أحدث الأخبار
الجمعة 17 آب/أغسطس 2018
إلى صاحب الحلم مارتن لوثر كينغ!!
بقلم : سهيل كيوان ... 18.01.2018

حضرة الدكتور مارتن لوثر كينغ، تحية لروحك الثائرة الخضراء حيثما كانت.
سهم لن أحدثك عن زعيم بلادك الذي وصف شعوبًا ودولًا بالحثالات بسبب لون بشراتهم، أعرف أنك قرفان أكثر منا نحن الأحياء.
سأحدثك عن علاقة هبوط أو ارتفاع أثمان الشقق بسبب لون بشرات سكانها أو انتمائهم العرقي.
معروف يا سيدي أن قيمة الشقق في عمارة ما، قد تهبط بسبب نوعية ساكنيها، فإذا سكن مُجرم في إحدى شققها وصار مصدرا للمشاكل، ابتعد الناس عنها وهبطت أثمانها، وقد قالت العرب الجار قبل الدار.
أردت أن أخبرك أنه إضافة إلى ما يسمى الخلفية الاجتماعية الاقتصادية لسكان العمارة، هناك العامل العرقي، فالعمارة التي تدخل في إحدى شققها أسرة عربية في مدينة مثل حيفا أو عكا أو اللد أو الرملة أو نتسيرت عيليت يترنح ثمن الشقق فيها ويهبط، لأن هناك كثيرين يرفضون السكن في عمارة فيها عرب. لهذا فإن بعض المستثمرين اليهود يتعهدون لزبائنهم بأن لا يبيعوا شققا في العمارة لعرب، هذا التعهد يكون شفاهيا، وقد يكون بصيغة احتيالية مثل: إن هذه الشقق مخصصة لذوي الاتجاه الديني القومي، أو للمتدينين اليهود فقط، أو لخريجي الجيش فقط!
لا يوجد قانون صريح يمنع عربيا من اقتناء شقة، ولكن هناك مئات التجمعات السكنية التي يمنع العرب من الاقتراب منها، لأن الأمر مرهون بيد لجنة قبول في كل تجمع سكاني، وطبعا لا قبول لعربي بحجج شتى، ألطفها التباين الثقافي.
يعلن المستثمرون في الصحف والمواقع الإلكترونية عن شقق للبيع، فما عليك إلا أن ترسل رقم هاتفك واسمك وعنوانك وهم سيعودون إليك، عادة يعرفون من اسمك ومكان سكنك بأنك عربي فلا يعودون إليك أبدا.
حدث مرة نقض لاتفاق شفاهي بين مستثمر ومقتنيي الشقق، فقد تمكن عربي من المراوغة واقتناء شقة في عمارة في شمال عكا، كان سكانها قد وُعدوا بأن تكون خالية من العرب، فاحتجوا وتظاهروا أمام مكتب المستثمر،لا بل أحضروا الصحافة، وطالبوا بترحيل العربي من العمارة، ولكن لا يوجد قانون يسمح بإخراج مواطن من شقته لأسباب عرقية، فتوجه وفد من لجنة سكان العمارة للتفاهم مع هذا العربي الدخيل، وطلبوا منه بأن يخلي شقته بالتراضي، وتعهدوا له بإعادة ما دفع وزيادة عليها عشرة آلاف دولار فقط كي تبقى العمارة نظيفة من العرب، لكنه رفض العرض، ليس سهلا على عربي وجد شقة أن يتنازل عنها، فمسيرة البحث الإعجازية ستبدأ من جديد، وهناك من يعلنها صراحة لا لبيع الشقق للعرب، في العفولة مثلا فاز عدد من العرب في مناقصة على عدد من الشقق في مشروع إسكان، فقامت قيامة البلدية والشعب ووصلت القضية إلى المحاكم بحجة المحافظة على الطابع اليهودي للمدينة.
كان هذا العربي من عكا قد اقتنى الشقة باسم زوجته، عندما اتصلوا بها من مكتب المستثمر تحدثت بعبرية رشيقة، وعرّفت على نفسها بأنها مُدرسة للموسيقى واسمها كارمن، حتى لفظها لحرف الراء لفظته مثل اليهود الشكناز(غاء) ليس تصنعا، بل هكذا هي منذ الولادة، هكذا دفعت مقدمة من ثمن الشقة ووقّعت الاتفاق.
فقط حين حضر زوجها خليل اكتشفت مديرة المبيعات أنهما عربيان فسألتها..
- منذ متى يسمي العرب كارمن؟
- هذا والدي أحب رواية ألمانية اسم بطلتها كارمن!
- والدك يقرأ روايات ألمانية، كل احترام..
- نعم وروايات كولومبية..
لم تستطع الشركة المستثمرة التراجع، ولكنهم طلبوا من كارمن وزوجها خليل الأخذ بعين الاعتبار حساسية الوضع العام، وعدم لفت الأنظار إلى كونهما عربا، كي لا ينأى اليهود عن العمارة فيهبط ثمن الشقق فيها.
كارمن العنيدة، شعرت بإهانة كبيرة، وصارت تجلس على شرفتها وتتحدث مع والدتها وشقيقتها وصديقاتها بصوت عربي مبين مرتفع.
انتقل سر كارمن من طابق إلى طابق، ومن عمارة إلى أخرى، وما لبثت أن بدأت أثمان الشقق في العمارة بالهبوط، ولكن انظر المعجزة التي حدثت، في الوقت الذي هبط ثمن الشقق في العمارة لدى اليهود فقد ارتفع عند العرب، فالعربي مستعد لأن يدفع أكثر كي يحظى بشقة بسبب ضائقته، هكذا وبقدر ما يسبب العرب هبوطا بقيمة الشقق بالنسبة للمستهلك اليهودي حيث يوجدون، فإنهم يكونون سببا بارتفاع قيمتها لدى العربي طالب المسكن، حينئذ ينتهز اليهودي الفرصة لبيع شقته لعربي لأن العربي مستعد لأن يدفع عشرات آلاف الدولارات أكثر من ثمنها الحقيقي، ثم يبيعها العربي لعربي آخر محتاج بزيادة كبيرة عن ثمنها نتيجة التضييق على العرب في قراهم ومدنهم.
هكذا وبعد سنوات قليلة يتحول سكان العمارة كلهم من العرب وفي عمارة أخرى كلهم من اليهود فقط، وتبدأ اللعبة من جديد وتطير أسعار الشقق وتتضاعف خلال سنوات قليلة في المدن المختلطة.
ستقول يا سيد لوثر إنها قضية قومية، حسنا فاليهود الأثيوبيون أيضا لديهم قدرة سحرية على تخفيض أثمان الشقق في العمارة التي يحلون فيها، يُغلف إخوانهم الشكناز والسفارديم عنصريتهم بادعاء أنهم يريدون لهم بأن يسكنوا في بيئة ملائمة لثقافتهم، وأنه من الأفضل للأثيوبي أن يسكن في عمارة كل سكانها بلون جلدته كي لا يحدث تضارب بين روائح طبائخ الأثيوبيين الحارة وطبائخ الشكناز الباردة.
الشكناز والسفارديم يحبون الأثيوبيين ويتعاطفون معهم، شرط أن لا يسكنوا معهم في العمارة نفسها.
قد تستغرب هذا،لأن الأمريكيين يرون بإسرائيل عنوانا للديمقراطية، ولكنها في الواقع مثل زعيم الأمة الأمريكية الحالي عنوان للعنصرية، هذا طرف خيط من جبل العنصرية العفن، ولن أزعجك بالمزيد، فحلمك الإنساني لم ينته بعد، وما زال يواجه مقاومة شرسة من ذوي الدم الأزرق، فقط أردت القول لك، نحن أيضا لدينا حلم بأن نعيش أحرارا متساوين، وبأن لا نكون محرومين من حق الإقامة في أي مكان من ربوع وطننا، وأن لا يكون وجودنا في عمارة ما سببا في هبوط أو ارتفاع أثمان شققها…

1