أحدث الأخبار
الثلاثاء 14 تموز/يوليو 2020
المرأة تزعج أرباب العمل بكسر صمتها على الأجر!!
بقلم : يمينة حمدي ... 08.06.2020

ظريات مختلفة تؤكد أن سدّ الفجوة المستمرة في الأجور يتطلب من النساء تعلم فنون التفاوض والإقناع، وهو السبيل الأمثل للقضاء على مشكلة التفاوت في الأجور بين الجنسين.
يقول الكاتب الأيرلندي الساخر جورج برنارد شو “التفاوض هو فن تقسيم الكعكة بطريقة ينصرف بعدها كلٌ من الحضور معتقدا أنه حصل على الجزء الأكبر”، ويبدو أن هناك درسا مهما يمكن أن تتعلمه النساء من هذه المقولة، وهو طريقة التفاوض والاعتداد بالنفس، لأن الإنصاف في الرواتب بين الجنسين لا يحدث من تلقاء نفسه.
لا تزال الفجوة في الأجور بين الجنسين أمرا بعيدا عن التغيير في المستقبل القريب في معظم بلدان العالم، ومن غير المتوقع أن تنتزع النساء المساواة مع الرجال في الأجر، قبل حلول عام 2277، بحسب ما جاء في “تقرير الفجوة بين الجنسين العالمي لعام 2020”، الذي قام بقياس الفجوة بين الجنسين من 153 دولة في مجال الاقتصاد والسياسة والتعليم والصحة.
ووفقا للتقرير السنوي الصادر عن منظمة العمل الدولية حول الأجور العالمية لعامي 2018 و2019، فإن المرأة على الصعيد العالمي تتقاضى أجرا يقل بنسبة 20 في المئة تقريبا عما يتقاضاه الرجل.
ويعزو المدافعون عن حقوق المرأة ذلك، إلى التمييز الذكوري الذي يمارس على جنس الأنثى، والذي يجعل أرباب العمل أقل سخاء معها، سواء من الناحية المالية أو من ناحية تقلد المناصب الوظيفية العليا، غير أن دراسات جديدة سلطت الضوء على الدور الذي تلعبه المرأة نفسها، إما في الحد من مشكلة التفاوت في الأجور بين الجنسين وإما في زيادة اتساعها.
وترجح بعض الأبحاث التي أجريت في السنوات القليلة الماضية، أن امتناع النساء عن التفاوض على الأجر، يعد سببا رئيسيا في عدم القضاء على إحدى المشكلات المستشرية في كل مكان من العالم، وهي مشكلة التفاوت في الأجور.
وما زالت قضية مساواة أجور النساء بالرجال في الدول العربية لم تحسم بعد، ومن اللافت أن النساء في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المتوسط لديهن ميل أكثر من الرجال لدخول الجامعات والحصول على مؤهلات علمية وتقنية مختلفة، ومع ذلك تُدفع في الغالب أجور للرجال أعلى بكثير مما تتقاضاه النساء.
وتأتي دول عربية عدة في المؤخرة من حيث الفارق في تولي مناصب إدارية، ومنها (سوريا، لبنان، الجزائر، مصر، المملكة العربية السعودية، اليمن) حيث الفجوة تبلغ 90 في المئة أو أكثر.
وبالرغم من أن حل مشكلة التفاوت في الأجور بين الجنسين، تتركز بشكل أساسي بيد الحكومات والمؤسسات التي لديها سلطة اتخاذ القرار، إلا أن ذلك لا ينفي الدور الذي يمكن أن تلعبه المرأة من خلال معرفة حقوقها القانونية والتفاوض على أجرها، وإقناع نفسها بأنها تحتاج إلى راتب أعلى يتناسب مع مهاراتها وخبراتها، لإحداث التوازن المرغوب في حياتها المهنية، وهي أشياء ما زالت تثير الرهبة لدى كثيرات من دون مبرر، ومن السائد أن تقنع النساء بما يعرض عليهن من أجور منذ البداية.
تقبل أول عرض
لي ميللر: التفاوض يرتبط بميل النساء إلى تصديق كل ما يقال لهن، في المقابل يحاول الرجال معرفة الكثير من التفاصيل الأخرىلي ميللر: التفاوض يرتبط بميل النساء إلى تصديق كل ما يقال لهن، في المقابل يحاول الرجال معرفة الكثير من التفاصيل الأخرى
في السنوات القليلة الماضية تناولت دراسات عديدة، فكرة أن الرجال أكثر قدرة على خوض مفاوضات ناجحة بشأن الراتب، كما يحرصون على التحدث عن كفاءتهم وجهودهم في العمل، ليحصلوا على الراتب الذي يرغبون فيه، ولهذا السبب فإن أجورهم في العادة أعلى مما تتقاضاه النساء.
وطُرحت نظريات مختلفة في هذا الصدد، تؤكد أن سد الفجوة المستمرة في الأجور، يتطلب من النساء تعلم فنون التفاوض والإقناع، وهو السبيل الأمثل للقضاء على مشكلة التفاوت في الأجور بين الجنسين.
ويرى لي ميللر، الأستاذ في جامعة جنوب كاليفورنيا، أن المرأة، عموما لا تتفاوض بخصوص الأجر في الكثير من الأحيان، بل تقبل أول عرض يقترحه عليها أرباب العمل.
وأكد ميللر الذي ألف كتابا حمل عنوان “دليل المرأة إلى التفاوض بنجاح” بمعية ابنته جيسيكا ميللر، على أن النساء غالبا ما يقبلن العرض الأول الذي يقترحه عليهن صاحب المؤسسة من دون تفاوض، وبعد أن يعملن على إثبات جدارتهن، يطالبن بالترقية، مشددا على أنه في حال كانت البداية متواضعة، فإن الترقي سيكون متواضعا أيضا.
ورجح ميللر بحسب خبرته التي تزيد عن 30 عاما في مجال الموارد البشرية أن عدم التفاوض سيجعل رب العمل يتساءل “إذا لم يفاوض الموظف لصالحه الخاص، فهل سيفاوض لصالح الشركة”.
ولفت ميللر إلى أن التفاوض يرتبط بميل النساء إلى تصديق كل ما يقال لهن، وتحديدا عبارة “العرض غير قابل للنقاش”، رغم أن العرض الأول نادرا ما يكون الأفضل، في المقابل يحاول الرجال معرفة الكثير من التفاصيل الأخرى.
وقال “في اللحظة التي تقول المرأة إنه لا يمكنها الانتقال إلى عمل آخر بسبب أسرتها أو إعجابها بعملها، فهذا يعني أنها تقلل من قدرها”.
وأضاف متسائلا “إذا كان رب العمل يعرف أن المرأة لن تترك وظيفتها، فلماذا عليه أن يدفع لها المزيد من المال؟”.
مجرد رقم في المؤسسة
بعض الأبحاث ترجح أن امتناع النساء عن التفاوض على الأجر، يعد سببا رئيسيا في عد القضاء على إحدى المشكلات المستشرية في كل مكان من العالم وهي مشكلة التفاوت في الأجوربعض الأبحاث ترجح أن امتناع النساء عن التفاوض على الأجر، يعد سببا رئيسيا في عدم القضاء على إحدى المشكلات المستشرية في كل مكان من العالم وهي مشكلة التفاوت في الأجور
بينما يشدد الخبراء في البلدان العربية على ضرورة فهم الأسباب التي تقف وراء التفاوت في الأجر بين النساء والرجال، باعتبارها قضية ذات أولوية، وهي أهم وأقوى الخطوات لمواجهة مشكلة انعدام المساواة على أساس النوع وانتشال النساء من بوتقة الفقر.
ونوّه الدكتور شكري العياري، الخبير التونسي في التنمية الذاتية والإحاطة النفسية إلى أن المرأة ظلت لعقود طويلة، تعمل في إطار السلسلة الشغلية التي لا تتطلب إضافة نوعية، بل توظف في الأعمال الآلية والأنشطة المتكررة التي تدخل ضمن طاحونة المصانع والمنافسة الكمية على الإنتاج، فيما يجد الرجل منصبا له في الإشراف أو الإدارة التنفيذية أو التسيير، ويرتبط ذلك بالعوامل الثقافية والاجتماعية، وبالتالي هيّأت هذه الظروف الأرضية للرجال للتفوق في المناصب والحصول على المداخيل العليا والترقيات.
شكري العياري: المرأة تمتنع أحيانا عن الخوض في موضوع الراتب إما خجلا وإما خوفا من فقدان الوظيفةشكري العياري: المرأة تمتنع أحيانا عن الخوض في موضوع الراتب إما خجلا وإما خوفا من فقدان الوظيفة
واعتبر العياري في تصريحه لـ”العرب” أن “التفكير الشرقي متخلف، ويحاول أن يركن المرأة ضمن الأعمال العادية والنشاطات الآلية التي تجعل منها مجرد رقم من الأرقام الشغلية داخل المؤسسات الصناعية، في حين يستفرد الرجل بالنصيب الأوفر من حظوظ العمل ومغرياته، مما زاد في توسيع الفجوة المالية في الأجور بين الجنسين”.
وقال الخبير التونسي “المرأة العربية تعاني من عقبات هائلة، ورواسب ثقافية تحول دون تلقيها رواتب مساوية للرجال أو تبوّئها مناصب تسييرية، وتُؤصّل الهوة بين الجنسين في مجال ريادة الأعمال، وأهم دليل على أن معظم الدراسات، تؤكد أنه بقدر ما تعلو الخطط الوظيفية وتسمو المناصب بقدر ما تقلّ حظوظ المرأة ويتقلص وجودها فيها، ومن الملاحظ أيضا أنه بقدر ما يتهاوى سلم العمل التراتبي بقدر ما نجد المرأة أكثر حضورا في هذه وأضاف “حتى تخرج من هذا الوضع المتردي إلى وضعيات أفضل بعد أن حققت في كل المناصب التي تولتها والمجالات التي خاضتها إنجازات باهرة ونجاحات كبيرة، عليها أن تغير نظرتها للأمور، فهي تعتقد في معظم الأحيان أن لا حول ولا قوة لها على إحداث العدالة في توزيع الدخل”.وشدد العياري “المرأة تمتنع أحيانا عن الخوض في موضوع الراتب إما خجلا وإما خوفا من فقدان الوظيفة أو التعرض للهرسلة، ولذا فلا مناص اليوم، وفي عهد ما بعد كورونا من خروج المرأة والمطالبة بحقها الكامل في الراتب المجزي لمؤهلاتها وقدراتها، وعليها ألّا ترضى إلا بما يوازي ما يحصل عليه نظيرها الرجل من عائدات مالية وعلاوات وترقيات”.غير أن ما قاله الخبير التونسي في التنمية الذاتية والإحاطة النفسية، لا يعتبر حلا لجميع النساء، لكنه بمثابة نصيحة ثمينة تشجع المرأة على مجابهة الظلم الموجود في ما يخص انعدام العدالة في الرواتب بين الجنسين، مع تحذير بأنه لا توجد مدن فاضلة بعد.من جانبها ترجح الإعلامية العراقية أسماء عبيد أن التفاوت في مستويات الدخل بين الجنسين، لا يمثل التحدي الأساسي الذي يواجه معظم النساء في العالم العربي، مشددة على أن المشكلة الحقيقية، والأهم هو الاعتراف بوجود علاقة بين الفقر والظلم اللذين تواجههما المرأة في المجتمع، وهو ما يدفعها إلى العمل في مواقع هامشية وبيئات لا تراعي حقوقها، ويمكن لهذا الأمر أن يتجسد بعدة أشكال، بدءا من عدم الحصول على راتب محترم يتناسب مع كفاءتها، أو الحرمان من الحصول على ترقيات في الوظيفة، وصولا إلى التسريح من العمل من دون الحصول على حقوقها كاملة، مؤكدة أن هذا الظلم لن ينتهي قريبا، إلا إذا ما تحلت كل امرأة بقدر من الشجاعة للمطالبة بحقوقها.
أسماء عبيد :من الأفضل إذا عملت المرأة في القطاع الخاص أن تتفاوض على الراتب منذ البدايةأسماء عبيد: من الأفضل إذا عملت المرأة في القطاع الخاص أن تتفاوض على الراتب منذ البداية
وأشارت عبيد إلى أن القطاع الحكومي في العراق يحدد هيكلية الأجور حسب السلم الوظيفي وحسب الشهادات العلمية، كما يمكن للراتب أن يزداد حسب سنوات الخدمة والمخصصات الممنوحة أو المكافآت أو الحوافز النصف سنوية أو السنوية إن وجدت، وفي هذه الحالة لا يمكن للمرأة أن تطالب برفع أجرها حتى وإن كانت تعتقد أنها تستحق أكثر مما تتقاضاه من أجر، لكن بإمكانها المطالبة بمكافأة.
وقالت عبيد في تصريح لـ”العرب”، “من الأفضل إذا عملت المرأة في القطاع الخاص أن تتفاوض على الراتب منذ البداية، وتختار العمل بموجب عقد حتى تضمن حقوقها أمام القضاء، إذا لم يحترم صاحب المؤسسة الشروط المنصوص عليها في العقد”.
وأضافت “أحيانا تجبر المرأة على الرضا بأجر زهيد لأنها تكون في موقف ضعف، وبسبب ظروفها الاجتماعية الصعبة وحتى لا تخسر فرصة العمل، فهي في النهاية لا تختار العائد المالي البسيط بإرادتها، بل بدافع الخصاصة واستفحال البطالة وقلة فرص العمل، ولكنني شخصيا، أشجع المرأة على المطالبة بحقوقها المالية وعدم الرضا بمراتب إدارية دنيا”.
ولا يبدو أن الوضع يختلف كثيرا في تونس، فعلى الرغم من أن تشريعات المساواة بين الجنسين موجودة في دستور البلاد منذ سنة 1979، إلا أن الموظفة أسماء بالشيخ ترى أن العديد من النساء التونسيات يعملن في وظائف متدنيّة الراتب، ولا توجد فيها آفاق محتملة للترقي، ولكنهن مع ذلك لا يستطعن أن يفعلن شيئا، لأن المستقبل المهني أمامهن ليس مُيسّرا كما يُعتقد.
وقالت بالشيخ “كنت أتمنى أن أستطيع يوما التفاوض على الراتب أو أجادل بشأن ترقية ما، لكن للأسف ليس بمقدوري أن أفعل هذا، لأنني أعتبر صاحب المؤسسة بمثابة الأب الروحي، وسعيه إلى دعمي والوقوف إلى جانبي في الظروف الصعبة التي مررت بها يعني لي الكثير، بل جعلني في موقف صعب، وليس من السهل عليّ التحدث في أمر الراتب حتى وإن كنت أطمح بعد أربع سنوات من العمل الدؤوب إلى زيادة في الراتب وترقية في السلم الوظيفي”.
أسماء بالشيخ: كنت أتمنى أن أستطيع يوما التفاوض على الراتب أو أجادل بشأن ترقيةأسماء بالشيخ: كنت أتمنى أن أستطيع يوما التفاوض على الراتب أو أجادل بشأن ترقية
وأكدت بالشيخ أن تجربتها ليست فريدة من نوعها، وإنها سمعت الكثير من التجارب المشابهة لنساء فضلن الصمت على المطالبة بزيادة الراتب خوفا من فقدان الوظيفة، لكنها شددت على ضرورة أن تكون هناك نماذج لنساء لديهن القدرة على التفاوض للحصول على مميزات في العمل، لأن ذلك قد يشكل أكبر دعم لحقوق المرأة، ويحفز المواهب والمهارات النسوية التي يستفيد منها الجميع.
ونوهت الدراسات الحديثة إلى أهمية تدريب المرأة على أساليب وطرق التفاوض التي من شأنها أن تأتي بنتائج أفضل من تدريب الرجل، مشددة على أن المرأة تمتلك عقلا تجاريا، وبإمكانها كسب أموال وأرباح أكثر من الرجال، في حال تبوّأت نفس المهام التي يحتلونها في مجالات التفاوض والصفقات التجارية.
ويبدو أن التفاوض كثيرا ما حضر في الحياة اليومية للنساء حول أمور متفاوتة الأهمية، وهناك العديد من المواقف في الحياة خاضت فيها النساء دور المفاوضات، مثلما هو الحال في السوق وعمليات البيع والشراء أو إقامة الشراكات أو المناقشة والتحاور في الأمور الحياتية اليومية، وهذه المهارة تُعد من مفاتيح النجاح الأساسية في الحياة المهنية ومجالات الأعمال، ومن غير المستبعد أن يؤدي إتقان النساء للتفاوض إلى سيناريو مستقبلي كامل تلعب فيه النساء دورا مطابقا لدور الرجال في سوق العمل، لكن نحن في حاجة إلى النظر عن كثب إلى ردود الأفعال عندما تتجرّأ المرأة على التفاوض حول الراتب، وبدلا من تنظيم ورشات ودورات لتدريب النساء على كيفية التفاوض، لعل الوقت قد حان لتنبيه أصحاب العمل والمديرين إلى تحيّزهم.
*المصدر : العرب

*المصدر : العرب
1