أحدث الأخبار
الخميس 04 حزيران/يونيو 2020
كورونا يفرّق جلسات "الونسة" عند ستات الشاي في الخرطوم !!
بقلم : الديار ... 19.04.2020

**بعد معاناتهن من “الكشات” الأمنية ونظرة المجتمع الدونية لهن، تواجه بائعات الشاي في الخرطوم آثار القرارات التي فرضها انتشار فايروس كورونا على السلطات لإصدار قرارات الحجر، فتعطل نشاطهن ومورد رزقهن الوحيد، وهنّ اليوم ينتظرن التعويضات الحكومية والمساعدات لإعالة أسرهن.
الخرطوم - بائعات الشاي في السودان، مهنة نسائية، تفجّرت من ثنايا الحروب الأهلية، والنزوح والفقر في مناطق النزاعات، حيث اضطرت الكثير من النساء السودانيات إلى التوجّه إلى العاصمة الخرطوم، لبيع الشاي والمشروبات الساخنة الأخرى، بهدف إعالة أسرهن، وأصبحن مَعلما من معالم الخرطوم.
ويباع الشاي في الخرطوم منذ الفجر فتخرج ستاته قبل طلوع الشمس لاستقبال زبائنهن الذاهبين إلى عملهن، في حين تخرج أخريات خلال الفترة المسائية التي تمتد إلى منتصف الليل حيث يجتمع السودانيون في جلسات ونسة بعد العمل.
ورغم ضيق حال ستات الشاي ومعاناتهن من الكشات الأمنية والاتهامات طيلة فترة النظام السابق، أتى فايروس كورونا، ليقطع مصدر رزقهن الوحيد، بعد أن أصدرت السلطات الصحية مؤخرا، قرارا بإيقافهن عن العمل، بالتزامن مع إعلان حظر التجول الجزئي كإجراء احترازي لمنع تفشي الفايروس، ما أدَّى إلى تعقيد أوضاعهن الاقتصادية المُتردية أساسا.
تقول بائعة الشاي سلمى، وهي تجلس على مقعدها الخشبي القصير في الشارع العام، قبالة أحد فروع الصيدليات الشهيرة في الخرطوم، “الحاجة هي التي دفعتني لهذا المكان ولو كنت أمتلك بديلاً لما خرجت من منزلي”، وتواصل قائلة، “زوجي أحيل إلى المعاش منذ سنوات، وصار غير قادر على تلبية مصاريف غذاء وتعليم وعلاج بناتي الثلاث، وكل ما نمتلكه معاشه الشهري، وهذا لا يكفي إلا بعض المصاريف البسيطة، فكيف أسمح بقطع تعليمهنّ وضياع مستقبلهنّ بجلوسهنّ معاً في المنزل”.
قرار أحال بائعات الشاي العاملات في الفترة المسائية إلى البطالة وأصبحن بلا مورد رزق وعجزن عن توفير مصاريف العائلة، فأثار غضبهن.
تقول فادية خليل التي تشتغل خلال الفترة المسائية، “تسبب قرار الحجر في قطع رزق أولادي الخمسة بعد أن تركهم والدهم في كفالتي منذ سنوات طويلة، فالزبائن لن يأتوني مساء التزاما بالقرار الحكومي”.
جرّبت فادية المكوث في البيت لثلاثة أيام، لكنّ مدخراتها القليلة سرعان ما انتهت، ولم تجد مالا تشتري به مستلزمات العائلة، ما اضطرها للخروج والعمل في الصباح.
مداخيل العمل في الصباح لا تكفي لتغطية المصاريف الكثيرة، ودفع إيجار البيت، فالزبائن في هذه الفترة من النهار قليلة.
وطالبت ستات الشاي، السلطات بمساعدات مالية مقابل توقيفهن عن العمل، لمواجهة المصاريف الضرورية، فالظروف أجبرتهن على هذه المهنة على الرغم مما يعانينه من حرّ الصيف وبرد الشتاء على الرصيف، إضافة إلى سوء معاملة والنظرة الدونية من بعض أفراد المجتمع، فهي أفضل من التسوّل.
وفور صدور القرار تكفّل عدد من نجوم المجتمع، من أطباء، وفنانين، ورياضيين، ورجال أعمال، بتقديم مساعدات مالية لإعانة بائعات الشاي لمواجهة متطلّبات الحياة الاقتصادية اليومية.
مجموعة من هؤلاء النساء اللاتي يمضين معظم النهار في الشوارع والساحات العامة وتحت ظلال الأشجار، يعملن بموجب رخص إدارية تستخرجها السلطات المحلية المختصة، ويدفعن
يمكن لأي زائر أجنبي إلى العاصمة الخرطوم، أن يلاحظ الأعداد الكبيرة من المواطنين المنتشرين بمحيط شارع النيل، الذي يضم أكثر من 200 بائعة شاي في الفترة المسائية، في مساحة لا تزيد عن رصيف بطول 2 كلم.
وتقدّر السلطات المحلية بالسودان، عدد بائعات الشاي بولاية الخرطوم، بأكثر من 23 ألف بائعة شاي.
وطبقا لدراسة أعدّتها وزارة التنمية الاجتماعية بولاية الخرطوم في العام 2013، شملت 13 ألف بائعة شاي في العاصمة، فإن نسبة 46.8 في المئة منهن متزوجات.
وبحسب بيانات الدراسة، فإن فئة المتزوجات تشمل كذلك “المُعلقات” اللائي تخلّى عنهن أزواجهن هربا أو بحثا عن عمل، وهي فئة كبيرة جدا أجبرتهن الظروف على النزول إلى الشوارع للعمل وكسب الرزق.
وتليها نسبة 19.3 في المئة عازبات، ثم المطلّقات والأرامل، وتبلغ نسبتهن على التوالي 19.2 في المئة، و14.7 في المئة.
بالنسبة إلى بائعة الشاي، حواء هارون (55 عاما) التي تعيل خمسة أطفال بعد أن تركها زوجها منذ سنوات، فإن قرار السلطات الصحية
بإيقافهن عن العمل، إجراء “سيجلب لهن الضرر، باعتبار أن الأوضاع الاقتصادية متردية، وأسعار المواد الأساسية ليست في متناول اليد”.
تقول هارون، “على الحكومة أن تتكفل بأبنائي الخمسة، طالما منعتني من العمل”. وأضافت متسائلة، “أنا امرأة مُطلقة، كيف استطيع إدارة شؤون أبنائي في ظل الظروف الصعبة؟”.
من جهتها تأسفت البائعة، زينب حامد (45 عاما)، لقرار السلطات الصحية القاضي بحرمانهن عن العمل، بسبب وباء كورونا.
وقالت زينب، “لا أسكن بالإيجار، وليس لديّ أبناء، ورغم ذلك اعتمد على الاستدانة من أصحاب المحلّات الكبيرة، في شراء السكر والشاي والمستلزمات الأخرى، وأسدّد ديوني بعد انتهاء عملي اليومي”.
من جانبها أظهرت عائشة علي (47 عاما)، قلقها من قرار السلطات بإيقاف عملهن، باعتبار أن الأوضاع الاقتصادية في البلاد بالغة التعقيد.
وأشارت، إلى تراجع مستوى الدخل المادي بسبب مغادرة الموظفين إلى منازلهم في ساعات مبكّرة، وفقا للتوجيهات الحكومية، مضيفة، “لديّ ابنان، أحدهما في المرحلة الثانوية، والآخر في الجامعة”.
وتابعت، “أملي في أن يتخرج ابني من الجامعة، من أجل مساعدتي لمواجهة متطلّبات الحياة”.
وقالت عوضية كوكو التي تبيع الشاي منذ عشر سنوات خلال الفترة المسائية لتربية أبنائها وسداد إيجار بيتها، إن الحظر يزيد من معاناتها، “أصبحت في حيرة من أمري، كيف سأوفّر لأطفالي لقمة العيش في ظل عدم وجود الزوج والدخل القارّ، صحيح أن القرار جاء لحمايتنا من خطر الوباء، لكن لا بد لنا من حلول لمواجهة الجوع”.
وتقول رئيسة مبادرة “لا لقهر النساء”، الحائزة على جائزة حقوق الإنسان، إحسان فقيري، إن المبادرة تعتزم التنسيق مع مبادرات أخرى، لجمع تبرعات، لدعم الأسر المُعدمة والنساء الفقيرات، وعلى رأسهن بائعات الشاي. وأضافت، “نحن على اتصال مع وزيرة العمل، لينا الشيخ، لإيجاد حلول جذرية لمشكلات بائعات الشاي، بعد منعهن من العمل بسبب فايروس كورونا”.
ووصلت حصيلة إصابات كورونا في السودان حتى ظهر الاثنين، إلى 19 إصابة، وتشمل الإصابات حالتي وفاة، و4 حالات شفاء.وفي 12 أبريل أصدر رئيس الوزراء السوداني، عبدالله حمدوك، قرارا بتطبيق “قانون الطوارئ” في إطار تدابير مواجهة فايروس كورونا.
وركز القانون على معاقبة مخالفي حالة الطورائ وعدم الالتزام بالتدابير الاحترازية الصادرة من السلطات لمكافحة انتشار جائحة كورونا.

1