أحدث الأخبار
الأربعاء 19 شباط/فبراير 2020
أولاد الحرام… !!
بقلم : سهيل كيوان ... 16.01.2020

هنالك أسطورة صنعتها أجيالٌ من السُّذّج حتى أصبحت تراثا، وهي في جوهرها بثُّ أخبار انتصارات وهمية على الأعداء هروبا من الواقع وللتخفيف من حِدّة الفشل أو الهزيمة.
إحدى دعائم هذه الأوهام والأكاذيب تكمن في تهويل خسائر العدوّ، ومن ثم الادعاء بأنه يخفي خسائره الحقيقية، ولكن كيف يمكن للعدو أن يخفي خسائره وكل جندي له أسرة تنتظرُ أخباره، وخصوصا في عصر الاتصالات المتقدمة؟
الطريقة بسيطة بساطة إعداد كوب شاي بالنعناع، وهي أن العدو لا يعلن عن مقتل الجنود «اللقطاء» في صفوفه، لأن أحدا لا يسأل عنهم.
هذه الأوهام يطرب لها الإعلام السلطوي، كيف لا ومردودها يُسهمُ في مواصلة تضليل الشعب واستحماره!
انتشرت هذه الكذبة الشهيرة بسرعة بعد إنكار البنتاغون لمقتل ثمانين جنديا أمريكيا في قاعدة عين الأسد، كما أعلنت إيران، وذلك قبل أن يعترف جنرال إيراني «بأدب وإنسانية وذوق رفيع وحنان»، بأنهم لم يستهدفوا الجنود الأمريكيين أصلا.
قالت الكذبة بأن أمريكا لا تعلن عن الضحايا من الجنود «اللقطاء»، وهو ما يعرف بالتسمية الاجتماعية الموروثة «أولاد الحرام»، أي مجهولو الوالدين أو الذين يولدون خارج إطار الزواج، هؤلاء اللقطاء وحسب فهم الوعي الكسيح، لا يسأل أحدٌ عنهم حتى وإن قُتلوا.
يشكل المولودون خارج إطار الزواج، لقطاء وغير لقطاء، حوالي 50٪ من الأطفال في أوروبا وأمريكا، ومنهم نسبة عالية ممّن تتبناهم دولهم بهم وترعاهم منذ صرختهم الأولى إلى أن يبلغوا الرشد، ليبحروا في الحياة، وليصبح بعضهم رواد فضاء أو قادة عسكريين أو أعضاء في البرلمانات أو رجال أعمال أو فنانين ومقدمي برامج مثل أوبرا وينفري التي تعتبر من أغنياء أمريكا، ومثل ستيف جوبز، وهو لوالد سوري وأم أمريكية خارج إطار الزواج، تبّنته عائلة أمريكية بعيدا عن والديه البيولوجيين.
هذه حقائق ولا تعني أنها ظواهر صحيّة، إذ إن لها أضرارها الكثيرة، لكنه واقع موجود بشكل واسع جدا، ولكن الدول الحديثة تتعامل معها بمسؤولية، وليس بالاستهتار والإهمال، حيث يتحول معظمهم إلى منحرفين وأولاد شوارع في بعض الدول ومنها دول عربية، فلا القوانين ولا المجتمع يفرّق بين من نعتبره حُرا، وبين من نعبره لقيطا في مفهومنا القبلي البدائي منذ أيام عنترة بن شداد، فالجندي الأمريكي أو الأوروبي «اللقيط» لا ينتظر مقولة شدّاد لعنترة (كُرّ فأنت حُرّ)، فكل مواطن في الدول الحرّة هو مواطن حُرّ لأنه يولد حُرّا، وليس عقد الزواج بين والديه هو الذي يقرّر إن كان له حقوق مواطنة أو عدمها، بل إن الدولة تأخذ الطفل من والديه إذا ما كانا مهملين في رعايته، أو إذا ما كانا مُدمنين للسموم، أو لا يجيدان التصرف مع الأطفال.
أمر الإسلام بإنصاف ما يسمى «اللقيط»، لأنه لا تزر وازرة وزر أخرى، وهنالك تشريعات في هذا الشأن، لكن الدول المتخلفة عاجزة عن التزاماتها للمواطن العادي فما بالك بهذه الفئة المُستضعفة. ولهذا، فكثير من هؤلاء يتحولون إلى منحرفين وأولاد شوارع، مثلا هذه ظاهرة قوية في المغرب، وحسب إحصاءات رسمية، يولد في كل يوم 100 لقيط، نصفهم يتحول إلى الضياع.
«اللقيط» له أصدقاء أو أسرة متبنية أوعشيقة، أو زوج أو زوجة ورفاق في التعليم والعمل وفي السلاح، والأهم أن هناك مؤسسات تعتبر هؤلاء مواطنين كاملي الحقوق، هذا الحق يشمل إعادة جثمانه إلى وطنه باحترام، كجندي حارب في جيش بلاده، بغض النظر عن هدف السلطة من إرساله، وعن وعيه وموقفه من احتلال بلاده لبلاد الآخرين، تلك تفاصيل أخرى، ولكن لا يُلقى جثمانُه في البحر كما يُهبِلُ بعضُ الهِبْل.
في الدول الحديثة، تحصل أسرة أو زوجة أو عشيقةُ «ابن الحرام» المعروفة بين الجمهور، على تعويض يكفيها للعيش بكرامة ودونما حاجة إلى أحد ودون إذلال.
وفي إمكان «ابن الحرام» أن يترك لعشيقته عيّنة من مائه المنوي قبل السفر إلى الحرب، وستعيش بذرتُه بعده إذا ما قُتل، وسوف يكون ابن ابن الحرام هو ووالوالدته برعاية الدولة.
اللافت هو أن الدول التي تدّعي بأن مواطنيها وجنودها كلهم «أحرار»، بمعنى أن أصلهم وفصلهم معروف ومسلسل أبا عن جد، هي الدول التي تخفي خسائرها البشرية الحقيقية، وأي مواطن حُرّ حقيقة يحتج أو يحاول البحث عن الحقيقة، يُضرب بعشرين حذاء على بوزه، كي ينسى بأنه حرٌ، ويتهّم بالعمل على إضعاف المعنويات وخدمة أهداف العدو.
يتخلل الحروبُ خدعٌ وضروراتٌ عسكرية في الإعلان أو عدم الإعلان عن العدد الدقيق للضحايا، ولكن هذا مؤقت حتى ينتهي الضرر الذي يمكن أن يسبّبه الإعلان، وفي الدول المتحضرة سيُعرف كل شيء في نهاية الأمر، وسيكون موثّقا وفي متناول أيدي الباحثين فيما بعد.
في المحصلة، فإن ما يقرّر ليس ما أخفاه العدو، وليس ما نجح الإعلام الكاذب في ترويجه، بل النتيجة على أرض الواقع، وذلك بعد جلاء غبار المعركة، مع «لقطاء» أو مع «أحرار»، وكما يقول المثل «بكرا يذوب الثلج ويبان المرج»، وياما سمعنا كذبا، وياما بانت العُفونة تحت الثلج حتى أكثر مما تخيّل أعداؤنا، وياما اكتُشفت مقابر جماعية دُفن فيها أحرارٌ حاولوا أن يتحرّروا من عبودية الأنظمة.
أخيرا تبقى الحقيقة المؤلمة التي يعرفها الجميع، أن التشريد والقتل وهتك الحُرُمات والدفن بالجرافات في الصحارى وإلقاء الجثث في الأنهار والبحار من نصيب الشعوب التي يقودها لصوص وقتلة ومهرّجون يختزلون الحرية ومفهوم المواطن الحُرّ بالولادة لأبوين بعقد زواج رسمي، وهناك تنتهي حدود حرّيته، بعيدا عن الحُرّية الحقيقية الرحبة التي حدودها السماء.

1