أحدث الأخبار
الاثنين 21 أيلول/سبتمبر 2020
عادة-حق الملح- تكريم للمرأة أم محافظة على نظام اجتماعيّ تراتبيّ؟!
بقلم : هدى بحروني ... 28.05.2020

شدّت انتباهنا في هذه الأيّام الأخيرة من شهر رمضان بعض المنشورات على صفحات التّواصل الاجتماعي يحيي فيها أصحابها، وهم غالبا من النّساء، عادة كانت سارية في تونس وكذلك في الجزائر والمغرب وتسمّى"حقّ الملح"، ولكنّها اليوم تكاد تندثر إلّا في بعض العائلات، وتتمثّل في أن تحتفي الزّوجة صبيحة يوم العيد ببيتها فتنظّفه وترتّبه وتعطّره، وتحتفي، كذلك، بجسدها نظافة وزينة، وتعدّ طبق القهوة والحلويات لزوجها وعندما يعود من صلاة العيد تقدّمه له فيتناول ما أعدّته ويضع لها هديّة متمثّلة في قطعة مصوغ اعترافا بمجهوداتها في خدمته وخدمة العائلة طيلة شهر رمضان، حتّى إنّها قد تضطرّ إلى تذوّق الطّعام لتتأكّد من ضبط درجة ملوحته، ومن هنا جاءت تسمية"حقّ الملح". وفي ليبيا عادة مشابهة تسمّى"الكبيرة" يهدي فيها الزّوج زوجته مصوغا أو مالا أو غيرهما من الهدايا.
والحقيقة أنّ اهتمامنا بهذه العادة قد لا تكون فيه إضافة من الناحية الأنثروبولوجيّة لأنّها كانت مدارا من مدارات بعض البحوث الاجتماعيّة أو الأنثروبولوجيّة الّتي انشغلت بدراسة ثقافات الشّعوب المغاربيّة تعريفا وتفكيكا وتأويلا ونقدا ومقارنة، أو حتّى في بعض الأعمال الصحفيّة، ويكفي أن نقوم بجولة في الأنترنيت حتّى نتيقّن أنّ هذه العادة ليست موضوعا بكرا، بل هناك من بحث في محاضنها الثقافيّة والسّياقات الاجتماعيّة المتعدّدة(تونس-الجزائر-ليبيا) الّتي أفرزتها ومورست فيها ورصد ما بينها من أوجه شبه وأوجه اختلاف. ولكنّ اهتمامنا بها يتنزّل في إطار الاهتمام بقضايا المرأة وخاصّة بدور المجتمع في تشكيل الهويّة الجندريّة للأفراد، وتوزيع الأدوار والمراتب وإعادة إنتاجها. ونروم عبرها الإجابة على السؤال الذي عقد عليه عنوان هذا المقال: هل"حقّ الملح" تكريم للمرأة واعتراف بقيمتها وبأهميّة الأدوار الّتي تقوم بها أم آليّة ثقافيّة ناعمة لتثبيت نظام اجتماعيّ ذكوريّ يكرّس المرأة لخدمة الرّجل؟ لكي نحصل على إجابة لا بدّ أن نتجاوز البعد الأخلاقيّ الّذي يدور حوله ظاهر هذه العادة والمتمثّل في تثبيت قيم الإيثار والاعتراف بتضحية الفرد( الزّوجة) من أجل الشّريك في مؤسّسة الزّواج، ونستنطق باطنها الّذي يتشابك فيه الاقتصاديّ والثّقافيّ والاجتماعيّ، فعادة"حقّ الملح" في ظاهرها علاقة أخلاقيّة تقوم على الإكرام المتبادل بين الزّوجين وإن اختلفت طريقة كلّ طرف في إكرام الآخر، ولكنّها في وجهها الخفيّ علاقة ذات طابع اجتماعيّ واقتصاديّ، فهي، إذا ما استأنسنا بنتائج بحث مارسيل موس Marcel Mauss حول الهبة في المجتمعات التقليديّة، شكل من أشكال التّواصل الّذي يؤسّس للتّعايش السّلميّ وبناء شبكة من العلاقات والأوضاع المستقرّة والمستمرّة بين شريكين في مؤسسة اجتماعيّة واحدة وهي العائلة في هذا السياق، فـ"السؤدد الاجتماعي يرتكز على مدى سخاء الفرد تجاه أهله وعشيرته ومحيطه العام"* ، وهي، في الوقت ذاته شكل من أشكال التّبادل الّذي يكون في ظاهره طوعيّا ولكنّه في الحقيقة يقوم على جملة من الالتزامات: العطاء-واجب القبول- واجب إعادة العطاء. ويمكن قراءة هذا الترتيب في اتّجاهين يمثّل كلّا منهما أحد طرفي هذه العملية، فمن جهة، قدّمت الزّوجة جملة من الهدايا بعضها رمزيّ وبعضها ماديّ، فهي من خلال، تذوّقها الطّعام وهي صائمة للإرضاء ذوق زوجها تكشف عن مدى استعدادها للتضحية بالدّينيّ من أجل الاجتماعيّ، أي برضاء الله من أجل رضاء الزّوج، وفي احتفائها بالجسد والبيت نظافة وزينة وعد بعطاء جنسيّ باذخ، وتمثّل القهوة والحلويات المستوى المادّي الأكثر بروزا لفعل العطاء. وهكذا تكشف الزّوجة عن انتظاراتها من عادة"حقّ الملح" وهي انتظارات تصادق على الحيف الجندريّ في المجتمع الذّكوريّ وتتواطأ مع قوى الهيمنة.
أمّا الزّوج الّذي يعود من الجامع وهو الفضاء الدّينيّ الّذي تنازل فيه عن السّيادة الاجتماعيّة من أجل العبوديّة الدّينيّة-على عكس ما قامت به الزّوجة فيعود إلى البيت ليستردّ سيادته، وذلك من خلال قبول العطاء والرّدّ عليه، أي من خلال عمليّة مقايضة يتحوّل فيها الاقتصاديّ(الحلي- المال...)إلى رصيد اجتماعيّ يضمن له تصدّر هرم السّلطة في البيت وفي المجتمع.
ولعلّ في الدّلالة الرّمزيّة الثّاوية في تسمية"حقّ الملح"ما يؤكّد أنّ هذه الهديّة هي آلية ثقافيّة واجتماعيّة ناعمة في إعادة فتح سوق النّخاسة ومباركتها فكلمة" حقّ"في الدّارجة التّونسيّة تعني الثّمن والثّمن جزء من العمليّة التّجاريّة القائمة على البيع والشّراء. ونحن إزاء طرفي عمليّة تجاريّة يدفع فيها الزّوج الثّمن وتقدّم فيها الزّوجة البضاعة(الجسد آلة للعمل وأداة لتحقيق المتعة واستعدادا للخضوع). أمّا كلمة"الملح" فمن دلالاتها عقد رمزيّ بين طرفين يشترط الوفاء للعلاقة القائمة والمحافظة عليها لذلك يقال في المثل التّونسيّ" بيناتنا ماء ماء وملح أو/ كلينا ماء وملح مع بعضنا". وهكذا فإنّ هديّة"حقّ الملح" تسهم، من جهة، في تثبيت النّظام الذّكوريّ التّراتبي الّذي يسخّر المرأة لخدمة الرّجل ويجعل كمال أنوثتها في أن تكون ربّة بيت ناجحة تحوز الرّضاء لأنّ"علاقات العطاء تنتج عنها بالضرورة بنية تراتبية بين الأفراد داخل الجماعة الواحدة وعلاقة تراتبية بين الجماعات والأسر والعشائر" . وتُحبط ، من جهة ثانية، قيام نظام تشاركيّ يجعل العمل البيتيّ شراكة بين جميع الأطراف من الجنسين وتبادل الهدايا ممارسة تهدف إلى تكريم الإنسان والاعتراف بقيمته.
وقد يكون من" العسف" أن نتحدّث عن الثّقافة التّشاركيّة وعن المساواة في الحقوق والواجبات بين الجنسين في سياق تاريخيّ قديم وفي مجتمع تقليديّ، ولكن كيف نفهم إقبال بعض النّساء اليوم من مختلف المستويات التّعليميّة على التّفاخر بتلقّي"حقّ الملح" وعرض ذلك على مواقع التّواصل الاجتماعيّ في عصر النّضال من أجل المساواة والتّحرّر ومن أجل التخلّص من الفجوة التي خلقها المجتمع بين الجنسين؟
*مؤمنون بلا حدود، ملف بحثي : تراث الأنثروبولوجيا الفرنسية في تقدير الممارسة الفكرية لمارسيل موس، يوسف بن موسى، عرض كتاب الهبة لمارسيل موس، ص64، 01 فبراير 2016.

*المصدر : مركز مساواة المرأه
1