أحدث الأخبار
السبت 19 أيلول/سبتمبر 2020
هل ثمّة من تاريخ بديل كان ممكناً لإيران؟ واشنطن أقّرت بدورها ولندن ما تزال صامتة !!
بقلم :  ندى حطيط  ... 27.12.2019

ما زال هناك عدد كبير من الأحياء الذين يذكرون أحداثاً تاريخيّة فاصلة صنعت بشكل أو آخر عالمنا المعاصر: حرب فيتنام، ثورة الطلاب 1968، سقوط جدار برلين، إنقراض الاتحاد السوفياتي، حادثة الحادي عشر من سبتمبر/أيلول. لكن قليلين يذكرون الآن تلك العمليّة الأمريكيّة – البريطانيّة المخابراتيّة المشتركة، التي نفّذت لإسقاط حكومة رئيس الوزراء الإيراني المنتخب محمّد مصدّق عام 1953، واستعادة السّلطة لمصلحة محمد رضا بهلوي شاه إيران لربع قرن، قبل إقصائه في 1979 إثر الثّورة الإيرانيّة. ومع ذلك فإن هذا الحدث – الذي كان على نحو ما أول انقلاب للإطاحة بحكومة وطنيّة منتخبة تنفّذه المخابرات المركزيّة الأمريكيّة (سي. آي. إيه) التي كانت لا تزال وقتها في عقدها الأوّل وتتعلّم على يد دهاقنة التجسس البريطانيين العتاة – يظهر بشكل مزايد كنقطة حاسمة في تاريخ الشرق الأوسط كان لها تأثيرات بالغة على الإقليم – والعالم – خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وربمّا ما زال يرخي بظلاله إلى اليوم على الشأن الإيراني المعاصر، الذي صار مسألة تعنى بها الدّول الكبرى قبل دول الإقليم المباشر للجمهوريّة الإسلاميّة.
وللحقيقة فإن مؤرخين كثراً، إيرانيين وغربيين، كتبوا تاريخ تلك المرحلة وسجلوا وقائعها وانطباعات مختلف الفرقاء عنها، إلا أن رواية صانعي الحدث، الأمريكي والبريطاني عنها بقيت مخفية وراء جدار سميك من الدّخان والتلميحات إلى أن أفرجت الولايات المتحدة عام 2013 – بعد مرور فترة انتظار امتدت ستين عاماً – عن مجموعة مهمة من أرشيف وثائق المخابرات المركزيّة الأمريكيّة بشأن تلك العمليّة المشتركة مع الحليف البريطانيّ – والتي أطلق عليها الاسم الكودي: آجاكس، بينما سماها شركاؤهم عمليّة بووت – الأمر الذي مكّن المؤرخين من إعادة رسم الحدث بصورته الأشمل وبأبعاد متعددة. لكن الحكومة البريطانيّة ما زالت تتكتم إلى اليوم طبيعة وتفاصيل دور جهاز استخباراتها (ال أم. آي. 16)، وتمتنع عن التعليق على الحدث، ولا تسمح حتى للخبراء بالنفاذ إلى أرشيفها في تلك المرحلة.
«انقلاب 53»: شهادة ثمينة تخترق الستارة السوداء
وثائقي «انقلاب – «53 (2019 – 118 دقيقة) يحاول أن يلقي الضوء على هذا الجزء، الذي اختارت حكومة جلالة الملكة تغييبه من الرّواية التاريخيّة عن تلك المرحلة، وهو عرض في عدة مهرجانات عالميّة، ومنها مهرجان لندن للأفلام في دورته الأخيرة قبل أسابيع وحاز على جوائز وتقييمات عاليّة من النّقاد ولجان التحكيم، ويتم التفاوض الآن على عرضه على عدة تلفزيونات عالميّة.
وعلى الرّغم من أنّ الفيلم، الذي استغرق البحث عقداً كاملاً لا ينجح بالحصول على الرّواية الرسميّة للسلطات البريطانيّة، إلا أنه تمكّن من ثقب ستارة السريّة الكثيفة حول الانقلاب من خلال نصّ مكتوب لمقابلة كانت سجّلت في وقت سابق مع «ماثيو داربي شاير»، ضابط الاستخبارات البريطانيّ، الذي من المفروض أنّه قاد التحضيرات للانقلاب على الأرض في طهران، وتولي شراء الولاءات ودفع الأموال وتوظيف عتاة الشوارع والبلطجيّة للقيام بالتظاهرات وأعمال الشّغب.
«داربي شاير»، الذي رحل عن عالمنا منذ بعض الوقت كان التزم الصمت طوال عقود، وهو قبل في المشاركة في فيلم وثائقي بريطانيّ أنتج في مرحلة الثمانينيّات – عن نهاية أيّام الإمبراطوريّة بعد الحرب العالميّة الثانيّة – لإحساسه بالمرارة من أن الأمريكيين يحاولون تزوير التاريخ ولعب دور البطولة في العمليّة على حساب الجانب البريطانيّ، بينما تكتفي حكومته بالصمت.
لكن تلك المقابلة اختفت، ولم تذع ضمن الفيلم المذكور، وأزيلت من نص السيناريو، الذي بقي في أرشيف هيئة الأفلام البريطانيّة كل إشارة عن العميل الغامض داربي شاير.
الطبيب الفضولي الذي يبحث عن الحقيقة
صانع الفيلم تاجي أميراني – ومنتجه – استمر مع ذلك في تقليب المواد الأرشيفيّة إلى أن عثر على تفريغ مكتوب لنص المقابلة مع داربي شاير كان ضائعاً بين أكوام الأوراق والوثائق التي تركها صانعو الفيلم القديم، وفيها يتحدّث عن تفاصيل نشاطه في طهران تلك المرحلة.
أميراني، قبل هذا الوثائقي كان عمل طبيباً في المملكة المتحدة، لكنّه احتفظ دائماً بفضول وشغف لفهم المرحلة التي أدت بعائلته البرجوازيّة للهجرة من إيران بعد ثورة 1979. وقد اشتعل هذا الشغف بشكل غلب على الرجل بعد مشاهدته تظاهرات لإيرانيين يطالبون بإسقاط حكم الملالي (2009) وهم يحملون صوراً لمحمد مصدّق، عزم لحظتها على تقديم صياغة متكاملة للحدث الذي غيّر إيران – ربمّا إلى الأبد – ورسم مصيره الشخصي ابناً لعائلة إيرانيّة مهاجرة تحصّلت على الجنسيّة البريطانيّة سريعاً واندمجت في الحياة هناك، ولم تعد لها صلات بالوطن.
الطبيب الفضوليّ قرر نهايةً تقديم خلاصة بحثه المحموم تلك الفترة في إطار بصري بعد أن كان شاهداً بنفسه على مرحلة صعود الوثائقيّات في الغرب، حيث باتت بشكل متعاظم أداة تأريخ وبناء سرديّات لفهم الماضي، وتصل إلى جمهور أكبر بما لا يقاس في ذلك الذي يرجع إلى الكتب والوثائق. وبما أنّه لم يكن خبيراً تقنياً في عالم الأفلام فقد لجأ إلى تعويض ذلك عبر الاستعانة بوولتر مورتش -وهو كاتب سيناريو معروف عمل في ثلاثيّة (أفلام العرّاب)، وكذلك (القيامة الآن)، وأيضاً رالف فيينس الممثل الشهير الذي لعب دور شخصيّة جاريث مالروي، مدير المخابرات البريطانيّة في سلسلة أفلام جيمس بوند، والذي قبل بقراءة نص المقابلة المفقودة أمام الكاميرا ومنحها حياة مصورة جديدة. وقد أضافت هذه المشاركة المبهرة مع الصور الأرشيفيّة النادرة للشخصيات التي عايشت تلك الفترة، والمقابلات مع الدبلوماسيين والسياسيين من الجانبين الغربي والإيراني، وكذلك الانفعال الظاهر على وجه أميراني، وهو يقدّم الموضوع وطريقة بحثه خلال الدقائق الأولى نوعاً من خصوصيّة على الشريط الذي يختلف في منهجيته عن أسلوب «بي بي سي» الفوقيّ بتقديم السرديّات التاريخيّة.
تاريخ بديل لإيران؟
يروي الفيلم الحدث المفصليّ لانقلاب 1953 من زواياه المختلفة، ويسجل لحظاته ومشاركات أبطاله وضحاياه، ويضيف تفاصيلا حول دور الشيوعيين الإيرانيين في تلك الفترة لناحية دعمهم لحكم مصدّق وحساسيّة الأمريكي والبريطاني تجاههم. لكنّ الشريط مع ذلك يبدو شديد الرّاهنيّة، ويدفع للتساؤل عن الدّور الغربي الحالي في ما يجري بإيران، ويطرح ثيمة هامّة ما لبثت تشغل بال الطبيب المهاجر، ولا شكّ مئات آلاف الإيرانيين في المنافي: ماذا لو بقي نظام مصدّق الوطنيّ، المنتخب شرعياً من الشعب الإيراني، ولم تتآمر الدول الكبرى لإسقاطه، إذن لكانت إيران اليوم تعيش مزاجاً سياسياً وحضارياً واجتماعياً مختلفاً تماماً، محرراً من العنف الثوري، والحرب مع العراق، وحكم تحالف الملالي – البازار؟
محور لندن – واشنطن: تجارة الديمقراطيّة الكاذبة
أميراني، المنحدر من عائلة بورجوازيّة معارضة للنظام الحالي، والبريطاني الجنسيّة الغربيّ الثقافة عندما يقدّم هذا الوثائقي – الوثيقة، لا يقصد إطلاقاً خدمة النظام الإسلاميّ في طهران، ولا يسبغ عليه بأي شكل تلك المصداقيّة، التي امتلكها محمّد مصدّق، الذي كان يتمتع بتأييد جارف بين الطبقات العاملة لا البرجوازيّة والإقطاع.
لكنّه في فيلمه يكشف بسطوع حقيقة ما لبث كثيرون يتناسونها في إطار صراعاتهم مع الأنظمة الحاكمة داخل بلادهم: محور واشنطن – لندن، مهما تشدّق بالديمقراطيّة والحريّات وحقوق الإنسان، فإنّه ليس معنياً سوى بتنصيب أنظمة مواليّة له سياسياً وخاضعة لنفوذه اقتصادياً، وتدخلّه هنا أوهناك – من طهران 1953، إلى بيروت 2019 مروراً في تشيلي 1973 وعشرات الانقلابات والثورات الملونة والكالحة لم تكن يوماً على الإطلاق في مصلحة الشعوب، سواء حكمها ديكتاتوريون عسكريّون أو ملوك متوجون أو سياسيّون منتخبون. إنهم تجار دماء وسعاة مصالح، ومن ينخدع ببضاعتهم اليوم، بعد كل التجارب التاريخيّة المتكررة إنما يفعل بخياره المحض.

المصدر: القدس العربي
1