أحدث الأخبار
السبت 19 أيلول/سبتمبر 2020
هل تحرّرت المرأة بالفعل أم دخلت في قهر جديد !!
بقلم : ممدوح فراج النابي ... 16.12.2019

الكاتبة هبة شريف تقدّم في كتابها "ن النسوية" سردا تاريخيا لنشأة الحركة النسويّة وما حققته المرأة من مكاسب وخسائر وتعكس هذا التاريخ على المنتجات الثقافيّة.
خاضت المرأة معارك كثيرة على مدار تاريخها ضد البطريركية وضد الأنساق المهيمنة؛ من أجل التحرّر والاستقلال، واستطاعت أن تخرج مُنتصرة والظفر على الأقل بما خرجت من أجله ثائرة. لكن ثمة أسئلة كثيرة بعد ما جرى في النهر ماء، وتبوأت المرأةُ المناصب الرفيعة من قبيل: هل حقّا بعد دعوات الاستقلال والتحرّر حقّقت المرأة ما طالبت به؟
رغم تحقيق المرأة للكثير من النجاحات في تحقيق واقع أفضل، فإن التساؤل مازال مطروحا حول مدى حرية المرأة الفعلية، وحول أي حرية مطلقة في أن تختار ما بين التحرّر الاقتصادي والمساواة أو البقاء داخل نسق قيم تقليدي تصبح معه معتمدة على زوج أو أب أو أخ.
وبمعنى آخر يمكننا أن نتساءل هل تحرّرت المرأة عندما تَبَنَّتْ مفاهيم وأفكار المساواة والتحرّر؟ وفي المقابل ما هي القيود التي على المرأة أن تتحرّر منها؟ وهل تستطيع المرأة أنْ تتخلّى عن خصوصيتها في مقابل أن تصير مثل الرجل؟
ضد النسق
السؤال الجوهري الذي تنطلق منه هبة شريف في كتابها “ن – النسوية“، الصادر عن دار العربي للنشر والتوزيع بالقاهرة؛ هل حركات التحرّر النسويّة حرّرت المرأة بالفعل أم أنّها أدخلتها في قهر جديد، بما أضافته من أعباء جديدة على ما تحمله؛ كعبء العمل وعبء المساهمة في الإنفاق. ومن هذا المنطلق تناقش الظاهرة النسوية، وما يتعلق بها من مفاهيم، من منظور ثقافي، تعكسه على واقع المرأة العربية، ومدى صلاحية أو فاعلية هذه المفاهيم، في ظل هيمنة سلطات نقيضة مصدرها العادات والتقاليد والموروث الثقافي، والديني.
ومن ثمّ تبقى المرأة حائرة أمام معادلة صعبة، والغريب أنها في كلتا الحالتين خاسرة، وهو ما يُمثل مفارقة كبيرة وعلامة استفهام في آن واحدٍ، فإن اختارت مثلما تقول هبة شريف أفكار التحرّر ستجد مقاومة ورفضا من العادات والتقاليد والعرف. كما أنها ستجد نفسها في مواجهة أعباء كثيرة عليها أن تتحملها، مقابل هذه الأدوار الجديدة التي ستؤديها، أمّا إذا انحازت لسلطة العُرف والتقاليد والعادات، فستحمل وصم أنها ضدّ التحرّر، أو أنها متخلفة. هذه الثنائية ستتكرر بشكل آخر حيث تحولت قضية المرأة إلى مجال أثير للصراع بين القوى الوطنية والقوى الاستعمارية. فالاستعمار استغل الممارسات المُجْحِفة ضد المرأة ليبرز تفوقه الحضاري. في حين أن القوى الوطنية ترفض التأثر بالغرب، وتشيد بضرورة الرجوع إلى القيم الأصيلة للثقافة الوطنية.
الشيء اللافت في الكتاب أن المفاهيم النسوية، والأفكار التي نادت بها الحركة النسوية العالمية، أخضعتها المؤلفة للمُنتج المحليّ (في الكثير منه)، فقامت بضرب أمثلة من واقع الثقافة الجماهيرية، وكأنها اختبار لصدق وفاعلية هذه الأفكار في المجتمعات غير التي أُنتجت فيها، مع التركيز على المجتمع المصري، ومنتجاته الثقافية؛ كالفيلم السينمائى، والمسلسل الدرامي، والرواية. كما اختبرت الكثير من هذه المقولات على أمثلة غربيّة كظاهرة الرسائل للزبائن في محلات “زارا” العالمية.
يتّسم الكتاب خلافا للكتابات التي تناولت التأريخ للنظرية النسويّة، بأنه يبتعد عن التقعير الأكاديمي، أو أنه يعزل الأفكار والأطروحات عن الواقع، بل على العكس تماما، فالكتاب في متناول القارئ العادي.
وفي إيجاز شديد تقدّم المؤلفة سردا تاريخيّا لنشأة الحركة النسويّة، وما حققته المرأة من مكاسب وخسائر، وتعكس هذا التاريخ على المنتجات الثقافيّة، وفي نفس الوقت تختبر مدى موافقة هذه الأفكار التي طرحها المنظرون مع الواقع أو أنها جاءت منفصلة عنه. فترى أن الحركة النسوية كانت مصاحبة للمجتمعات الحديثة، وقد جاء تحرر المرأة ومطالبها الخاصة بالتعليم والأجر المتساوي وحق الانتخاب مع التحولات السياسية والاقتصادية في المجتمعات الحديثة. اللافت أن المرأة في كل ما حصلت عليه كانت تابعة للرجل، فقد حظي الرجل بحقوقه أولا ثم تبعته المرأة.
التحرّر من التابع
كما أن دخول المرأة إلى سوق العمل تزامن مع دخول المجتمعات إلى الرأسمالية، فزاد الطلب على الأيدي العاملة من الرجال والنساء. وأدّت شدّة الاستهلاك بارتفاع مستوى المعيشة إلى دخول أعداد متزايدة من النساء في سوق العمل. وهو ما انعكس على الحركات النّسويّة التي أصابها ما أصاب معظم دعاوى التحرر المثالية من استغلال لأصل الدعوى. فمع ازدياد التنافس في سوق العمل، الذي أبدته النساء في محاولة إظهار تفوقهن على الرجال، قابله إهمال في الكثير من الحقوق وتوفير ظروف العمل المناسبة، وتقديم أجور عادلة.
ثم جاءت الموجة الثانية من الحركة النسوية، وكان كل تركيزها على حريّة الجسد، والتحكُّم فيه، والمطالبة بحقِّها في المُتع الجسديّة دون الخوف من تَحمُّل عواقب هذه المتعة.
لكن سرعان ما تحوّل هذا إلى سلعة، لأساطير الجمال والموضة، فظلت النساء خاضعات لما كن يحاولن التحرّر منه من قبل، حيث وقعت النساء في فخ الموضة ومقاييس الجمال، أي صارت المرأة أداة لخدمة شركات الجمال والموضة والعناية بالجسد. ورفضت فكرة الحب في ظل شيوع ثقافة الاستهلاك، حيث الناس لا يحبّذون المخاطرة، لذا ردّت فكرة انهيار الحبِّ إلى السيطرة الذكوريّة، وعدم عدالة تقسيم الأدوار. وإن كانت بعض التجارب الحقيقية تنفي مزاعم النسويّة، حيث يموت الحب، وتنهار مؤسسة الزواج عندما يختفي الاعتماد المتبادل لكل طرف على الآخر.
والأغرب أن الرجال والسوق هما اللذان فرضا هذه المقاييس. حتى ظُن أن الهدف من فرض مقاييس الجمال المثالية، هو القضاء على ثقة المرأة في نفسها وفي قدراتها، بل وإسكاتها بطريقة مبتذلة كما ترى هبة شريف. المفارقة التي تدعو إلى الحيرة والتأمل في آن واحد، أن المرأة التي رفضت أن تخضع لسيطرة الرجال (وحاربت من أجل أن تنتصر في معركتها) خضعت بإرادتها لسيطرة أسطورة الجمال، وما استلزمته هذه الأسطورة من قيود وإكراهات عليها، جعلتها تتخلّى عن الكثير من مطالبها السابقة.
يتألّفُ الكِتابُ من عشرة فصول، تحمل عناوين أشبه بمقولات أو أمثولات شعبية؛ مثل “اللي صدق في الحب قليل”، أو “الست ملهاش غير بيتها”، “أنا حرّة”، “كيد النسا”، “جواز عتريس من فؤادة باطل”، و”المرأة محور الصراع”، و”ما وراء ابتسامة الموناليزا”، وغيرها.. بعض هذه العناوين تكشف عن تمثّل حقيقي لهذه المقولات التي نادت بها الحركة النسوية كعنوان “أنا حرة” على الرغم من أن الفصل يسعى إلى مناقشة هذه القضية في ضوء الفيلم الشهير، وبالمثل زواج عتريس من فؤادة باطل، يكشف عن المواجهة وتسلُّح المرأة ووقوفها ضدّ الرجل، وإن كان الفيلم في مضمونه يتطرق إلى قضية أخرى، لكن تصدُّر المرأة للعنوان، وللفعل كما حدث في الفيلم، كشف عن سلطة جديدة للمرأة التي تناطح سلطة الرجل، وقد تصل إلى حد القهر على نحو ما حدث في فيلم الفضيحة، فالمرأة ما أن تولت سلطة حتى أساءت استخدامها.
في الحقيقة إن المؤلفة لا تقع في إغراء مفاهيم الحركة النسوية، بل بالعكس فهي تلمّح إلى قصور هذه المفاهيم خاصة أنها كانت تتوجه بخطابها إلى نساء الطبقة الوسطى، في حين أن الطبقات الفقيرة لم يكن أمامها اختيار سوى العمل في مهن متدنيّة؛ فأحلام النساء الفقيرات تختلف عن أحلام نساء الطبقة الوسطى. كما تأخذ على الموجة الثانية للحركة النسوية إغفالها تأثيرات شبكات الاقتصاد الرأسمالي، وما نتج عنه من ازدياد لاستغلال الفقراء، ومن ثم فهي لا تلقي بالا للنساء الموجودات في أدنى درجات الهرم الاجتماعي.
تكشف المؤلفة أن فكرة المساواة التي نادت بها الحركة النسوية، كانت وبالا على المرأة، فمثلما شاركت المرأة الرجل دوره في العمل خارج البيت، تحمّلتْ وحدها العمل داخل البيت، ومن ثمّ صار على المرأة لكي تتكيف بين الخارج والداخل أن تكون امرأة خارقة.
كما تطرح المؤلفة مفهوما للحبِّ بعيدا عن التّصوّرات الرومانسيّة التي تحصره في علاقة الرجل بالمرأة، فالحبُّ الحقيقي ليس بسبب الانجذاب إلى الجمال، فالأميرة الصغيرة في قصة ماليفست، حلّتْ عليها اللعنة، وما إن وصلت عامها السادس عشر حتى دخلت في سُبات عميق، ولم ينقذها الأمير الوسيم، ولا قبلته، بل أنقذتها ماليفست، التي انتقمت من أبيها عبرها، فوقعت في حبها، وأنقذتها. وهنا يكمن المعنى الحقيقي للحب.
الكتاب في مجمله مراجعة جادّة لأفكار الحركة النسوية، وتطوراتها، وفي بعض أجزاء منه نقد للكثير من مفاهيم هذه الحركة التي لم تكن بقدر تطلعات من آمن بها، بل على العكس تماما، كانت بمثابة القيد الذي أدخلتْ فيه المرأة نفسها بكامل إرادتها، بعد أن تحرّرت من البطريركية الذكورية.

1