أحدث الأخبار
الخميس 05 آب/أغسطس 2021
جدلية العلاقة بين منظمة التحرير الفلسطينية وقيادة عرب ال 48. *الجزء الثاني
بقلم : د.عامر الهزيل ... 14.02.2021

الطريق الى "الكادوك" وخطاب انتصار الصهيونية.
اذا لم تكن تكفي نتائج حرب لبنان الكارثية, جاء انشقاق فتح والحرب الأهلية الفلسطينية. في ظلها زار عرفات مصر أواخر عام 1983 ورداً عليه ابتعد الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي عنه. تزامناً مع ذلك بدأت مرحلة تقليص الدعم الخليجي للمنظمة وفقاً للاستراتيجية العامة.
هكذا تعمقت ازمة عرفات ونهجه الذي ارتكز في هذه المرحلة اكثر واكثر على النخب الوطنية من البرجوازية الصغيرة الاكاديمية والمثقفة بالأساس من الضفة ومن عرب ال 48 خصوصاً بعد اغتيال عصام السرطاوي عام 1983.
برز من بينهم سري نسيبه, فيصل الحني, حنان عشراوي وصائب عريقات الذي بادر عام 1983 ببرنامج للتبادل الأكاديمي للحوار بين الأكاديميين والفلسطينيين والإسرائيليين ايماناً منه بأن المفاوضات هي الوسيلة الوحيدة لحل القضية الفلسطينية وكيف لا وهو صاحب كتاب الحياة مفاوضات. واوعزت القيادة الفلسطينية لقيادات وطنية من البرجوازية الصغيرة من عرب ال 48 مثل محمد ميعاري وغيره بإقامة حزب عربي يهودي مشترك. وفقاً لذلك تأسست الحركة التقدمية للسلام عام 1984 والتي ضمت شخصيات يهودية وحصلت على مقعدين في الكنيست محمد ميعاري وماتي بيلد الذي التقاه السرطاوي في منتصف السبعينات وبعدها. جاء برنامج التقدمية منسجماً مع توجه عرفات بمطالبتها الاعتراف المتبادل بين دولة إسرائيل والدولة الفلسطينية في حدود ال 67 وبمنظمة التحرير الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. وبحق صدق اهل الجبهة الديمقراطية بقولهم ان هذا الطرح تكرار لمواقف الحزب الشيوعي الإسرائيلي, لكن عرفات بحث في هذه المرحلة وبعدها عن اكثر من ركيزة بين عرب ال 48 في ظل تأزم العلاقات مع الاتحاد السوفيتي.
بعد هذا بعام ,1985, قصفت إسرائيل مقرات القيادة الفلسطينية في حمام الشط بتونس لتسارع في تفاعل الأزمة . بالمقابل شنت هجوم تصفية على الحركة الوطنية في مناطق ال 67 وعلى الجامعات والمؤسسات والقيادات المحلية. التي أبدت انسجاماً مع فكرة إقامة الدولة في الضفة والقطاع كمشروع وطني. هكذا "جاءت الانتفاضة عام 1987 بشعار عصيان وبنيان لدعم حل الدولتين وكذلك وثيقة الاستقلال." على حد تعبير سري نسيبه.
والشيء بالشيء يذكر فقد دعا محمود درويش,ابن الحزب الشيوعي الإسرائيلي يوم سفره, في منتصف الثمنينات الى لقاء بين الشعراء الفلسطينيين والإسرائيليين. ومن بين ردود المعارضة كان كاريكاتير ناجي العلي "محمود خيبتنا الأخيرة" مقتبساً عبارة درويش "بيروت خيمتنا الأخيرة". كان ناجي ايامها هارباً بروحه في منافي لندن ولم ينجى بها اذ طالته رصاصات الغدر هناك عام 1987.
بعد رحيل ثائر المخيم بأشهر انفجرت الانتفاضة التي كتب محمود درويش وثيقة اعلان استقلال وإقامة دولتها المستقلة في مؤتمر المجلس الوطني 15.11.1988. قبلها اغتال الموساد قائدها الخارجي خليل الوزير (ابوجهاد) في تونس ابريل 1988.
في هذه المرحلة نشط احمد الطيبي بنقل الرسائل من قيادة حزب العمل الى عرفات والرد عليها منه. وهذا رغم حضر القانون الإسرائيلي أي تواصل مع منظمة التحرير في هذه الفترة. ايضاً بارك عرفات تأسيس رجل حزب العمل عبد الوهاب دراوشه الحزب الديمقراطي العربي عام 1988 . وكعضو كنيست منتخب دخل على خط الوساطة لحل الصراع بين "دولته وشعبه" على حد تعبير كثير من رجالات حزب العمل. هنا حمل دراوشه لعرفات من يتسحاق رابين, في 12.4.1989, وثيقة مشروع سياسي لا تختلف كثيراً عما تم التوصل اليه في أوسلو بعد اربع سنوات بحسب د. عمر محمود شلايل. بعدها بأسابيع وخلال زيارته الى باريس اعلن عرفات في 2.5.1989 ان الميثاق الوطني الفلسطيني اصبح "كادوك" بمعنى انه تقادم واكل الدهر عليه وشرب.
في اوج الانتفاضة انهار المعسكر الاشتراكي وغدا نظام العالم بقطب واحد قادته أمريكا في حرب "درع الصحراء" على العراق. دعم عرفات العراق ودفع الثمن غالياً سياسياً واقتصاديا حيث أغلقت عن المنظمة المساعدات المالية وربط الدعم مجدداً بتقدم العملية السلمية هذا غير كارثة اللجوء الثاني بطرد الفلسطينيين من الكويت.
في هذه الظروف وعشية انعقاد مؤتمر مدريد في 30.10.1991 اجتمع المجلس الوطني الفلسطيني العشرين واقر خارطة الطريق لمفاوضات مدريد وما بعده. إسرائيل أصرت هنا على لاءاتها ما بعد هزيمة حزيران 1967 وعشية مؤتمر جينيف منتصف السبعينيات. ومنها لا اعتراف بمنظمة التحرير ولا مفاوضات معها الا من خلال وفد اردني- فلسطيني مشترك اشترطوا ان يكون الممثلين من الضفة الغربية وغزة لحصر التمثيل عليهم لضرب أهم انجاز تاريخي للمنظمة والكفاح المسلح توحيد الشعب الفلسطيني بعد ما فتته النكبة. وفعلاً شارك الفلسطينيون في وفد أردني – فلسطيني مشترك برئاسة وزير الخارجية الأردني كامل أبو جابر والفلسطيني د. حيدر عبد الشافي. في كلمته امام المؤتمر وضح إسحاق شامير رئيس الوزراء الإسرائيلي موقفه بما لا يترك مجال للشك قائلاً: المقبول علينا السلام مقابل السلام وافق الحل المقبول هو الحكم الذاتي. موقف اصرت عليه اسرائيل منذ هزيمة حزيران 1967 وحتى رابين فهم اوسلو بنتيجته الاخيرة في هذا الاطار.
استمرت المفاوضات اكثر من عام اصر فيها حيدر عبد الشافي على ضرورة تحديد وضع الأرض النهائي والاتفاق على مدى ومعنى تنفيذ 242 ووقف بناء المستوطنات ملتزماً بخارطة الطريق التي اقرها المجلس الوطني العشرين. إسرائيل بدورها أصرت على نقاش اليات تنفيذ الحكم الذاتي واخر نص لموقفها كان في 17.12.1992. اين ما رفض د. حيدر عبد الشافي وبدون علمه بدأت مفاوضات أوسلو. غير مسار أوسلو, التي بادرت له حنان عشراوي وفيصل الحسيني من وراء ظهر حيدر عبد الشافي, كان مسار احمد الطيبي بين رابين وعرفات بحسب الوثائق الكثيرة ومنها كتاب حايم ريمون "ضد الريح". حتى شكل ما نقله وهو ودراوشه من مواقف إسرائيلية كرسائل سرية لعرفات وأبومازن أساس لاتفاقية أوسلو وقناتها السرية.
هكذا جاء نص الرسالة الأخيرة للاعتراف بإسرائيل متطابقة للنص الذي طلبه رابين ونقله احمد الطيبي لعرفات. ويصيب الإسرائيليون حينما يقولون : بهذه الرسالة نفت منظمة التحرير نفسها وشرعية وجودها وما اعترفت به إسرائيل هي السلطة الفلسطينية لإدارة الحكم الذاتي في غزة على الأرض والسكان وفي الضفة على السكان بدون الارض ولا يهم إسرائيل بعدها اذا سموا الفلسطينيين كيانهم دولة او منظمة تحرير فلسطينية. من نافل القول التذكير هنا ان إسرائيل اشترطت التوقيع على اتفاقية أوسلو بوقف الانتفاضة فكان لها هذا في يوم التوقيع.
سبق توقيع أوسلو طلب عرفات وابومازن من عرب ال 48 دعم حزب العمل وتشجيعهم ليكونوا كتلة مانعة له لتمرير اتفاقية أوسلو في الكنيست. نداء فهمت منه الناس المطلوب ففاز في انتخابات 1992 عبد الوهاب دراوشه رجل حزب العمل. وسقط محمد ميعاري القامة الوطنية وحركته التقدمية التي تأسست كما ذكرنا بإيعاز من عرفات نفسه عام 1984. في هذا السياق يسلط محمد ميعاري الضوء ,في مقابلة مع وديع عواوده, على محاولة إقامة قائمة مشتركة بينه وبين دراوشه في انتخابات عام 1992 بقوله: "رتب اللقاء بيننا سعيد كمال مندوب منظمة التحرير في القاهرة. هناك دعونا لتشكيل قائمة مشتركه بجانب الحزب الشيوعي. فقلت ما الهدف اجابوا "نريد التعاون مع حزب العمل." فقلت ان لا اتعامل مع حزب العمل فهو أساس النكبة الفلسطينية ونحن كسياسيين لنا مواقف وموقفنا الأساسي التصدي له. ثم سألني أبو مازن عن رابين فقلت انه فاشست يتغطى بالاشتراكية. فقال: انا اسألك عن رابين لا عن شمير. فكدت أصاب بالجنون لأنه استفزني بالسؤال."
حصاد هذه المرحلة تتوج بخطاب رابين يوم مصادقة الكنيست في 23.9.1993 على اتفاق أوسلو بدعم الكتلة العربية الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة /الحزب الشيوعي الإسرائيلي والحزب الديمقراطي العربي لطلب عرفات منهم ذلك. في كلمته قال رابين: "بعد مائة عام من العنف والإرهاب أقول لكم اليوم ان هذا اكبر انتصار للصهيونية باعتراف الد اعدائها بها."
في هذه الأجواء تأسس حزب التجمع الوطني الديمقراطي, رداً على أوسلو وضده , من خارج الكينونة الإسرائيلية ووهم مواطنتها كمشروع صدام مع قلب الصهيونية قانون الجنسية وربطه بقانون العودة الذي حدد طبيعة الدولة اليهودية ليس لأن اليهود أكثرية بل لكونهم يهود على حد تعبير بن غوريون. هدف التجمع بهذا التمازج استراتيجياً مع كينونة الشعب الفلسطيني الرافضة لأوسلو والداعمة لمشروع الأم إقامة الدولة الديمقراطية الواحدة بين النهر والبحر. وابعد تبنت وثيقة الانطلاقة للحزب "البرنامج – المبادئ – الأهداف" موقف واضح من كل عرابي هذا الاتفاق في فلسطين وخارجها بالقول:
" لقد انتجت الأوضاع السياسية المأزومة انماطاً بشرية لا تليق بشعبنا, وأصبحت الشخصية الأصولية والانتهازية نمطاً رائجاً.. وادت هذه الأوضاع الى انكفاء الوطنيين والشرفاء على ذاتهم, حفضاً للكرامة, حتى تمر هذه المحنة, ولكنها لن تمر الا برفع الأصوات والممارسة." الا ان الممارسة الحزبية فيما بعد اخذته الى حيث هو اليوم. مع هذا يبقى طرح انطلاقته "البرنامج- المبادئ- الأهداف" بوصلة نضال حقيقية في اطار استراتيجية "معاً ولوحدنا برؤية 2048" التي طرحنا تفاصيلها في مقالات أخرى كرد على واقع دولة إسرائيل الكبرى بين النهر والبحر ونظامها الفصل العنصري.
تزامناً مع نشأة حزب التجمع عمل عرفات وأبو مازن على التقريب بين الحركة الإسلامية والحزب الديمقراطي العربي بقيادة عبد الوهاب دراوشه في قائمة واحده لانتخابات 1996. الأمر الذي قاد الى انشقاق الحركة الإسلامية. بقي قسمها الاخر بقيادة رائد صلاح ومشروعه بناء مجتمع فلسطيني عصامي بوصلة لنموذج التمكين المجتمعي ضد المشروع الصهيوني وبذلك اصبح هدفاً لأذرعة المخابرات والسلطة الى ان تم حظر الحركة الإسلامية الشمالية الكامل وسجن القامة الوطنية واحد ابرز قيادات الداخل الشيخ رائد صلاح فك الله اسره.
بالمقابل ,وبعد توقيع أوسلو, عين احمد الطيبي مستشاراً رسمياً لعرفات. كما شغل منصب المتحدث باسم الوفد الفلسطيني في المفاوضات التي أجريت قبل توقيع اتفاق واي. وبدعم من عرفات اقام الحركة العربية للتغيير ودخل الكنيست لأول مرة بتحالف مع حزب التجمع الوطني الديمقراطي في انتخابات 1999. وبعدها قفز ليكون جزء فاعل ومؤثر من قيادة عرب ال 48.
نعم منذ رجوع عرفات غدت السلطة الفلسطينية جزء من مشهد قيادة عرب ال 48 وهم منها وحتى في هذه الانتخابات الأخيرة كان محمد مدني, منسق السلطة لشؤون عرب الداخل, خلف تأسيس حزب"معاً" على أمل أن يكون حزب يهودي عربي مشترك. وكما اصطفت قطاعات واسعة من البرجوازية الصغيرة الانتهازية في السلطة الفلسطينية حول الزعيم عرفات/أبو مازن دفع هذا الأخير بالبرجوازية الصغيرة ومعظم احزابها في عرب ال 48 لاستقلالية إسرائيلية خاصة تنسجم مع ما عمل بها وعليها الحزب الشيوعي الاسرائيلي تاريخياً ولتنعكس قوة في الكنيست لخدمة سلطة اوسلو ونخبها. وقد يصح التعبير ان سلطة أوسلو في رام الله اوجدت ما يوازيها من أحزاب أوسلو بين عرب ال 48 بالإضافة الى الحزب الشيوعي الاسرائيلي الذي كان من بين من استدرج المنظمة لبرنامج الدولتين وعليه دعم ومازال سلطة أوسلو.
وكما نجح اوسلو بحصر فلسطين والنقاش حولها في حدود ال 67 , كذلك دفع عرب ال 48 اكثر واكثر باتجاه الأسرلة والصهينة والبحث عن الخلاص الفردي لعجز الأحزاب العربية عن توفير مطالبهم في ظل نظام ديمقراطية الشعب السيد وانسداد افق النضال الوطني. وابعد فمثل ما نفي كون إسرائيل فلسطين في اذهان كثير من الأجيال العربية والفلسطينية الصاعدة , ما يفسر جانب من هرولة التطبيع والتتبيع العربية الحادثة , فقد استكمل اوسلو مهمة الحزب الشيوعي في شرعنة العلاقة بين العربي ودولته إسرائيل كعلاقة طبيعية والمعركة على الديمقراطية, المواطنة, العدالة والمساواة. ولعل ظاهرة منصور عباس وخطاب "المخربين" جالبة للانتباه في هذا السياق.
نعم في الحسابات التاريخية , وتحت وطأة دبلوماسية السلام والحرب المعادية, استدرج مشروع الحزب الشيوعي الإسرائيلي التاريخي بدعم الاتحاد السوفيتي ويساره العربي الثورة الفلسطينية لحل الدولتين. لكن كلاهما كنخب هزم أمام مشروع الصهيونية بأسقاط مشروع الدولتين وأقامة دولتها الواحدة الكبرى بين النهر والبحر ونظامها ديمقراطية الشعب السيد والفصل العنصري.
من هذا الباب اذا كان انتصار أوسلو قد ارسى حدود دولة إسرائيل الكبرى بين النهر والبحر فأن هزيمة النخب الفلسطينية وحدت الشعب الفلسطيني في فلسطين وخارجها ارضاً, تاريخاً وقضية وعادت به لمشروعه الأول إقامة الدولة الديمقراطية الواحدة بين النهر والبحر. استراتيجية "معاً ولوحدنا برؤية 2048" هي الطريق بالاتجاه الصحيح اذا ما كان التخطيط لها على المستوى التكتيكي والاستراتيجي عاقل وصلب في نفس الوقت.

1