أحدث الأخبار
الأحد 28 شباط/فبراير 2021
بريق غير لامع !!
بقلم : مها صالح ... 17.07.2020

تقزّمَ كونٌ درسنا عنه في الجغرافيا والعلوم بأنّه كرويّ الشكل، عميق الأسرار، وعظيم الصنع الإلهيّ، ولكنْ لم يخطر ببالنا يومًا أنّ عظمة هذا الكون سيضمحلّ ويصغر أمام ماردٍ ما يستهويه الإنسان. لكن كيف؟؟ مجازيًّا تقزّمَ الكون وصغرت سرائره عندما استباح الإنسان أسراره ومكنوناته عبر تطبيق صغير يكوّر العالم ويقعّره بمفتاح ورابط وكبسة زرّ. لا ضير في معرفة خبايا العالم واكتشاف أسراره التي تُؤهّل عقلنا وتُنوّر بصيرتنا، لكنْ أنْ ننصهر بهذا العالم ونختلق قصصًا ورواياتٍ لا تمتّ للواقع، ونتلصّص على بعضنا البعض ونخلق حالاتٍ مِن الضغينة والحسد والغيرة ونتناسى بأنّ هنالك واقعًا موجودًا وحقيقيًّا وبحاجة لطاقتنا المهدورة في اللا شيء إلّا لإضاعة الوقت واختلاق العديد من المشاكل والآفات الاجتماعيّة التي يغلب عليها طابع الجاسوسيّة ووضع الناس تحت المجهر.
لقد حوّلْتَ يا إنسان هذا الكون إلى عالَم رقميٍّ ندنو بدنوّه، عالَم افتراضيّ ينسجه خيالك، أصبح لُعبتك المُفضّلة ودُميتك المتنقّلة، تنام معك وتسهر معك وقد تزيد قهرك وتولّد آلامك وتجمع ما بين الحسن والقبيح، الصالح والطالح. نكذب على أنفسنا بأنّ هذا الاختراع قد يُغنينا عن ملامسة ألم حيٍّ أو جُرح نازف حقيقيّ أو طبطبة مِن إنسان نُحبّه أو كلمة مِن شخصٍ نثق به. هذه التكنولوجيا قد تسلّينا لبعض الوقت لكن لن تعوّض مَن يُحبّنا أو يؤنس وحدتنا أو يعوّض غياب أحبابنا . أين الرجل؟ أين المرأة؟  أين الطفل؟ إنّهم منغمسون بهذه التكنولوجيا والبعض الكثير اختار منها القبيح فقط وابتعد عن الخضرة والماء والهواء ليكون مأثرا فقط!
ألهذه الدرجة نحن بحاجة إلى الكذب؟! هل إظهارٌ للناس عكس ما نُبطن سيُجمّلنا؟ هل نعكس الحقائق  لنُنكر ذاتنا ونحتقر صورتنا (إنْ وجد الضمير الحيّ) لهذا العالَم الافتراضيّ الذي بنيناه عن طريق ما يُسمّى وسائل التواصل الاجتماعيّ الذي حوّلَتنا إلى أدوات تسخر مِن وجودنا المفترض أنّه عابر لحياة أفضل؟!  الله جميل يُحبّ الجمال, لكنْ ليس الجمال الإلكترونيّ الذي حوّلَنا إلى كائنات تُحاكي الغريزة والجمال البلاستيكيّ، والذي حول المنصات إلى منابر للتنمر والضغينة. أودع الله فينا العقل وميّزَنا به عن باقي المخلوقات، لكنّ العقل في الألفيّة الثالثة انحرف عن مساره إلى طريق لا نعرفه ولم يسطّر في الكتب وصفوف الدراسة. نعم أنا معَ التقدّم العلميّ لكنْ لسْتُ معَ مسخ الإنسان ليتحكّم به جهازٌ. ماذا نجني مِن إظهار ما ليس لنا أو يمثّلنا؟ ماذا نتعلّم مِن المراءاة والنفاق والتنمر الذي أصبح رائجا في الفترة الأخيرة؟!
نعم لقد قزَّمْتَ يا إنسان هذا الكون بتفاهتك وأنت قد قزّمَتْك التكنولوجيا بذكائها الاصطناعيّ غَلَبَتْ ذكاءك الفطريّ. لا نستحقّ وجودنا، بل يستحقّ الوجود مَن يسعى للخلود بفكره، وعلمه، وثقافته. مَن يُرِدِ الجمال يخلِقْه لنفسه أوّلًا بعيدًا عن الجماد. مَن يُرِدِ الإصلاح يُدارِ نكبات الناس. مَن يُرِدِ التواصل يبتعدْ عن النفاق. مَن يُرِدْ أنْ يُحَبَّ يبتعدْ عن الزيف. مَن يُرِدِ الخير يبتعدْ عن بواطن الشرِّ ويَزُرِ الجمعيّات الخيريّة والمخيّمات التي ملأَتْ أصقاع العالم العربيّ والمشرّدين على الأرصفة.
هذا حالنا اليوم وقد لا تكون لكلمتي ولا لقلمي الأثر في التغيير أو لَفْتِ أنظار العالَم إلى الانحدار الذي وصَلْنا له، لكنْ تبقَى هناك بِذرة “أملٍ” لولاها لما تعلَّمْنا كيف نحيا الحياة.
كانت لي تجارِبي الخاصّة والجميلة بهذا العالَم الذي لم أعتبرْه  قطّ بديلًا عن العالَم الحقيقيّ والذي يجمّلني بوجودي فيه ومروري من خلاله والذي أضاء على الوجه الآخَر من الحياة كعشق وطن غائب، تاريخنا وإرثنا، قصائد عشق روحي. أدرت البوصلة إلى الاتّجاه الصحيح، تجارِبي وسّعت من أفقي على كلّ الاتّجاهات فكانت لي إضافة على هذه التكنولوجيا سرقتها لكن لم تسرقني، ليس بالضرورة أنْ ينتهج الناس نهجي، كلٌّ له هُويَّته وشخصيّته، لكنّ المهمّ أنّ نتوحّد على ما يرفعنا لا يسخّفنا، ولا نبقى أسرى هذا البريق الغير خالد.
أخيرًا وليس آخِرًا… أُلخِّص الحال ببعض هذه الكلمات النثريّة:
حرنا واحترنا وحار زماننا فينا..
سخّرنا المعبود، والفنون، والعلوم لمنافعنا..
جمعنا المجموع، وقسمنا المقسوم، وفرّقنا القلوب التي فينا..
رمينا الكلمة وطرحنا من جملنا كلّ ما رُوي عنّا..
هل هذا ما كنّا نتمنّى؟
وحيد أنا بطريق معبّد لا يسلكه  من عاكس زماننا…
كما قال من كرّم الله وجهه طريق الحقّ خالٍ لقلّة سالكيه وقد تفرّقنا..
أنلعن الزمان أم الزمان يلعنّا؟
لا أدري!  قد أكون أنا مَن ابتلعه الطريق وأخال نفسي في حلم قد يلامسنا..

1