أحدث الأخبار
الجمعة 23 آب/أغسطس 2019
جائزة لثقافة المقاومة!!
بقلم : رشاد أبوشاور  ... 23.01.2013

في الذكرى الأولى لرحيل الأستاذ بهجت أبوغربية، قررت أسرته أن تؤسس لجائزة تمنح في كل عام لمناضل متميز، أو مثقف منحاز لثقافة المقاومة، دون تحديد جغرافي، فالأستاذ بهجت كان مناضلاً وطنيا، قوميا، إنسانيا، أمضى كل سني عمره، أمّا مقاتلاً بالبندقية، أوسجينا، أو مطاردا متخفيا، وفي كل أحواله كان يبني عملاً جماعيا، فهو لم يكن معنيا بتكريس نفسه بطلاً فردا.
في كل بلاد العالم يحتفى بالأبطال، فأمة بلا أبطال هي أمة بلا تاريخ وطني، وهي أمة لا تعتز بنفسها، وتفتقد للشعور بالكرامة.
في حالتنا نحن العرب، يمكن القول، دون ادعاء، بأن تاريخـــنا القديم، والمعاصر، حافل بالأبطال، وعلى كل الأرض العربية مشرقا ومغربا.
وطننا العربي، منذ انهيار الدولة العثمانية، تناهبته الدول الاستعمارية: بريطانيا، فرنسا، ومن بعد أميركا،وكانت إسبانيا قد اجتاحت المغرب، وما زالت تستعمر مدينتين من مدنه هما سبتة ومليلية، أمّا فرنسا فقد اجتاحت الجزائر بحجة المروحة التي ضرب بها والي الجزائر قنصلها، وليبيا اعتبرها الدوتشي موسوليني أرضا إيطالية، تماما كما اعتبرت فرنسا الجزائر أرضها الأفريقية.
على امتداد أرض العرب بين المحيط والخليج، تفجرت ثورات، وبرز أبطال، ولم يتحقق الاستقلال، حتى المشوه، والناقص، إلاّ بالمقاومة، وبروح المقاومة، وقيم المقاومة التي ألهمت من ضحوا بحياتهم فداءً لأوطانهم، وأمتهم.
كتابات المفكرين، ونداءات الشعراء، وأقوال الأبطال على أعواد المشانق، ما زالت تتردد في أرجاء وطننا العربي الكبير، فما أن يرتفع نداء المقاومة حتى تستعاد القصائد والأناشيد التي تحض على الثورة، مخاطبة الضمائر، والكرامة، وروح الانتماء لأمة عريقة مزقها، واستباحها أعداؤها المتحالفون عليها، والذين منحوا قلبها وجوهرتها فلسطين للصهاينة، لتكون جغرافيا عازلة بين مشرق الوطن الكبير ومغربه.
على أرض فلسطين، وفي أتون معاركها، برز أبطال منذ مطلع القرن العشرين، تصدوا للتغلغل الصهيوني، وللاحتلال البريطاني_ سمي تدليسا بالانتداب، لشرعنته بقرار من عصبة الأمم!_ منهم من أعدم رغم شيخوخته، كالشيخ فرحان السعدي، وفي أوج شبابه: كأبطال هبة ال29: حجازي، وجمجوم، وعطا الزير.
قوافل الأبطال الذين لا ننساهم، ولا يجوز أن لا تتعلم الأجيال دروس حياتهم، وبطولاتهم، يتقدمهم: عبد القادر الحسيني، المثقف، الشاعر، وعبد الرحيم محمود الشاعر والمعلّم، وهو رفيق عبد القادر في المنفى والسجن، والشيخ حسن سلامه، وعبد الرحيم الحاج محمد..والقائمة تطول، وأنا أذكّر حتى نستذكر قوافل الأبطال الذين أججوا نيران ثوراتنا، ومقاومتنا، ورفعوا لواء حرية وطننا وشعبنا.
هل ننسى من تركوا أقطارهم ووفدوا إلى فلسطين، بعد أن حددوا الخطر الداهم للأمة على أرض فلسطين؟ من ينسى الشيخ عز الدين القسام، السوري، أحد أبطال ثورة الشيخ صالح العلي، البطل الذي رفض تقسيم سورية إلى دويلات، وأفشل مشروع فرنسا الجهنمي الرامي لتقسيم سورية إلى ثلاث دول.
هل ننسى البطل سعيد العاص، الذي شارك في قيادة صورة شعب فلسطين واستشهد وهو يغطي انسحاب نائبه عبد القادر الحسيني ورجاله، في معركة وادي فوكين عام 1936؟
أذكّر بان فلسطين أرض الأبطال والبطولة، وأرض كل العرب المقاومين، والبطولات التي من العار أن تنسى، وتجحد، ويعتم عليها، إهمالاً ولامبالاة، أو قصدا.
لست أنسى أنني قرأت ذات يوم ، قبل سنوات بعيدة، ما يشبه الإعلان، في صحيفة أردنية، تذكّر فيه السيدة (سعاد) ابنة البطل القائد سعيد العاص باستشهاد أبيها!
هناك في الثورات من يتعمدون التعمية على تراث البطولة، والأبطال، لأنها تضعهم في أحجامهم الصغيرة، كونهم لم يقدموا ما هو جدير بالتقدير، فما بالك بما ينتحلونه لأنفسهم من بطولة، ودور؟!
في حالتنا الفلسطينية، تشكل لجان تدعي لنفسها أنها لجان (تخليد)، وكان مفاتيح الخلود في أيديها، وبعد إصدارها لنشرة غير ذات قيمة، وعقدها لمهرجان يمتلئ بالصراخ، تنفض يديها من هم التخليد، فهي فعلت ما تقدر على فعله، وكفى الله المُخلدين متاعب التخليد!
هذا ما فعلته، وتفعله الفصائل الفلسطينية، عن (أبطال) زمننا، وأما من لا ينضوون تحت رايات هذه الفصائل، فلا تخليد له، ولا خلود!
الأستاذ بهجت أبوغربية، الثائر الزاهد، القائد الميداني، المثقف النزيه، والمتقشف في حياته، وأحد أبرز قادة شعبنا في القرن العشرين، توفي قبل عام، والذكرى الأولى لرحيله لن تمر إلاّ وقد أعلن عن جائزة باسمه، هي: جائزة بهجت أبوغربية لثقافة المقاومة.
شكلت لجنة للجائزة، ووُضعت معايير منح الجائز، وتقرر أن يكون يوم 27 الجاري هو يوم إعلان الفائز بالجائزة، المناضل الكبير بسام الشكعة، رئيس بلدية نابلس السابق، والذي تعرض لمحاولة اغتيال مع عدد من رؤساء البلديات، بترت إثرها ساقاه، بتاريخ 2 حزيران 1980.
الجناة الصهاينة أرادوا قتل هؤلاء القادة الشعبيين، للدور الوطني الوطني الذي لعبوه في صمود شعبنا، وإفشال مخططات الصهاينة الرامية لتمزيق وحدة شعبنا الوطنية.
حياة الأستاذ بهجت أبوغربية الممتدة منذ العام 1916 وحتى العام 2012، تداخلت بالمسيرة الكفاحية لشعبنا على امتداد القرن العشرين، والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ليس في فلسطين وحدها، ولكنها امتدت إلى الأردن، ولذا لا غرابة أن يمنحه مناضلو (الضفتين) لقب (شيخ المناضلين في الضفتين).
حتى النفس الأخير، وفي زيارتنا الأخيرة له، قبل رحيله بأيام قليلة، ظل يقظ العقل، والروح، يتابع كل ما يجري في الوطن العربي، يستفسر، يمرر ملاحظة تدل على بعد نظر، وحرص، وتأمل إنسان لا يأخذ الأمور على علاّتها.
الأستاذ بهجت كان أحد مؤسسي منظمة التحرير، وشارك في لجنتها التنفيذية الأولى، وفي المجلس الوطني، والمجلس المركزي، واستقال احتجاجا على التخلي عن مواد أساسية في الميثاق الوطني، ولكنه لم يتقاعد، فهو ثوري أصيل، ولذا واصل نشاطاته محاضرا، ومشاركا في الندوات، والنشاطات الشعبية. وترك لنا زادا فكريا بكتابيه: (في خضم النضال الوطني الفلسطيني) و(من النكبة إلى انتفاضة).
في هذين العملين الكبيرين، يمكن أن نقرأ التاريخ المعاصر للكفاح الوطني الفلسطيني، وسير أعظم أبطالنا، وكل جرائم بريطانيا بحق شعبنا ووطننا، وممارسات الصهاينة منذ بدا تغلغلهم، وكل أوجه التقصير العربي الرسمي تجاه فلسطين وشعبها.
أن تمنح جائزة بهجت أبوغربية للمناضل الكبير بسام الشكعة، فهي تمنح من كبير لكبير، ممن أعطى عمره كله لفلسطين، ولأمته، لمن أعطى دمه ونصف جسده لفلسطين، وما زال يواصل النضال، فالمجرمون الصهاينة رغم فداحة جريمتهم عجزوا عن إسكات صوت (أبونضال) الشكعة، وإطفاء شعلة روحه الوضاءة.
ماذا يمكن أن تكون جائزة باسم الأستاذ بهجت أبوغربية، سوى: جائزة لثقافة المقاومة؟

1