أحدث الأخبار
السبت 19 كانون ثاني/يناير 2019
رسالة إلى أسير فلسطيني!!
بقلم : رشاد أبوشاور  ... 19.12.2018

أخي الغالي الصابر الصامد في الأسر رغم المعاناة الهائلة، وكل أنواع العذاب البدني والنفسي.
اعذرني لعدم مخاطبتك باسمك الصريح..حرصا عليك.
منذ بدا احتلال العدو الصهيوني لوطننا فلسطين، وبعد إعلان دولته في العام أيّار عام 48 أسر هذا العدو ألوف المناضلين الفلسطينيين رجالا ونساء، واستشرس هذا العدو في حملاته الإجرامية بعد هزيمة حزيران، منتشيا بنصره السهل، واستكمال احتلاله لكل فلسطين، وقلبها القدس، وسيناء، والجولان.
لكنه بوغت بنهوض المقاومة، وتطورها، وازدياد خبراتها، ومضاء عزيمة رجالها ونسائها، والتفاف شعبنا حولها، وهذا ما افقده صوابه، فلجا لاستخدام أعنف وسائل القمع، والمطاردة، والعقاب لأهلنا الملتفين حول مقاومته الباسلة التي أفسدت على هذا العدو نشوته، وخيّبت أمله ببسط هيمنته على ما احتل من أرض بدون خسائر، بل وبراحة وطمأنينة.
مع مضي السنوات، وتنامي منجزات المقاومة، والمعارك المجيدة التي خاضتها، و..الخيبات التي عانتها، ومع ارتفاع أعداد الأسرى والأسيرات، رجالاً ونساءً وأطفالاً، كان الطبيعي، والمطلوب، أن تُكتب تجارب ومعاناة هؤلاء الأسرى والأسيرات..ومن يكتبها غيرهم ، هم الذين خبروها، وكابدوها، وتركت بصماتها على أبدانهم، وأرواحهم؟
الأسرى خاضوا معارك مشرّفة ، وهم داخل السجون، وانتزعوا بعض حقوقهم التي تنص عليها اتفاقات دولية حول حقوق الأسرى، تضمن كرامتهم، وتصون آدميتهم، وقد حققوها بإضراباتهم المتواصلة أفرادا وجماعات، وأنت ممن شاركوا في هذه الإضرابات، وتعرف تفاصيلها أكثر مني بكثير، فأنا قرأت عنها، ولكن السمع ليس كالمعاناة ودفع الثمن البدني والنفسي.
انتزعتم حقكم في مواصلة التعليم الجامعي، وحمل كثيرون منكم شهادات جامعية، وواصل تعليمه بعد الخروج من السجن..ومنكم اليوم أساتذة جامعيون، وصفيون وباحثون مختصون في الشأن( الإسرائيلي) يتقنون العبرية ، ويتابعون كل جوانب عدونا، عسكرية، واقتصادية، وصراعاته الاجتماعية...
صديقي وأخي:
سررت بروايتك، وتلقفتها بلهفة، وقرأتها بعناية، وتوقفت عند كل كلمة من كلماتها، وهي مكتوبة بحرارة، وبمصداقية وبدون ادعاء...
عشرات ألوف الفلسطينيين والفلسطينيات أدخلوا سجون العدو، وتعرضوا لبطش جلاوزته، ورووا لنا بعض ما كابدوه، ولكنه للأسف لم يكتبوا معاناتهم، تجاربهم، فبقيت كلها في نفوسهم فنسيت...
قلائل هم من كتبوا تجاربهم، وهذا الأمر محيّر، وباعث على التساؤل. لماذا هذا التقصير؟ سألت نفسي مرارا وتكرارا: لماذا؟ حاولت تلمس الأسباب: أيكون الأمر عائدا للتواضع؟ أيكون لحرص الأسرى على عدم البوح عن تفاصيل العمليات التي قاموا بتا، ومن نظمهم، ومع من كانوا يعملون، وكيف كانوا يتحركون..الخ؟! أيكون أحد الأسباب أن الفصائل التي ينتمي إليها الأسرى والأسيرات لا تشجّع على الكتابة..إهمالاً ولامبالاة، ولأنها غبر معنية ( بالثقافة) ، وغير معنية بمراكمة مكتبة غنية بأدب السجون، والترويج لتجارب الأسرى رغم أهميتها لينتفع بها كل فلسطيني وفلسطينية؟
أكثر من خمسين سنة مرّت على حرب حزيران 67، وعلى نهوض حالة المقاومة الفلسطينية، ومع ذلك، ورغم دخول وخروج – بعلميات التبادل- عشرات ألوف الأسرى والأسيرات..فلم نقرأ سوى عدد قليل من الروايات، والمجموعات القصصية، والقصائد الشعرية...
معاناة الأسرى والأسيرات، لو كتبت بعناية، وتم توصيلها إلى العالم، فغنها ستفضح 0جوهر) هذا العدو الصهيوني الذي يقترف جرائم بحق هؤلاء الأسرى والأسيرات، ويبتكر أساليب ووسائل تعذيب جهنمية لم تخطر ببال النازيين..وللسف فهي تروى شفويا في جلسات ولقاءات ..ولا تدوّن من قبل من خبروها!
قبل سنوات التقيت ببعض الأسرى، وهم إعلاميون ومثقفون ، وقد اخبروني أنهم بعد قضاء سنوات في سجون الاحتلال، كتبوا معا كُتيبا صغير ضمنوه معلومات عن كل وسائل وأساليب التحقيق، بحيث يتسلح بمعرفتها كل فلسطيني، فلا يتمكن المحققون الصهاينة مهما برعوا في ابتداع وسائل تعذيب، واستدراج، من انتزاع أي اعترافات تضر به...
بذلك الكُتيّب انتفع فلسطينيون وفلسطينيات وصمدوا، وافسدوا على المحققين الصهاينة مكائد خبثهم ودهائهم...
أخي العزيز الأسير البطل:
وصلتني روايتك، وقرأتها كما أسلفتن و( تأثرت) بها، وتألمت، وفي بعض صفحاتها شعرت وكأنني معك في زنازين التحقيق، وفي مواجهة ( كمائن) الاستدراج، وأمام محاولات( الإسقاط) بانتزاع اعتراف بالمكيدة..وباستخدام ( مستعربين)، وأحيانا ( ساقطين) حوّلوا إلى ( عصافير) – لا تغرد فتشجي- ولكن ليكونوا آذانا تلتقط كل كلمة من السير الذي قد يقع في براثنهم ويثق بهم انطلاقا من إنهم أخوة وأبناء شعب ..وفي نفس الزنازين!
ليس مطلوبا من الأسير أن يكتب وكأنه روائي محترف، فيكفي أن يروي تجربته بلغة سليمة – ما أمكن- وأن لا يؤلّف شخصيات، وإن كان من حقه أن لا يحكي عن شخصيات حقيقية بأسمائها..وتقية فإنه ( يركّز) على التجربة، ويغيّر اسم صاحبها، وربما عنوان مكانه..بلده، مخيمه، قريته..الخ.
لغتك سليمة، مؤثرة، ولك عين تلاحظ بدقّة سمات وملامح زملاء السجن، وتجربتك غنية، وأنت صادق في البوح، وبعيد عن الادعاء...
عندما يقرأ أي شاب فلسطيني وشابة ما كتبت سيحذر أساليب التحقيق، (العصافير)، ومن يلتقي بهم ويقدمون أنفسهم كمتدينين بلحى – وهم عملاء ومستعربون، وضباط أمن صهاينة – ولن يخدع بنقله من زنزانة إلى أُخرى بحجة أن التحقيق انتهى معه – بعد مرحلة التعذيب..والصمود- ف(هم) يدبرون له الكمائن التي لن تتوقف قبل الإيقاع..والتي يمكن أن ينتصر عليها متسلحا بصلابة الروح، وباليقظة، وبالفطنة..وبسوء الظن بما يحيط به!
الأخطاء اللغوية قليلة، وهذا ما يبرهن على أنك تقرأ جيدا – وأنا أعرف أن عندكم كتبا متنوعة، ومنها الروايات – ولن أنصحك بالقراءة..لأنك تقرأ، ولأنك تخوض معركة الانتصار على الفراغ بالقراءة والكتابة.
سأعمل على تزويدك بكتاب جيد يساعدك على تجنب الأخطاء القاعدية، وإن أمكن أيضا ببعض الروايات..وسبق أن وصلتك أنت وأخوتك بعض الروايات مني.
سأنصحك، إن سمحت لي، بان لا ( تؤلف)، وأن لا تستعرض ( ثقافتك) الدينية وغير الدينية، مع إنني اعرف وأحترم تشبثك بالدين لتحصين نفسك، ولكن القارئ – وأرجو أن لا يغيب هذا عن بالك – يريد أن يقرأ ( بدقة) وطبعا ( بعمق) تجاربكم التي لا يمكن لأحد غيركم – أنتم الأسرى البطال- كتابتها.
وبعد: فغنني اشكر ثقتك بي، وتكريمي بإرسال روايتك لأقراها وأزودك برأيي فيها...
أعرفن كما أخبرتني، أنك تكتب حاليا الجزء الثاني من الرواية، فالجزء الأول يدور حول فترة التحقيق، وأن الجزء الثاني سيكون حول فترة السجن.زاي ما بعد التحقيق، أي حياة الأسرى اليومية في معاناتهم، وإبداعاتهم، وأشكال معاناتهم..ومعاركهم من سجانيهم لانتزاع حقوقهم.
ألوف الأسرى، في عشرات السجون: كيف يعيشون؟ كيف يعبرون عن أشواقهم لأسرهم للحياة مع أهلهم..في مدنهم، في قراهم، في مخيماتهم؟ كيف يتعاملون مع بعضهم، وهم ينتمون لاتجاهات سياسية مختلفة ..ومتصارعة؟!
أعتقد أنك مهيأ لتقديم عملين روائيين هامين يسدان فراغا ونقصا، ولا أبالغ إن توقعت أنك قد تلهم آخرين ليكتبوا تجارب الأسر والأسرى، لأن هذه التجارب لا يمكن أن ( تقلوها9 روايتان..أو عشر ورايات، أو حتى مئات الروايات.
صديقي وأخي:
أنت ترجىء نشر ورايتك، وهذا حقك، وتنتظر أن تنجز الجزء الثاني منها...
وأنا أنتظر نيلك لحريتك، وأتمنى أن نلتقي ذات يوم، وأن أحتفي بك مع القرّاء والأهل...
رواياتك مفعمة بالشوق للحرية، والحب لفلسطين، وبالإيمان الصادق..فواصل، وشجع غيرك على أن يكتب، فتجاربكم غنية وثمينة، وشعبنا بحاجة لأن يعرفكم، ويُعرّف بكم، كبشر..لا كأرقام!
رشاد أبوشاور

1