أحدث الأخبار
الثلاثاء 18 شباط/فبراير 2020
هازم العرب والفُرس !!
بقلم :  سهيل كيوان  ... 23.01.2020

جميل جدا أن يتبجّح رئيس حكومة متهم بالغش وخيانة الأمانة والرشوة، بأنه هزم القومية العربية، وسوف يهزم إيران الخمينية. لأجل الدقة فقط، فهو لم يهزم القومية العربية، بل هزم أولئك الذين يشبهونه إلى حد كبير، في الغش والنصب والرشوة وخيانة الأمانة. الذي هُزم، هم أولئك الذين اتخذوا من القومية العربية غطاء لظلم وقمع شعوبهم، وخنقوا كل بادرة حرية أو معارضة أو نقد بنّاء، الذي هُزم، هو أنظمة بدّدت طاقات شعوبها ومواردها في المؤامرات على بعضهم بعضاً.
لقد هُزم المنافقون الذين يهرولون للتطبيع مع نظام احتلال فاسد، ارتكب ويرتكب جرائم حربٍ وتطهير عرقي بحق شعب مستضعف منذ عقود. هُزم أولئك الذين يظنّون أنهم بتقرّبهم ونفاقهم لنصّاب دولي، يضمنون حليفاً استراتيجياً يحرسهم ويحميهم من غضب شعوبهم. الذي هزم، هم أولئك الذين تحدثوا باسم القومية العربية بينما كانوا يقصدون البطش بالمعارضين، شعارات في اليمين، وثروات في الشمال، تماما مثلما يحاول نتنياهو أن يغطي على فساده، بالمزاودة في الحماسة الاستيطانية وتسريع ضم الأغوار قبيل الانتخابات، لكسب الأصوات وابتزاز حصانةٍ تقيه من وقفة الذل أمام القضاة. انتصارات وهزائم الشعوب لا تقاس بأعمار الأفراد، فقد سبق نتنياهو كثيرون بغرور كهذا وأكبر منه، فبعد هزيمة يونيو/حزيران النكراء عام 1967 بأشهر قليلة، بدأ العرب حرب استنزاف أرغمت أمريكا على التدخل لوقفها بناء على إلحاح إسرائيلي، وبعد ست سنوات فقط ظهرت غولدا مئير منتحبة منفوشة الشعر مفجوعة على شاشة التلفزيون، تستعطف العالم وتقول» كم نحن صغار أمام الكبار وكم نحن قليلون أمام الكثيرين». هذا حدث عندما توفّر القرار السياسي والإرادة لكسر أنف الغطرسة والعدوان.
الذي هُزم هم من يقسّمون العرب إلى طوائف وشِيَع ومذاهب وآل بيت وآل مطبخ وآل صالون. أن تكون قومياً عربياً، لا يعني أن تتقبّل أنظمة ديكتاتورية فاشية طائفية قبلية مذهبية أو عسكرية قمعية. أن تكون قومياً عربياً لا يعني أن تتفاخر بأجدادك وبماضيك وعراقتك وأصالتك كي تهرب من وحل الحاضر، ثم تسدّ أذنيك، وتفقأ عينيك أمام كرنفال المزاودة في ضم الأرض العربية إلى دولة الاحتلال. أن تكون قومياً عربياً لا يعني أن تضطهد قوميات أخرى، تعيش معك تشاركك الأرض والماء والهواء والتاريخ نفسه، وأن تتجاهل حقوقها في تراثها ولغتها وثقافتها، وفي حكم ذاتي لها إذا ما تطلّب الأمر ذلك. أن تكون قوميًا متحرّرا، لا يعني أن تعادي الإسلام والمسلمين، فقرآن المسلمين عربي، والعرب هم الحلقة الأساسية في دين المسلمين، وهو دين أمميٌ يترفّع عن التقوقع من أي نوع كان، لأنه يرى إلى الناس كلهم بمنظور واحد.
لا يكفي أن تشتم أمريكا وإسرائيل، وأن تدوس على علميهما أو تحرقهما، لتصبح نظاماً صالحاً، ثم تغرق شعبك في الغيبيات والقمع
الذي يخشاه نتنياهو وأمثاله هو أنظمة عربية عصرية تنصف شعوبها وتحكم بالعدل، وتبني علاقات احترام وتبادل مصالح وندّية مع دول الجوار والعالم وشعوبه، «زيتونة لا شرقية ولا غربية»، وتأبى دفع الخاوة لأيٍ كان، وترفض العدوان والظلم والاحتلال تحت أي ذريعة كانت، وتنتصر للحق وأهله. نتنياهو يكره نظاماً عربياً أو إسلامياً قد ينقل شعبه إلى درجات عالية من التقدم والرفاه والحرية، ويحرص على قيم العدل ونصرة الضعفاء والمستضعفين. لا يكفي أن تشتم أمريكا وإسرائيل، وأن تدوس على علميهما أو تحرقهما، لتصبح نظاماً صالحاً، ثم تغرق شعبك في الغيبيات والقمع. ولا يكفي أن تقيم حفلات رقص وكحول وعريٍ كي تصبح ديمقراطيا، فالديمقراطية ليست عملية تجميلية مثل شفط الدهون ونفخ الصدور. نتنياهو لن يَهزم النظام الإيراني، فأنظمة القمع والعمى المذهبي والغيبيات كفيلة بهزيمة ذاتها بذاتها.
النصر الحقيقي للشعب الإيراني ليس بصنع قنبلة نووية، فهي قد تكون عبئا وحتى وبالا عليه، ماذا استفاد الشعب الكوري الشمالي من الصواريخ النووية التي صنعها النظام؟ سوى أنها رسّخت نظامًا من أسوأ الأنظمة على مرّ التاريخ.
النصر هو في حرية الأمة الإيرانية، وتبنّي قيم الديمقراطية والعمل على سلام وتهدئة المنطقة، والتعايش سلميا مع الجميع، والنأي عن لعبة الترهيب والحلب التي تمارسها أمريكا وحلفاؤها على دول المنطقة. سيكون صوت إيران ديمقراطية مسموعاً وثقلها الإقليمي والدولي أكثر بكثير من إيران الخمينية، وسيكون دعمها للقضية الفلسطينية أكثر فاعلية وتأثيرا، عندما يكون دعمها على أساس قيم العدل وليس بهدف تصدير الثورة الخيمينية. القومية العربية لا تتناقض مع القوميات الأخرى التي تعيش بين ظهراني العرب أو في جوارهم، وواجب العرب العمل على الاحترام المتبادل، وعدم ترك ثغرات للدول الطامعة في ثرواتهم وإقليمهم.
الأمة العربية عرفت في تاريخها مئات الهزائم، ولكنها عرفت أيضا كيف تستعيد ذاتها وتنتصر. من ينظر إلى البراكين التي ثارت في ميادين وشوارع وزنقات العواصم والمدن العربية في العقد الأخير، ولمّا تتوقف بعد، يدرك عمق التغييرات الجارية على روح الأمّة، وبأنها باتت على مسافة خطوات قليلة من تحولات تاريخية سيكون لها صداها على العالم كله، وستضع نتنياهو وعنترياته في الحجم والمكان الذي تستحقه.

1