أحدث الأخبار
الاثنين 19 آب/أغسطس 2019
خبزٌ ورقصٌ وشيء من الاشتراكية وكثير من الفقر في “المَخْبَز” الفنزويليّ !!
بقلم : ندى حطيط  ... 22.02.2019

ما يزال الشّأنُ الفنزويليّ موضوعاً ساخناً في النشرات الإخباريّة، ولا تكاد تخلو جريدة غربيّة أو عربيّة من مقال أو أكثر يحلل الأوضاع في الجمهوريّة البوليفاريّة ومآلات الأمور فيها بعد إعلان خوان غوايدو رئيس الجمعية الوطنيّة نفسه رئيساً انتقاليّاً للبلاد بدعم من الولايات المتحدّة وحلفائها في تحد صريح لسلطات نيكولاس مادورو الرئيس المنتخب وخليفة الزعيم الراحل هوغو تشافيز. لكن التقارير التلفزيونيّة والإخباريّة عن الحدث الفنزويليّ تبدو شديدة التناقض، وتعكس مواقف أيديولوجيّة محضة ترتبط بتوجهات القنوات المختلفة، وهو ما انسحب على التلفزيونات العربيّة – التي لا تمتلك خبرة كافية فيما يتعلق بأمريكا اللاتينيّة – فقامت تغرف تغطيتها من المحطات الغربيّة أو إنها اتخذت موقفاً محسوماً من الصراع، فتستضيف “الميادين” مادورو، بينما تستضيف “العربي” غوايدو وهكذا، ما يَجعل مهمّة المُشاهد البعيد عن ذلك الجزء القصيّ من العالم في فهم ما يجري فعلاً على الأرض مهمة معقدة وشبه مستحيلة.
من هنا تماماً تأتي أهميّة الفيلم الوثائقي “المخبز ” ( 2019 لصانعة الأفلام الفنزويليّة سوزي بينّا) الذي أطلقته جريدة “ذي غارديان” البريطانيّة على موقعها الإليكترونيّ قبل بضعة أيّام، إذ أنه يخترق كل الثرثرات المطولّة في نشرات الأخبار والتقارير المنحازة عمّا يحدث، ويأخذنا هناك بعين الكاميرا إلى قلب حيّ شعبيّ حقيقي بقلب كاراكاس، ليلتقط بعدسة مغرقة في واقعيّتها خلاصة معاناة الفنزويليين ومصدر مصاعبهم في الحياة هذي الأيّام من خلال سرد قصّة ناتاليا ورفاقها التشافيزيين الذين تولوا إدارة أحد المخابز المحليّة داخل العاصمة بعد أن أوقفت السلطات الحكوميّة أصحاب المخبز الأصليين عن العمل لثبوت سرقتهم الطحين ومتطلبات الإنتاج المدعومة من قبل الحكومة لبيعها في السوق السوداء ورفعهم الأسعار على المواطنين دون مبرر.
حرب “الخبز”: الفقراء
يريدون خبزاً لا كعكاً
يسجل الفيلم جانباً مما أسماه الرئيس مادورو عام 2017 بـ”حرب الخبز”. الفنزويليون العاديّون كانوا فوق كل متاعبهم – بسبب الحصار الأمريكيّ القاسي ضد بلادهم وما ترتب عليه من تراجع حاد في مداخيل البلاد المعتمدة بشكل شبه كليّ على مورد النفط – يعانون شحاً غير عاديّ في توفّر الخبز الذي يعتبر مكوناً أساساً من غذاء الطبقات الشعبيّة اليوميّ.
أصحاب المخابز داخل العاصمة ادعوا أن الحكومة لا تسلمهم سوى ربع حاجتهم من الطحين ولذا فإن إنتاجهم اليوميّ من الخبز ينفذ خلال ساعات قليلة.
بالطبع هؤلاء كانوا مجموعة تجار جشعين ثبت أنهم يشترون مكونات الخبز من السّلطات بأسعار زهيدة ثم يبيعون الجزء الأكبر منها للمافيات التي تتولى المتاجرة بها في السوق السوداء أو عبر حدود الدول المجاورة وجني الأرباح الطائلة وراء ذلك.
غضب الرّئيس مادورو على الهواء مباشرة – في برنامجه التلفزيونيّ الأسبوعي الموجه لمواطنيه – عندما تعالت شكاوى الناس من اختفاء الخبز رغم كل ما تنفقه الدّولة لدعم الطحين ومواد الإنتاج الأساسيّة، وهو أقسم وقتها على معاقبة الجشعين وتغريمهم ثمناً باهظاً جزاء جريمتهم تجويع الفقراء.
وبالفعل انطلقت فرق من الهيئة الوطنيّة العليا لحماية حقوق المجتمع الاقتصادية بغطاء من قوات الجيش والشرطة لإجراء كشوفات على المخابز. وقتها تعرض العديد منها لغرامات باهظة وحتى إلى الإغلاق واعتقال أصحابها بسبب كم هائل من المخالفات الصحيّة والإداريّة وتجاوز المواصفات، كما إخفاء الطحين والسكر والزبدة المدعومة من الحكومة وبيعها للمافيات ومن ثم استخدام جزء كبير مما قد يتبقى منها – بعد حصّة المافيا – في إنتاج الكعك والحلويّات الأكثر ربحيّة، بدلاً من توفير كميّات خبز كافية للمواطنين.
مخبز “بيت النّاس: الفقراء إلى العمل
وثائقيّ “المخبز” يسجلّ قصة أحد تلك المخابز المحليّة التي أغلقتها السلطات وقتها، بعدما تقدّمت مجموعة من الناشطين اليساريين التشافيزيين في الحيّ إلى فتحه وإعادة تشغيله خدمة للسكان وأصبح اسمه “بيت الناس”. من بين هؤلاء ناتاليا – شخصيّة الوثائقي المحوريّة – وزوجها وعدة رفاق لهما. وبالفعل عاد المخبز للعمل بطاقته القصوى سريعاً، ونجح في سد جزء أساس من حاجة الناس.
ناتاليا المهاجرة إلى كاراكاس بحثاً عن فرصة للدخول في عالم الرّقص الاحترافي انتهت تُمضي سحابة نهارها تدير شؤون المخبز، بينما تقضي لياليها في سهرات راقصة تنظمها والرّفاق لسكان الحيّ الفقراء الذين رغم كل بؤسهم يسلمون أرواحهم لشيطان الفرح على الألحان اللاتينية الصّاخبة.
لكن التعاونية الاشتراكية التي أدارت المخبز ما لبثت أن تعرضت لنكسة بعدما حصل أصحابه الأصليّون على أمر محكمة بإغلاقه كليّاً واستعادته من أيدي الناس. وهنا تقود ناتاليا مع زوجها وطفلتها حديثة الولادة تظاهرة مع السّكان المحليين أمام تلك المحكمة لإيقاف القرار. وبعد أسبوع من النضال ينجحون بإعادة مخبز “بيت الناس” إلى التنفس من جديد.
في ذمّ مادورو ومع ذلك
الفنزويليون يستحقون الحياة
بالطبع فإن صحيفة ذي غارديان، وحتى مؤسسة بيل ومليندا جيتس التي دعمت إنتاج الوثائقيّ لا يميلان إلى تأييد مادورو، ولذا فإن الفيلم فيه حنين جارف إلى أيّام هوغو تشافيز، بينما تتقاطع الأحداث والصور وحتى الحوارات على إدانة عصر مادورو واعتبار أن اليساريين التشافيزيين – بمن فيهم ناتاليا – ليسوا راضين عن الحكومة الحاليّة، لكنهم يفضلونها بالتأكيد على حكومة يمينية سوف تضطّهدهم حتماً، كما تفعل حكومة كولومبيا المجاورة مع المنحدرين من السكان الأصليين للقارة.
هذا بالطبع إلى إظهار شكل مجتزئ من النموذج التشافيزيّ للإشتراكية التي ليس لها من الإشتراكية سوى اسمها. لكن الوثائقي النهائي، ورغم تلك الرّسائل السياسيّة المباشرة، أتى بغير ما أراده أصحابه فيما يبدو، إذ أنّه قدّم صورة شديدة العذوبة عن مجموعة من الفنزويليين المهمشين الذين يحبون الحياة ويناضلون لتحصيل الخبز المرّ، وأن أمثال هؤلاء لا يشكلون أي تهديد للغرب يستحق من أجله أن تتعرض بلادهم لغزو الجرينغجوز (الاسم المحليّ الذي يطلق على الأمريكيين الشماليين). كما ويظهر المرأة الفنزويليّة – ناتاليا نموذجا – شريكة نضال سياسيّ كاملة، تمارس رقصها بحريّة في كل وقت، وتعمل بجديّة داخل المنزل كما المخبز، وهي موضع احتفال كأم، وحبيبة وزوجة ومواطنة وراقصة ومتظاهرة ومناضلة حزبيّة ويرفع لها الجميع القبعات عندما تتحدث عن حربها الأساسيّة التي هي ليست ضد البطريركيّة بقدر ما هي حرب طبقيّة صارخة.
على ذمة “ذي غارديان”؟
بغير محتوى الفيلم الذي أثار جدالات بين مؤيدي مادورو ومعارضيه، فإن الملحوظ أن منصة عرضه كانت موقع صحيفة “ذي غارديان” البريطانيّة المعروفة.
وتبدو الصحيفة التي تعاني كما غيرها من تراجع مبيعاتها الورقيّة وفقدان الثقّة بنزاهة محتواها بأنها تعمل بهدوء ولكن بدّقة واستمرارية على تطوير موقعها الإليكترونيّ وعلاقتها بالقارئ المعاصر ومنها تحويل ذي غارديان إلى نوع من مشهدية إعلامية متكاملة بصريّة وسمعيّة ومطبوعة تكسر صيغة العمل الصحفي التقليدي المتمحور حول الطرف المُنتج وتعيد موضعته بالكامل حول المُتلقي. ويأتي هذا “المخبز” الجدليّ الذي أنتج لصالح الصحيفة ليعطي ركن الأفلام الوثائقيّة على موقع ذي غارديان شعبيّة إضافيّة حيث يتم عرض وثائقيّ جديد من إنتاجها مرّة كل شهر في تجربة مرشّحة للتوسع إن وجدت قبولاً لدى الجمهور.
ربما قد يكون حان الوقت للجميع، تلفزيونات وصحفاً للخروج من عزلة قلاعهم المحصنة والتفكير في طبيعة العلاقة المختلفة التي يريدها متلقو المادة الإعلاميّة اليوم. الوثائقيات -كما في “مخبز” ذي غارديان – ستكون دون شك فرصة كل من الطرفين للدخول في فضاء الطرف الآخر، لقد تغيّر كوكبنا، فهذا زمان الكاميرا.

*المصدر : القدس العربي
1