أحدث الأخبار
الأحد 09 كانون أول/ديسمبر 2018
وهل بقيت إسرائيل عدوّا عاقلا يا أستاذ زيدان؟
بقلم : سهيل كيوان ... 04.10.2018

وصف الروائي المصري يوسف زيدان منتقدي تصريحه بأنه مستعد لزيارة إسرائيل لإلقاء محاضرات في جامعاتها، بالجهلة، وكان قد أعرب عن استعداده لزيارتها شرط توجيه الدعوة عن طريق اتحاد الكتاب المصريين ووزارة الخارجية المصرية. وقال إنه في حال موافقة هذه الجهات، سوف يقصد إسرائيل بالعلن لتقديم محاضرات في جامعاتها خدمة لبلده كما يقول.
بهذا الموقف أراد الروائي يوسف زيدان تغطية رسمية ومعنوية لخطوة يحلم بها، وهي زيارة إسرائيل، فبماذا يمكن أن يخدم بلده في محاضراته؟ وماذا بإمكانه أن يقدّم ما لم تستطع تقديمه التنازلات اللانهائية التي قُدّمت لإسرائيل! يرى زيدان في إسرائيل عدوا عاقلا، فهل هي عاقلة حقّا كما يقول؟ وإذا ما كانت عدوّا عاقلا، فهل ما زالت كذلك؟
العدو العاقل الذي يتحدث عنه زيدان، رفض ويرفض إعطاء أي أمل في حل سلمي، وأحرج سُلطة رام الله، وعلى رأسها السيد محمود عباس إلى أبعد الحدود، عندما رفض من يقف على رأسها أي نوع من التفاهم، سوى الاستسلام التام غير المشروط، بل إنه بات يرفض حتى الاستسلام، إنه يريد تطبيق ما يفكر ويحلم به، وهو تطهير عرقي لمناطق فلسطينية واسعة من الفلسطينيين، كي تبقى المنطقة من النهر إلى البحر ذات طابع يهودي. لو كانت إدارة النظام العنصري في إسرائيل عاقلة لما أصرت على تحويل المواجهة مع الفلسطينيين إلى مواجهة دينية، فهي لا تكف عن استفزاز العرب والمسلمين بشكل خاص في اقتحام أحد أهم مقدساتهم، فأين العقلانية بهذه الاستفزازات اليومية التي جعلت من القدس مدينة دائمة التوتر، والتي كانت الشرارة التي أشعلت انتفاضة الأقصى عام 2000؟ في زمن ما، كانوا ينشرون في العالم دعاية عن استعدادهم للتعايش مع دولة فلسطينية مستقلة في حسن جوار وتعاون، كانوا يتظاهرون أمام العالم بمحاربة التعصب الديني والقومي، أين هم من هذا اليوم؟ ألم تقنع كل ممارسات الاحتلال الاستيطانية، ثم قانون القومية السيد زيدان بأن هذا العدو لم يعد عاقلا منذ زمن بعيد! في يوم ما اختبأوا وراء ما سموه رفض العرب للسلام، ولكن هل ما زالت هذه الحجج تنطلي على أحد؟ أين التعقل بإهانة روسيا التي سمحت لهم بضرب قوات وأسلحة إيرانية على أرض سوريا، وساعدتهم في منع وصول أسلحة إلى حزب الله؟ أين العقلانية بحشر صديقه بوتين في زاوية أرغمه فيها على تسليح سوريا بالأس 300 – رغم أنني أشك بوجود آلية تتيح لإسرائيل تنفيذ أهدافها من دون التعرض لصدام مع هذه الصواريخ، وبرأيي أن مشغليها سيكونون من الروس.
دور المثقّف أن يكون متقدما على الناس العاديين، وأن ينير الطريق لهم، لا أن يضللهم، فالفرق شاسع بين التسليم بأمر واقع الاحتلال، والواقعية السياسية. موقف السيد زيدان هو الموقف السياسي الرسمي العربي المتواطئ الذي أعلنه البعض وما زال يخفيه البعض. زيدان بموقفه هذا، هو وبعض المثقفين والفنانين والسياسيين العرب يُضعف ولا يقوّي القوى الإسرائيلية المناوئة لسياسة التوسّع على قلتها، فهو بموقفه هذا يعطي حجّة قوية بيد المتطرفين بأن سياسة الاحتلال وتجاهل حقوق الفلسطينيين والقانون الدولي ونهج الحصار والمصادرة والطرد والقوة، يثمر علاقات طيبة مع العرب، ويؤكد نظرية إسرائيلية عنصرية بأن العرب لا يفهمون سوى لغة القوة وفرض الأمر الواقع، هذه هي الرسالة التي تصل إلى دولة وساسة وفناني الاحتلال وللشارع الإسرائيلي، علما بأن كثيرين من الفنانين الإسرائيليين اليهود يرفضون تقديم عروض فنية في المستوطنات، من منطلقات مبدئية.
يقدم زيدان نموذجا مُحبِطا لمثقفين يهود، ومثقفين من العالم يتضامنون مع قضية الشعب الفلسطيني، ويطعن حركة المقاطعة العالمية للاحتلال والعنصرية، ويصطف إلى جانب أنظمة التعاون الأمني مع إسرائيل. زيدان في موقفه هذا، كأنما يقول بأن العرب لم يتوجهوا توجّها سلميا لإقناع اليهود برغبتهم في التعايش والسلام؟ فهل هذا صحيح؟ وهل هناك من يجهل أن اتفاقيات السلام مع مصر والأردن والتهافت من ورائهما لم يزد إسرائيل سوى غيا وتطرفا؟ فهل خطاباته في جامعات إسرائيل ستغيّر عقلية الإسرائيليين! يقول السيد زيدان إن هناك من يريدون إرضاء شرائح شعبية على حساب القضايا الجوهرية وذلك من خلال رفض التطبيع، وهو بهذا يحاول كسب شعبية في أوساط المثقفين الإسرائيليين والأجانب على حساب القضية الجوهرية. كي تكون تقدّميا ونورانيا لا يكفي أن تكون معاديا للتطرف الديني أو التعصب القومي ولأي تعصب كان، أنت مطالب أيضا بموقف واضح من الظالمين أنفسهم، في بلدك وفي فلسطين وفي العالم العربي. موقف السيّد زيدان سبقته مواقف له، وخصوصا استماتته ليثبت علاقة العرب الواهنة بالقدس، والتأكيد على أن علاقة اليهود فيها أشد وأعمق، وسحبّ قطعة من التاريخ طولها بضعة عقود منذ أكثر من ألفي عام وألقاها على هذه الحقبة الحديثة، كي يبرر شرعية احتلال إسرائيل للقدس التي أسستها قبائل العرب قبل آلاف السنين، وليبدو هذا الاحتلال تحريرا.
أخيرا، درس ويدرس عشرات الآلاف من أبنائنا من منطقة 48 في الجامعات الإسرائيلية التي يطمح زيدان إلى زيارتها، وهم يدركون عنصرية المؤسسة التي تعاملهم كغرباء في وطنهم، ويقاومون هذه العنصرية بكبرياء، وينظرون باحترام لكل أحرار العرب والعالم الذين يدعمون حقّهم وحق شعبهم بأن يعيش حرّا كريما في وطنه، وليس من حق السيد زيدان المزايدة على الفلسطينيين والعرب الرافضين للخنوع أمام العنصرية والفاشية والهمجية الإسرائيلية واتهامهم بالجهل والمزايدة!!

1