أحدث الأخبار
الخميس 09 نيسان/أبريل 2020
نساء القصب" في القيروان يواجهن الفقر بعمل شاق وأجر زهيد !!
بقلم : الديار ... 29.12.2019

القيروان ( تونس) – تفترش مريم الفطناسي الأرض في ورشتها الصغيرة وسط غابة أشجار “الكينا” بإحدى قرى محافظة القيروان التونسية، متحدّية الطقس المتقلب صيفا وشتاء، وسنواتها التي تناهز السبعين.
وتواصل مريم عملها الذي تبدأه صباحا إلى غروب الشمس مستعينة برغيف وزيت زيتون، مستأنسة بإبريق الشاي المعتاد.
وتقع ورشة مريم في قرية “المتبسطة” بالقيروان وسط تونس، على جانب الطريق الرابط بين العاصمة والجنوب، أين ظهرت منذ سنوات، ورشات مفتوحة، تختص في صقل وبيع قصب “الشنشان” الذي يزدهر نباته وسط المستنقعات المحيطة بالمنطقة.
تمرر مريم سكينها الحاد على سطح القصب الجاف، لتنزع القش والبراعم وتحوله إلى قصبة مصقولة صالحة للاستخدام فتغمرها أكوام قش القصب من كل جانب. بدت وكأنها في صراع مع الزمن، تسحب كومة القصب التي تحاصرها في جلستها وتمرّر الواحدة تلو الأخرى غير مبالية بالعدد، فثمن صقل الواحدة يكاد لا يذكر.
ويتوجب على العجوز مريم صقل حزمة بـ100 قصبة لتحصل على 0.35 دولار وتستغرق في الحصول على هذه الحزمة أكثر من ساعتين خاصة وقد أنهكها المرض.
وتقول مريم “أعمل هنا منذ 17 عاما، وأشرف رفقة زوجي على ورشة لصقل القصب وبيعه، وهذا مصدر قوتي وقوت عائلتي”.
عمل مريم اليومي لا يشمله التقاعد ولا عطلة المرض المزمن، كما تقول، وعليها أن تعمل بنفسها في ظل صعوبة الظروف الاقتصادية والاجتماعية. وفي مثل هذه الورشات المفتوحة على جميع المخاطر وتقلبات المناخ والمتاعب، تعمل عشرات من النساء في صقل القصب.
وتستعين مريم بنساء يصقلن القصب بأيديهن التي تورمت من الخدوش حتى أنهن لم يعدن يلقين بالا للجروح الجديدة، فيواصلن استعمال السكاكين إلى حين تحصيل الأجرة اليومية. وتوضح مريم “تعمل معي بين 4 و8 نساء، إلى جانب توظيف عدد من الرجال في جلب القصب وقصّه مقابل أجرة يومية لا تتجاوز 3.5 دولار في اليوم، ولا تتناسب المتاعب والمخاطر مع ما نجنيه جميعا من هذا العمل”.
أغلب النساء العاملات متقدمات في السن، لكنهن لا يجدن عملا آخر في القرية التي لا توجد فيها العديد من النشاطات الاقتصادية
وتضيف “الأجرة ضعيفة ولكننا نحتاجها لتوفير بعض احتياجات العائلة وهي مورد الرزق الوحيد وسط احتياجات الحياة والعلاج والسكن”.
وتعلق مريم على الوضع المعيشي قائلة “كنا ننتظر أن تغير الثورة (2011) وضعنا الاجتماعي وتتحسن المقدرة الشرائية، ونتخلص من الظروف السيئة، وتتحسن الخدمات الصحية والبنية التحتية، ولكن الأزمة تعمقت والفقراء ازدادوا فقرا بعد 9 سنوات من الثورة”.
ويتوزع العمل داخل الورشة بين الرجال الذين يجلبون القصب من أماكن بعيدة، ثم يقومون بقصه إلى أحجام محددة، قبل تمريره إلى النساء لصقله.
وغالبية النساء العاملات متقدمات في السن، لكنهن لا يجدن أي عمل آخر في القرية التي لا توجد فيها العديد من النشاطات الاقتصادية مثل الضيعات الزراعية أو المؤسسات الخدمية، كما أن المصانع المتواجدة بالمنطقة تعطي الأولوية في التشغيل للشباب.
ويقول فخري الفطناسي، شاب عشريني من أبناء قرية المتبسطة، وواحد من آلاف الشبان الذين اضطر آباؤهم إلى فصلهم من الدراسة منذ المرحلة الابتدائية بتعلة الظروف الصعبة والعزلة وعدم توفر مستلزمات الدراسة ومصاريف التنقل “القصب مورد رزقنا الوحيد، ونضطر إلى العمل جميعا لتوفير قوتنا اليومي”.
ويتابع الشاب بعطف وفخر عمل أمه اليومي وجلساتها ويشهد عن قرب إنحاء ظهرها مضيفا “الأجرة اليومية ضعيفة ولا تمكن من سد الاحتياجات المعيشية اليومية”.
ولا توجد إحصائيات رسمية عن عدد العاملين في مجال صقل القصب بتونس، وسط غياب لهيكلة رسمية لهذا النشاط، مما يبقيه قطاعا مهمشا رغم مساهمته في توفير مواطن الشغل وارتباطه بالزراعة والصناعات التقليدية.
وترك غياب الهيكلة والإشراف الرسمي من قبل الحكومة، وعدم إسناد تراخيص وبطاقات مهنية للحرفيين الباب مفتوحا أمام الدخلاء على القطاع الذين ضاعفوا متاعب العاملين بالمجال منذ سنوات، وتركهم عرضة لخطايا مالية وحجز القصب لغياب التراخيص.
ويطالب الحرفيون بهيكلة القطاع وتنظيمه ليتمكنوا من الحصول على بطاقات مهنية يتمتعون من خلالها بالتغطية الاجتماعية وبطاقات العلاج، نظرا لخطورة العمل الذي تنجم عنه أضرار صحية.
وأطلقت الحكومة التونسية العام الماضي، آلية للتأمين الاجتماعي تحت اسم “أحميني”، تمكن العاملات في القطاع الزراعي من التمتع بالتغطية الاجتماعية ومن المتوقع أن تشمل حوالي 500 ألف امرأة من الأرياف لا تشملهن بقية أنظمة التغطية الاجتماعية.

1