أحدث الأخبار
الأربعاء 25 تشرين ثاني/نوفمبر 2020
يدعو لأندلس إن حوصرت حلبُ»!!
بقلم : سهيل كيوان ... 23.07.2020

ترتفع في الآونة الأخيرة أصوات عربية رسمية «تنظر بإيجابية» إلى فكرة حلّ الدولة الواحدة، وذلك بعدما أجهزت إسرائيل خطوة بعد خطوة على فكرة حل الدولتين للشعبين، وباتت تهدّد بضم البقية الباقية من فلسطين، فيردُّ البعض، بأنه إذا أصرّت إسرائيل على ضمّ المزيد من الأرض، فعليها أن تستعد لحل الدولة الواحدة. هذا وصدر قبل أيام قليلة بيان مشترك مصري- فلسطيني- أردني قيل فيه، «إن الضّم من طرف واحد مرفوض» وهذه صياغة أنيقة ومحايدة جدًا، كأنها تتحدث عن خلاف عائلي حول لون بلاط الحمّام.
وقيل أيضا، في خضم التصريحات المتعلّقة: لن يقبل الأردن بترحيل الفلسطينيين ولن يصبح الأردن وطناً بديلا، ولن يتخلى عن الوصاية على الأماكن المقدّسة»! ووصف رئيس الوزراء الأردني عمر الرزاز الضّم بأنه سيؤدي إلى دولة فصل عنصري جديدة.
وجاءت فزعة لفكرة الدولة الواحدة، من بيتر بينارت وهو زعيم صهيوني ليبرالي أمريكي، من خلال مقالة له نشرها في صحيفة «نيويورك تايمز» في الثامن من الشهر الجاري، قال فيها، بأن حل الدولة الواحدة بات أقرب من حل الدولتين، الذي لم يعد يؤمن به، وتعرّض إثره إلى نقدٍ وهجوم، واتهموه بأنه يهودي يكره نفسه. حلّ الدولة الديمقراطية الواحدة للشعبين، يروق جدًا لمعظم الفلسطينيين والعرب، فهو الحل الأمثل والجذري للصراع، وما أسفر عنه من تداعيات وكوارث تشظّت عاماً بعد عام، وما زالت تلد مآسي جديدة.

حديث الدولة الواحدة ناتج عن العجز عن فعل أي شيء لوقف التمدّد الاستيطاني ووقف تهويد القدس ومصادرة ما تبقى من الأرض

الفلسطينيون يتصوّرونها دولة مثالية، يتمتّع فيها جميع المواطنين بالحقوق والواجبات، تكتظ أسواقها ومقاهيها ومناطقها الصناعية بالفلسطينيين واليهود والزائرين والتجار ورجال الأعمال من الأشقاء العرب، وبالسائحين من شتى الأمم، في انسجام تام مثل أسراب الحمام. يجب أن نميّز بين من طرح فكرة حل الدولة الواحدة منذ عقود، وما زال يؤمن بها، وناضل لأجلها ودفع ثمنا باهظا من الأرواح والدماء والأموال، والتهرّب من مواجهة سياسة فرض الأمر الواقع بالهرب إلى أمام. عندما يصدر حديث الدولة الواحدة عن جهات رسمية عربية، فهو ناتج عن قلة الحيلة والعجز عن فعل أي شيء لوقف التمدّد الاستيطاني، وعن وقف تهويد القدس ومصادرة ما تبقى من الأرض، وهو في الواقع العجز عن حل الدولتين، الذي كان واقعيًا وقريبًا في مرحلة ما من الصراع، والذي كان أقل كلفة بكثير من حل الدولة الواحدة.
من فوائد «النظر بقبول» إلى حل الدولة الواحدة من قبل هذا المسؤول أو ذاك، هو أنه يُغني عن صداع اسمه مقاومة الاحتلال والتطبيع، ويُغْني عن سحب سفير أو إعادة نظر في الاتفاقات، ويريح من ملف المقدّسات، فلماذا المناكفات ما دام أن القدس ستكون عاصمة للدولة الواحدة العتيدة، وما دام أن الأرض والموارد الطبيعية ستكون للجميع، فالاستيطان ليس مشكلة كبيرة، ما دام أنه سيكون في نهاية المطاف من نصيب المواطنين العرب واليهود! حلم الدولة الواحدة الديمقراطية أصعب وأبعد بكثير من حلم الدولتين، لأنه يعني نهاية المشروع الصهيوني وليس لجم تمدّده فقط، يعني نهاية دولة إسرائيل، وليس العيش إلى جوارها وقبولها في المنطقة العربية، يعني نشوء جيش وبرلمان مشترك وإمكانية وجود عربي في رئاسة الحكومة والدولة، واستبدال النشيدين الوطني الإسرائيلي (هتكفاه – الأمل) والفلسطيني (فدائي يا أرض الجدود)، بنشيد جديد يمثّل الجميع، أو لإبقاء كل على نشيده وبرلمانه وإنشاء كونفيدرالية، أو فيدرالية بحيث تصبحان ولايتين متحدّتين تشكلان دولة واحدة.
حل الدولة الواحدة يحتاج أولا، إلى استعداد فلسطيني متجدّد، وإلى نفس كفاحي طويل للعقود المقبلة، وإلى عالم عربي وهيئة أمم ومجلس أمن غير التي نعرفها اليوم، وهذا لن يحدث إلا بعد تغييرات تاريخية، قد يكون سببها كوارث كبيرة مثل الحروب الطويلة المدمرة، التي يتمنى الجميع انتهاءها بأي حلٍ كان، أو بعد اجتياح أوبئة فتاكة، تجعل من الدول أسماء على غير مسمى، أو تغييرات داخلية غير محسوبة، مثل تلك التي أدت إلى تفكك المعسكر الاشتراكي، ثم إلى وحدة ألمانيا ونشوء دول جديدة. أما في الظروف الحالية، فيجب أن نمر أولا في مرحلة رضوخ إسرائيل وانصياعها لحل الدولتين، حسب قرارات الشرعية الدولية، وهذا يشمل القدس عاصمة لفلسطين، ومن بعد هذا وفي المستقبل، وبعد حالة سلام طويلة وثابتة، ممكن أن تنشأ ظروف جديدة، وإلا كيف ستتقبل إسرائيل وشعبها نشوء دولة ديمقراطية واحدة، في حين أنها ترفض ما هو أقل من هذا بكثير؟
في هذه الحيثيات وحيث عجز الفلسطينيون والعرب والمجتمع الدولي عن فرض ما يسمى الشرعية الدولية على دول الاحتلال، يصبح الحديث عن دولة واحدة نموذجاً جديداً من مقولة درويش، «يدعو لأندلس» إن صودرت الأغوارُ.

1