحات الإنسان العلمية، حيث صار يعرف درجة حرارتك ونبضات قلبك وعدد أنفاسك وإجراء عمليات جراحية أو عسكرية أو علمية عن بعد آلاف وملايين الكيلومترات. وبدأت تظهر أفكار ونظريات عن الخلود الجسدي للإنسان، وإمكانية إجراء تعديل جيني يحول دون هرم الخلايا الحيوانية، الأمر الذي يضمن العيش لمئات السنين، وبدأ العلماء والباحثون يهمسون عن أفق علمي يتغلب فيه الإنسان على الموت.
جاءت صفعة الوباء لتعيد الإنسان إلى الأسئلة الوجودية والألغاز، التي ما زال يواجهها، ولن يتوقف عن مواجهتها، صفعة قوية بشكل خاص لمن ألقوا الروحانيات في سلة المهملات، ونظروا إلى الحياة والوجود كميدان لجمع المعلومات والمال والقوة، وما يتبع هذا من نظرة فوقية إلى الأمم والشعوب الضعيفة بتكبر واستعلاء وخطب شعبوية. هذه الصفعة أفقدت زعيماً عالمياً توازنه، جعلته من قمة مجده يقترح على العلماء أن يحاولوا استخدام حقن المعقمات والمطهرات في أجساد المرضى، في سقوط مريع وغير مسبوق، وتعامل مع المرض بخطاب شعبوي، كما لو كان خصماً سياسياً، إلا أن السؤال الأخلاقي والفلسفي الملحّ، كيف أتاحت الديمقراطية وصول مثل هذا النموذج البشري إلى مفاتيح السلطة في الدولة الأعظم في العالم؟
أعتقد أن على الفلاسفة والأمم الحرّة إعادة النظر في معنى الحرية، وكيفية إدارتها وعلاقتها في الحكم والسلطة وحدودها، خصوصاً في ظل هذا التطور العلمي الهائل، على الأقل كي لا يقع العالم والبشرية كلها في كفّ عفريت.
الحالة الجديدة تدفع المؤمن بحبل عقيدة روحية ما، إلى التمسّك بها أكثر وأكثر، فالظواهر الغامضة تخدم الروحاني، بغض النظر ما هي هذه العقيدة، فكل مؤمن سيرى في عقيدته ملاذاً وملجأ في الفترات العصيبة. بلا شك في أن من يتوضّأ خمس مرات في اليوم سيشعر بأن طريقته في العبادة لم تخذله، بل كانت عاملا إيجابياً في منع انتشار المرض، خصوصًا بين كبار السِّن، الذين عادة ما يكونون من المصلين، أضف إلى هذا قيمة احترام المُسن والحرص عليه، وتشدّد الأديان في هذا الجانب، أسهم في حماية كثير من المسنين، فمعظم المسنين العرب في فلسطين مثلا، يقضون آخر سنيهم في بيوتهم بين أبنائهم وكنائنهم، حيث تنبع العاطفة من رابطة الدم، ومن التربية الدينية والاجتماعية، التي تحثّ على تحمّل المسن في كبره، ويرى كثير من الرجال والنساء أنها فرصتهم لتطهير أنفسهم من خطاياهم.
على الجبهة المادية، كشفت الصحافة أكثر من مرة، عن ما يجري في بعض بيوت العجزة، من إهانات وشتائم وتهديدات وضربٍ للمسنين، رغم أن المؤسسة تحصل على المال من الوزارات، ومن شركات التأمين، إضافة إلى إكراميات يدفعها ذوو المسنين للعاملين في هذه المؤسسات، هنا يتجلى الفارق الشاسع بين الفكر المطعّم بالروحانية والأخلاق، والفكر المادي البحت، من دون إنكار لوجود مؤسّسات محترمة، وحالات خاصة تفرض نفسها، سواء على المسنين أو أبناء أسرهم.
ترتاح النفس عندما تمارس قناعتها، وعندما تكون متصالحة مع ذاتها، سواء من خلال الإيمان الديني والعقيدة والتأمّل، أو من خلال فنون كالموسيقى والشعر والرواية والرياضة، وهناك من يجمع بين هذه وتلك، فيؤمن بالغيب ويستمتع بالفنون بكل ألوانها ويمارس حياته العملية باجتهاد. وهناك من لا يؤمن بغير المادة، ويستثمر كل الإمكانيات حتى الفنون الجميلة، فقط لأجل الربح المادي، لدرجة قتل الروح، والسؤال الذي يسأله في نهاية أي نشاط: كم ربحتُ من الدولارات؟ هذا أيضا قد يكون مرتاحاً ولكن يجب ضبطه بأن لا يعتدي على الآخرين في سبيل تحقيق طموحاته المادية. أما المُتْعَب فهو من يمارس غير قناعته، سواء كان في مجال عبادة يشعر بأنها مفروضة عليه، فتتحول إلى مظاهر لاسترضاء المحيط الاجتماعي، أو حين يُرغمُ على إخفاء قناعته، مثل إجباره على الإفطار في رمضان، كما جرى لمسلمي الصين، تحت شعار إعادة التأهيل. كلاهما مُتعَب. تتحول العقيدة إلى عقبة إذا ما استخدمت شماعة للطفيليين والاتكاليين، والذين يتمسكون بأصولية المظهر، الذين ينأون عن العمل والاجتهاد، بل يسخرون من محاولات الإنسان في فهم معنى وجوده واكتشاف الكون، ومقاومته للأمراض والظواهر الطبيعية ومحاولات إيجاد علاج لها. من ناحية أخرى فإن النشاط والاجتهاد المادي المطلق، واستبعاد التأمل الروحاني والرفض المطلق للغيب، أي رفض كل ما لا نرى ولا نلمس، وما لا نستطيع تفسيره، يلقي بالإنسان في مهاوي المادية الصفيقة.
في نهاية الأمر نحتاج إلى وفاق ومصالحة وتوازن بين تلبية حاجات الإنسان المادية واحتياجاته الروحية، التي تعني الاجتهاد والعمل والأبحاث العلمية الجادة، وراحة البال والنفس، والطمأنينة والتسامي، والأخلاق والقيم والسلام، والتعاون بين الناس واحترام معتقداتهم وقناعاتهم من دون إرغام أو إكراه.

1