أحدث الأخبار
السبت 19 كانون ثاني/يناير 2019
الخوف… !!
بقلم : سهيل كيوان ... 06.12.2018


كنت في الخامسة عشرة عندما مررت بتجربة خوف حقيقية، كان درساً قاسياً ما زال مطبوعاً في ذاكرتي.
يومها رافقت خالي إلى مكان عمله، كان عامل صيانة مع بعض العمال من القرية في أحد مستشفيات حيفا المختصة بالمسنين، وكان خالي مشهوراً بالمقالب التي ينفّذها مع العمال وطاقم وضيوف المستشفى، يحكيها لنا وهو يضحك ويضحكنا.
خلال النهار انشغل في عمله، وتركني أتعرف على أقسام المستشفى والحديقة الحرجية المحيطة به، وذلك لتمرير الوقت. خلال تسكّعي وصلت إلى القسم الأبعد وراء المستشفى حيث مخازن ملابس، وأسرّة، وعربات، ومغسلة كبيرة، وأقسام تبدو مهملة.
وقفت بالقرب من باب أزرق كبير لا أعرف ما وراءه، حين أطل أحد العاملين بملابس عمال المستشفى الزرقاء، كان نحيلاً طويل القامة، يضع نظارات طبية على عينيه، فسألني بالعبرية: – ما الذي تفعله هنا يا فتى؟
– أنا جئت برفقة خالي!
– ومن خالك؟
– خالي حميد..
ابتسم وقال: آه، حميد خالك؟ إنه صديقي…
– آه…
– فعلاً إنك تشبهه، ولماذا تقف هنا؟
– أتعرف أقسام المستشفى…
– حسناً، أشجاع أنت، أم تخاف؟
– ومم أخاف؟ لا شيء مخيف هنا!
– إذاً تعال معي، سأعلمك أمراً مهمّاً.
خطا في اتجاه الباب الأزرق العريض الذي وقفنا بقربه، فتحه وقال: تعال هنا وادخل، خطوت ودخلت، وفوراً أقفل الباب من ورائي.
استغربت، لماذا فعل هذا؟ التفتّ حولي فعرفت أنها ثلاجة، انتظرت حتى يفتح، ولكنه لم يفعل، مرّت ثوانٍ، التفتُّ ورائي مرة أخرى، فرأيت جسداً ملفوفاً بالأبيض لم يظهر منه سوى إبهام قدمه، وفهمت أنها ثلاجة الموتى، انسحب اللون من وجهي، أردت أن أصرخ، ولكنني خجلت من الصراخ، قلت إنه يمتحن شجاعتي، تمالكت نفسي!
مرت بضع ثوان، وبدأت أتحدث محاولاً إخفاء توتّري.. افتح، افتح لماذا أغلقت الثلاجة؟
لم يرد، بدأ ريقي يجف وشعرت بدوار خفيف، لماذا فعل هذا معي مع أنه لم يبد لي عدوانياً، كيف طاوعته وقبلت اقتراحه بالدخول؟!
صرت أقرع الباب بضربات خفيفة كي لا يشعر بأنني جزعت، ولكنه واصل صمته، لا أسمع شيئاً سوى صوت المروحة، نظرت حولي مرة أخرى، بدأ الخوف يغزوني، أنا في الثلاجة وورائي جثة ميت، ولا أعرف هذا الذي أدخلني إليها، أي أبله أنا، لماذا وافقته؟ ربما ترك الثلاجة وابتعد، ربما كان له ثأر مع خالي وليس صديقه كما ادعى، وهذا الميت.. ألن يتحرّك؟ وماذا لو استيقظ من موته؟ الموتى لا يستيقظون، ولكنه قد يتحرك، سمعت قصصاً عن استيقاظ موتى في الطريق إلى مثواهم الأخير، حدثنا خالي أنه اختبأ مرة تحت عربة ميت في الثلاجة، وعندما دخل أحدهم لإخراج ذلك الميت راح يهز العربة بقوّة فولى الرجل هارباً هلعاً.
لماذا تركني داخل الثلاجة، سوف أتجمّد وأموت، صرت أطرق الباب بقوة لعل أحداً ما يمر خارج الثلاجة وينقذني! الثلاجة لا تتوقف، شعرت بالبرد والقشعريرة، يا إلهي، مرت في خاطري قصص أطفال اختنقوا في ثلاجات مهملة أمام بيوتهم، بدأت في طرق الباب بقوة أكبر، بقبضتيّ ثم بقدميّ، ثم بدأت أصرخ بالعبرية.. هيه.. هيه افتح افتح…راح ندائي يتصاعد أقوى وأقوى.. لا تمزح معي هكذا، هذا ليس مزاحاً.
صمته جعلني أشعر بالانهيار، لا أحد يسمعني، سوف أموت إذاً. صرت أبكي في صمت، إنه يريد قتلي، أبكي وأضرب جدران الثلاجة، افتح افتح افتح، ثم بدأت أنادي.. خالي حميد..عمي مصطفى، عمي حسن، أنا هون، أنا في الثلاجة. صرت أضرب بقدميّ أقوى وأقوى، بدأت أفقد السيطرة على عقلي، سأجنّ هلعاً، أصيح بالعبرية تارة، وبالعربية تارة أخرى.. هيه افتحوا الباب، افتحوا الباب، أنت هناك.. افتح الباب!
الآن سوف يستيقظ هذا الميت ويهاجمني، سينتقم مني لأنني دخلت ثلاجته، شعرت بأنني على وشك الانهيار التام، ركلت الباب بقوة محاولاً خلعه، ولكن كان واضحاً أن الأمر مستحيل، وفجأة شعرت بحركة قريبة جداً من الباب، هناك شخص في الخارج، ربما هو نفسه، وربما إنسان آخر، سأتماسك ولا أريد أن يعرف أحد بأنني بكيت، سأتظاهر بالشجاعة، أسمع صوت حركة خفيفة من خارج الباب، هناك من يتحسّس يد الباب، نعم نعم. كما يبدو يريد أن يفتح الباب…
-هيا افتحوا أنا أتجمّد هنا…
مسحت عينيّ بسرعة وانتظرت أن يفتح كي أقول له: لِمَ فعلت هذا؟
اهتز الباب.. ها هو على وشك أن يفتح، هيا هيا افتح، واضح أن هناك شيئاً يتحرك، سيفتح، يا إلهي لماذا هذا التباطؤ، هيا افتح الباب، وأخيراً انشق الباب فرأيت النور والمسطبة، دفعت الباب وخرجت، لم أستطع إخفاء ملامحي ومشاعري المختلطة بين الغضب والخوف والفرحة بالخروج!
قال مبتسماً بخبث: هل خفت؟
– يوجد ميت داخل الثلاجة…
– الميت لا يُخيف…
– ولكنك أقفلت الباب، لم فعلت هذا؟
كان واضحاً أنني بكيت، ويبدو أنه تلذذ بفعلته.
– وهل تعرف كم مكثت داخل الثلاجة؟
– خمس دقائق…
– هه، أي خمس دقائق، هي ثلاثون ثانية فقط.
– غير صحيح.
– انظر إلى الساعة، أقسم إنها نصف دقيقة فقط.
– لا أصدق.
– كل ما في الأمر أنك خفت ولم تعد تسيطر على نفسك، أتفهمك يا عزيزي، هذا ما يحدث للكثيرين، وكان في إمكانك أن تفتح الباب من الداخل لولا خوفك الشديد!
– كيف أفتحه من الداخل؟
تعال وانظر كيف تفتح الباب من داخل الثلاجة إذا انغلقت من خلفك. دخل إلى الثلاجة وأقفل الباب من ورائه، استغربت جرأته، ولكنه بكل بساطة فتح الباب.
انظر هذه الكبسة هنا، إذا انغلق عليك باب هذه الثلاجة أو باب ثلاجة الخضار أو أي ثلاجة أخرى، في إمكانك أن تفتحها من الداخل، بهذه الكبسة، انظر.. دخل مرة أخرى وأغلق وراءه ثم فتح وقال: تعال ادخل معي وانظر كيف تفتح إذا علقت في يوم ما! حينئذ تجاسرت ودخلت معه رغم عدم اطمئناني، فأغلق الباب من ورائنا، ووقفنا في مواجهة بعضنا، ونظر في عينيّ من علٍ نظرة من تلك النظرات السّامة التي اشتهر بها محمود المليجي، كان يحاول أن يرى الخوف وحتى الرعب في عينيّ، الآن أيقنت بأنه مجرم، وأوشكت أن أصرخ مرة أخرى،
وحينئذ رأيت هلعاً في عينيه، وكأنه شعر بأنني على وشك الإغماء من شدة الخوف، فصاح مرتبكاً وبسرعة: اضرب هنا.
ضربت كفي بقوة حيث أشار إلى زر معدني فوق القفل، فانفتح الباب، واندفعت خارجاً.
خرج من ورائي بتباطؤ وابتسم: هل عرفت الآن كيف تخرج إذا علقت؟ قل لخالك حميد إن الخياط أبراهام علّمني اليوم ما علّمته أنت له شخصياً، ولكل من يصل المستشفى للعمل في يومه الأول!!

1