عاجل
  • ديار النقب : بمناسبة حلول عيد الفطر السعيد..كل عام وانتم واحبابكم بالف خير
الاثنين 26 حزيران/يونيو 2017
الزواج من الجنيّة…!!
بقلم : سهيل كيوان ... 16.02.2017

سن كنيست إسرائيل قبل أسبوعين قانونا يقضي بالسجن بضع سنوات لمن يتزوج بأكثر من واحدة، وهو قانون سياسي موجه ضد العرب أساسا و»خطرهم الديمغرافي»، وخصوصا البدو من أهل النقب الذين يثنّون ويثلثّون ويربّعون بشكل طبيعي جدا.
هذا القانون ذكرني بقصة حدثت معي.
كنت أعمل يومها في صحيفة محلية، فجأة انتبهت لوقوف رجل يبدو في الثلاثينيات من عمره، كان واضحا من ملامحه القلقة وعرقه المتصبب تحت غرة شعره الأسود الناعم أنه في ضائقة.
قلت له
- تفضل واسترح، بماذا أستطيع خدمتك!
- قالوا لي إنك ابن حلال..
شعرت بارتياح وقلت
-أهلا وسهلا بك، ما هي مشكلتك؟
- أرجوك لا تسخر مني كالآخرين!
- أعوذ بالله، كيف أسخر منك أو من غيرك، تفضّل إحك، نحن هنا لخدمة الناس.
-بارك الله بك، توسّمت هذا من ملامحك، ولكن قصتي غريبة «شوي»!
صار لدي فضول كبير
- لا تهتم، إحك قصتك، فالحياة مليئة بالقصص، هل ضايقك أحد ما؟
- جنّنني، وجئت لإعلان براءتي منه!
فعلا طلبه صعب جدا، فإعلان البراءة يتعارض مع سياسة الصحيفة، نحن لا ننشر هذا النوع من الإعلانات، لأنها تزيد الضغائن بين الناس، وكثيرا ما يندم صاحب إعلان كهذا ويتراجع، ونصبح نحن الملامين.
-ومن هو الذي ستعلن براءتك منه!
-شقيقي السافل عامر..
-ولماذا هل اختلفتما على ميراث؟
-لا أبدا، الميراث لم نختلف عليه، ولكنه ضربني واتهمني بالجنون واعتقلت بسببه، أريد إعلان براءتي منه!
-ولو! كيف يمكن أن يضربك ويتهمك بالجنون وعلى ماذا؟
-القصة طويلة…
-إحك لي ما الذي حدث!
-وهل تلبي لي طلبي بإعلان براءة منه إذا حكيت لك؟
أثار فضولي أكثر فقلت
- إحك لي قصتك أولا كي أقرر…
-القصة يا سيدي باختصار أن هناك جنية تطاردني!
-جنية تطاردك!
-نعم جنية تطاردني وتريد الزواج مني..
-تقصد امرأة جميلة مثل الجنية!
-لا بل هي جنية حقيقية، جنية يا أخي، لماذا لا تصدقون أنها جنية، الجن ذُكر في القرآن الكريم أم أنك من هؤلاء المنكرين.
كان يتحدث بانفعال وبقع عرق تنتشر على قميصه الأزرق تحت ثدييه وإبطيه، قلت لنفسي يجب أن أداريه
- أنا أصدّقك، ولكن لماذا تطاردك الجنية أنت بالذات!
-لأنها تعشقني بجنون!
- تعشقك! نظرت إليه من أعلى لأسفل ومن أسفل إلى أعلى
وقلت: نيالك يا عم، وما المشكلة إذا عشقتك جنية!
-تريد أن نتزوج!
-ولم لا تتزوجان!
-زوجتي ترفض أن أتزوج عليها! الضرة مُرّة ولو كانت جرّة..
- إذن دعك من الجنية وابق مع زوجتك وأولادك.
-إنها عاشقة مجنونة لا تتركني للحظة، تخرج لي من كل مكان، ما عدت أرى غيرها…
-حسنا لمَ لا تتزوجها سرا وترتاح! لن يدري أحد بهذا الزواج..
-إنها مصرة على إقامة حفل زفاف مثل أي عروس، وتريد أن يعلم كل الجن والإنس بزواجنا، لقد اشترت الملابس والمكياج وكل ضرورات العرس وعيّنت موعدا للعرس!
-وأين المشكلة بأن يعلم الإنس والجن بزواجكما؟
- زوجتي يا أخي! قلت لها إن الله حلل للمسلم الزواج بأكثر من واحدة، فملأت الحارة صراخا، ثم ذهبت إلى أشقائها وأخبرتهم عن نيتي بالزواج، وأخوتها أخبروا شقيقي، وشقيقي السافل عامر هددني واتهمني بالجنون، وشتم الإنس والجن، وقال كلاما بذيئا عن عروستي، وهي أشرف المخلوقات، جن جنوني وقلت له احترم نفسك، فرفع يده عليّ.
-ضربك؟
-صفعني، فرددت له الصفعة، واشتبكنا، تدخل أشقاء زوجتي بعضهم ليفصل بيننا وبعضهم انحاز معه، كسّرنا كراسيَ وأكوابا وزهريات، وهُرع الجيران، الوحش، لو استطاع لقتلني، ضايقني جدا في المطبخ فتناولت سكين فاكهة، لم يتراجع فجرحت يده، النذل ذهب وقدم شكوى للشرطة، فاعتقلوني وأبعدوني عن البيت لأربعين يوما، أنا قادم الآن من مركز الشرطة وأريد إعلان براءة منه!
-يا أخي نحن لا نسرع بنشر إعلانات براءة، فكر جيدا، أنت غاضب الآن.
-فكرت جيدا…وخذ ثمن الإعلان كما تشاء..
-ما رأيك بأن أصلح بينكما.
-أرجوك لا تعمل لي مثل جورج قرداحي، بعد سجني وتهديدي بإدخالي مستشفى المجانين وإبعادي عن بيتي وأسرتي! هل هذا تصرف أشقاء! هل تعرف ما هي عقوبتي إذا ثبتت تهمة طعنه بالسكين! سيجعلونني إرهابيا، سوف أسجن بضع سنوات، أو يمنحوني شهادة مجنون! والمجنون لا يستطيع ممارسة حياته الطبيعية، سوف يصادرون مني رخصة قيادة السيارة، ولن أقبل في أي عمل، وسينظر الناس إلي بأنني مريض نفسي، وستكون حياتي جحيما بسببه، أنا طبيعي وكل جريمتي أن جنية أحبتني وأحببتها وقررنا الزواج!
-أمرٌ محير، لماذا اختارتك أنت!
-نحن بعلاقة منذ سنتين، إنها تلاحقني من مكان إلى مكان، أحبتني بجنون لأنني طيب ونيتي صافية، وقالت لي: يجب أن أتزوجك على سنة الله ورسوله، فهي من الجن المؤمن، وتريد أن تنجب مني طفلة بالحلال، نصفها جنية ونصفها إنسية، ما رأيك أنت!
-بماذا؟
-بمخلوق نصفه جن ونصفه إنس!
-برأيي أنه موجود منذ زمن بعيد.
-إذن الحمد لله أنك تصدقني!
-طبعا أصدقك..
-شكرا لك فأنت محترم، ولن تخيّب أملي، هيا أكتب إعلان البراءة!
-أعتذر منك فنحن لا ننشر هذه الأخبار!
-ولكنك وعدتني بالنشر!
ومرة أخرى قلت
- هي قضية سوء تفاهم ولا داعي للبراءة، يا أخي المسامح كريم.
-إذن أنت جبان ومخادع، وسوف تتلقى عقابك قريبا جدا، ستجد عقارب في فراشك وصراصير في طعامك، وسوف تُكسر ساقك في الحمام. وقفت وتقدمت منه محاولا إقناعه بصحة موقفي ولكنه واصل شتائمه وخرج غاضبا..
أحضرت كأس ماء وعدت وجلست وراء طاولتي، محاولا العودة والتركيز في عملي، ولكن صوته وصورته وهو يتحدث لم يفارقاني، صحيح أنني لا أؤمن بأن جنية تريد الزواج منه، ولكنني ما زلت محتارا، هل هي قصة ألفها وعاشها في أوهامه حتى صارت تبدو له حقيقة وصدقها! أم أن في حياته امرأة حقيقية من الإنس يريد الزواج منها ولكنه عجز عن المواجهة، ففكر بأن يخلط الأوراق وزعم بأنها جنية…

1